يوصف تيري إيغلتون بأنه «أشهر النقاد الأكاديميين وأكثرهم تأثيراً في بريطانيا والعالم الناطق بالإنجليزية»، وعلى الرغم من أن كثيراً من كتبه لم يترجم إلى لغتنا، إلا أن اسمه معروف بقدر معقول في الأوساط الثقافية العربية.
وقد اشتهر كتابه «النظرية الأدبية» الذي صدرت ترجمته العربية في الثمانينيات، وكذلك لقي كتاباه «النقد والأيديولوجيا» و«الإرهاب المقدس»، رواجاً (نسبياً) بين القراء العرب المهتمين.
وكثيراً ما كان اسم ايغلتون يحضر في سياق الاهتمام بكتابات إدوارد سعيد، على اعتبار أن الاثنين يتشاطران بعض المفاهيم والشواغل الأدبية والفكرية والسياسية.

ولد تيري ايغلتون عام 1943، وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من كلية ترنتي في كيمبريدج، ثم انتقل عام 1969 إلى أكسفورد، وقام بالتدريس في كلية وادهام وفي كلية ليناكري، وفي عام 2001 احتل كرسي جون إدوارد تايلور في النظرية الثقافية في جامعة مانشيستر، واستمر عمله الأكاديمي فيها حتى عام 2008. في جعبة ايغلتون الكثير من كتب التنظير الأدبي والنقد الثقافي، إضافة إلى عناوين عديدة تدور حول اهتمامات سياسية واجتماعية وتاريخية متنوعة.
وفي كتابه «كيف نقرأ الأدب»، يعود ايغلتون إلى شغفه بالتحليل الأدبي، وهو بداية يقر بنبرة يشوبها الأسى بأن فن تحليل الأعمال الأدبية يقترب «من الموت واقفاً على قدميه، شأنه في ذلك شأن رقصة القبقاب. فثمة تراث برمته أسماه نيتشه «القراءة البطيئة» معرض لخطر الاندثار من دون ترك أي أثر»، لذلك يسعى المؤلف إلى أن يؤدي دوراً في إنقاذ هذا التراث «بالاهتمام اهتماماً شديداً بالشكل الأدبي وبالتكنيك»، آملاً أن يكون كتابه هذا «دليلاً للمبتدئين»، وأيضاً «لأولئك المشتغلين حالياً في الدراسات الأدبية أو الذين يستمتعون بقراءة القصائد والمسرحيات والروايات في أوقات فراغهم». وثمة هدف آخر وهو إثبات «أن في وسع التحليل النقدي أن يكون متعة، فيساعد بذلك في هدم الخرافة القائلة إن التحليل عدو المتعة».
من المرجح أن يكون ايغلتون قد نجح في هدفه الأخير، فكتابه هذا يشكل رحلة ممتعة في عالم النصوص الأدبية الشهيرة.. الأفكار الذكية والملاحظات العميقة تسري في الكتاب بانسيابية لطيفة، بعيداً عن تجهم النقد المعتاد وعن جفاف اللغة الأكاديمية.
وثمة خفة ظل أصيلة خالية من الافتعال والتصنع تقوم على المفارقات المدهشة واللعب على المتناقضات، فهو يعمد، مثلاً، إلى اختبار بعض الشخصيات الأدبية بإطلاق أسئلة مفاجئة حولها، أو بانتزاعها من نصوصها ووضعها في سياقات مختلفة، كأن يتخيل إحدى بطلات جين أوستن رفيقة في رحلة بالباص، أو أحد أبطال ديكنز نديماً في حانة.. وبالطبع فإن مثل هذه الأسئلة والاختبارات المفاجئة تتمخض عن إجابات طريفة ووجيهة.
الإلحاح على أهمية الشكل والتكنيك يتجلى في مثابرة المؤلف على تنبيهنا بأن المطابقة بين «حديثنا عن النصوص الأدبية وحديثنا عن الحياة اليومية» هو أمر غير مجد في مقاربة الأدب، ف«أكثر الأخطاء التي يقترفها طلاب الأدب شيوعاً يتمثل في السعي إلى معرفة ما تعبر عنه القصيدة أو الرواية، غاضين الطرف عن الأسلوب الذي تعبر به. إن مثل هذه القراءة إنما تهمل الطابع الأدبي للعمل، بمعنى أنه قصيدة أو رواية أو مسرحية، وليس تقريراً عن حادثة تآكل التربة في ولاية نبراسكا».
إن الأعمال الأدبية، وفق ايغلتون، هي قطع بلاغية تتطلب نمطاً من القراءة على درجة كبيرة من اليقظة، نمطاً متنبهاً للنبرة والحالة المزاجية، والسلاسة، والجنس، والنحو، والتراكيب، والنسيج، والإيقاع، وبنية السرد، وعلامات التنقيط.. إذاً لا يكفي أن نعرف «ماذا تقول» النصوص الأدبية؛ بل يجب الاهتمام أيضاً ب«كيف تقول». ولكن الإلحاح على الشكل وعلى التكنيك لايجعلنا هنا نصل إلى ما يقوله «ما بعد الحداثيين» من أن النصوص عوالم مغلقة على ذاتها، ولاتمت بصلة إلى العالم الواقعي، فخلاف ذلك يلح المؤلف على وضع الروايات والمسرحيات المعروضة في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، ويؤكد أنها تنتمي بشكل أو بآخر، إلى هذا العالم الذي ننتمي إليه نحن أيضاً.
في فصل «الشخصية» يعرض ايغلتون لقضية الشخصية النموذج، وهو يميز بين نوعين: النموذج من جهة، والنموذج النمطي من جهة أخرى. وإذا كان لايحبذ مفهوم النموذج النمطي الذي يجمع الشخوص في مراتب وأنماط ثابتة وعامة، ما يطيح بمفاهيم الفردية والتميز والاختلاف؛ فإنه كذلك لا يوافق على ذلك الميل الذي يرى أن مهمة الأدب تنحصر في البحث عن الجوهري والمتفرد، وغير القابل للمقارنة.
في كل فرد منا مقادير معينة ومختلفة من الخصائص، وكذلك يختلف ترتيب الخصائص بين فرد وآخر، الشيء الذي ينتج التميز والاختلاف، ولكن هذا لايعني أن البشر جميعاً لايشتركون في الخصائص الإنسانية نفسها، ومن هنا فلا وجود لشخصية غير مسبوقة أو لصفة لاتتكرر، أو لجوهر فردي لايشبهه شيء من قبل أو من بعد.
إن الشخصيات الأدبية «إن لم تكشف إلى حد ما عن بعض الخصائص التي واجهناها من قبل، فإنها لن تكون مفهومة، وإن من شأن شخصية أدبية أصيلة تماماً أن تقع في شبكة اللغة تاركة إيانا من دون أي شيء نتفوه به».
يختم ايغلتون رحلته بفصل عن «القيمة»، متسائلاً: «ما الشيء الذي يجعل من العمل الأدبي عملاً جيداً أو رديئاً أو وسطاً ليس بالجيد ولا بالرديء؟»، ويستعرض الكثير من الإجابات التي تم طرحها وتطويرها وتعديلها عبر العصور: عمق البصيرة، والواقعية، والوحدة الشكلية، ونيل الإعجاب الشامل، والتعقيد الأخلاقي، والابتكار اللفظي، والرؤية التخييلية.
وهو يقف ممحصاً في بعض الإجابات الأكثر شيوعاً، ومنها تلك التي تتعلق بالأصالة، إذ يرى بعض النقاد أن الأصالة ذات أهمية كبيرة، فكلما كان العمل الأدبي مخاصماً الأعراف والتقاليد، ومفتتحاً بذلك شيئاً ما جديداً، فإن المرجح هو أن نضعه في مرتبة عالية، لكن «التفكير لحظة واحدة في هذا الموضوع يكفي لإلقاء ظلال الشك عليه. فليس كل ما هو جديد ذا قيمة. فالأسلحة الكيماوية حديثة العهد، ولكن ليس عدد الناس الذين يبتهجون بها لهذا السبب بكبير. كما أن التراث ليس كله مملاً.. ثمة نماذج مشرفة من التراث، مثل المناداة بحق المرأة بالاقتراع في إنكلترا، أو حركة الحقوق المدنية الأمريكية. إن التراث يمكن أن يكون ثورياً».
وكذلك يفعل إزاء معيار مشابهة الواقع، الذي يعتبره «غير مناسب وسخيف. إن شخصية كورديليا عند شكسبير، وشخصية الشيطان عند ميلتون، وشخصية فاغن عند ديكنز، رائعة لأننا من غير المرجح أن نلتقيها في أسواق وال مارت».
من الكلاسيكية إلى التفكيكية، ومن شكسبير وفيلدينغ إلى بيكيتونابوكوف، تتنوع موضوعات الكتاب وتزدحم بالأفكار والملاحظات، ولكن خلف هذا الشتات ثمة خيط رفيع ومحكم تمسكه يد خبيرة، وصولاً إلى استنتاجات تشحذ الذائقة وتقترح أدوات أذكى للقراءة.