يوسف أبولوز

أجمع في هذه المصفوفة النصّية: إن جازت العبارة، أو في هذا النصّ أو في هذا الخطاب بين ثلاثة مكوّنات للمادة: الكتابة، والكتب، والقراءة، فالمدخل الأوليّ لصناعة كتاب هو الكتابة في حدّ ذاتها أو فعل الكتابة، فلا يولد الكتاب من السديم أو من الفراغ، والكتب لا تهبط علينا بالمظّليات من السماء؛ بل، هنا على الأرض وعلى أرض الواقع ثمة مؤلفون ونسّاخ وورّاقون يبدأون صناعة الكتب من الحبر ومن الورق الذي عرفنا صناعته في وقت يعود إلى نحو العام ٧٥١ عندما اقتاد العرب مجموعة من الأسرى الصينيين إلى مدينة سمرقند؛ حيث تأسس أول معمل لصنع الورق.

المهم هنا أن صنّاع الكتب الحقيقيين هم الكتّاب، والكتابة هي المنصّة التي تنطلق منها الكتب إلى جهات العالم، وبالطبع يلي ذلك فعل القراءة، فالمعادلة واضحة ومعروفة: كتابة أو كاتب + كتب + قراءة.

الكتابة ممارسة أخلاقية حضارية، وهي قبل أن تكون صناعة، هي رسالة وقيمة وثقافة، الكتابة أيضاً تاريخ وتوثيق وتدوين.

(1)

الكتابة ليست مجرد تأليف أو نسخ أو نقل؛ بل هي إنتاج وخلق وإبداع، إنها بحسب نزار قباني عمل انقلابي.. يقول.. «الشرط الأساسي في كل كتابة جديدة هو الشرط الانقلابي، وهو شرط لا يمكن التساهل فيه، أو المساومة عليه، وبغير هذا الشرط، تغدو الكتابة تأليفاً لما سبق تأليفه، وشرحاً لما انتهى شرحه، ومعرفة بما سبق معرفته. الكتابة الحقيقية، هي نقيض النسخ، ونقيض النقل، ونقيض المحاكاة الزنكوغرافية أو الطباعية.. نزار قباني «الكتابة عمل انقلابي ص٧»، وعندما تذهب إلى رأي كهذا الرأي في جوهر الكتابة، فإننا في الوقت نفسه نتحدث عن الكتب الحقيقية الإبداعية «الانقلابية»، الكتب المولودة من ذاتها، والكتب غير المنسوخة أو غير المسروقة أو الكتب غير المقرصنة.

عندما تتحدث عن الكتابة بوصفها قيمة حضارية ثقافية أخلاقية، فأنت لا تفصل هذا الحديث عن القيمة الحضارية الثقافية الأخلاقية للكتاب نفسه.. الكتاب الذي يرقى عند الكثير من الشعوب إلى درجة التقديس أو القداسة، فالكتاب هو علامة على مستوى اجتماعي مثلاً،.. مستوى اجتماعي أعلى مرتبة، والكتاب هو حامل للفكر وللعقائد وللحكمة وللفلسفة؛ بل، تُنسب إلى الكتب بعض المعتقدات التي تعزّز فكرة التقديس هذه..

يقول د. الكسندر ستيبتشيفتش في كتابة «تاريخ الكتاب، القسم الأول - صفحة 162».. «كانت تنسب في الأوقات السابقة بعض الصفات الخارقة لبعض الكتب، وهكذا، فقد كان المصريون القدماء، ثم اليهود وغيرهم من شعوب الشرق الأوسط، والرومانيون يعتبرون بعض الكتب «مقدّسة»؛ ولذلك كانوا يحترمونها بشكل خاص، وفي بعض الأحيان كان لهذه الكتب قدرة على الشفاء من الأمراض الخطرة، وتجلب الحظ لكل مَنْ يمسّها، بينما تومِّن الحمل للمرأة..».

(2)

.. ولكن ماذا قبل الكتابة، وقبل الكتب؟ كيف كان الناس يتفاهمون في يومياتهم وفي حياتهم التي تتطلب خطاباً مشتركاً له دلالات، ثم هل الكتابة هي امتياز لشعب في ذاته أو لثقافة أو حضارة في ذاتها؟.. الباحث «يوهانس فريدريش» في كتابه «تاريخ الكتابة»، يتتبع تاريخ وأبجديات ولغة أكثر من مئة كتابة في الشرق القديم وغربي آسيا، وآسيا الوسطى، وجنوب شرقي آسيا وفيتنام، واليابان وكوريا وأمريكا.. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد يكون القارئ يسمع أو يقرأ عن أنواع من الكتابة للمرة الأولى ومن أمثلة ذلك: كتابة لولو، كتابة مياو، كتابة ياو، كتابة سي سيا، كتابة موسو، وهي من كتابات جنوب شرق آسيا، أما كتابات آسيا الوسطى المشتقة من الآرامية فمنها، مرة ثانية على سبيل المثال لا الحصر: الكتابة المانوية، الصغدية، الويغورية، المنشورية، وبكلمة ثانية ففي العالم عشرات وربما مئات الكتابات ولكن ليس بالضرورة أن تولد كتب من هذه «الكتابات» أو «الأبجديات» التي يكتب بعضها من اليسار إلى اليمين، ومن اليمين إلى اليسار، ومن أعلى إلى تحت، ومن تحت إلى أعلى.

وهكذا فأرض البشر هي أرض اللغات أيضاً، أرض الكتب والمكتبات.. ولكن مرّة ثانية، وبالعودة إلى مرحلة ما قبل تاريخ الكتابة.. ماذا يخبرنا د. يوهان فريدريش إنه يسميها الكتابة بِ «الموضوعات».. «..التاجر يدلّل على بضاعته في السوق مستخدماً في معظم الأحيان الحديث الشفهي، أما البائع في الحانوت فبالإضافة إلى عرض البضائع على واجهة المحل.. يرسم صورة السيجارة، أو الدجاجة، أو الخبز، أو المفتاح.. المقصّ يدل على محل الحلاقة، وغصن شجرة الكرمة رمز يدل على المكان الذي تحفظ فيه الكحول، وارتداء الملابس السوداء رمز يدل على موت أحد أفراد الأسرة، والخاتم يرمز إلى الزواج».

بهذا التوضيح، فإن كتب الإنسان الأولى هي مجموعة كبيرة من الصور، فقد كانت الصور تحلّ محل الأبجديات، ولكن الإنسان توجه بعد ذلك إلى الرموز، ومن الرموز إلى الحروف، ومن الحروف إلى الكلمات.

(3)

احتفى الإنسان بالكتاب، فهو ناسخه وهو ورّاقه وهو مُزيّنه، وهو مجلّده، وإذا أردت، فإن فن تجليد الكتب هو فن قائم بذاته، إن تجليد الكتب هو عمل تشكيلي أو عمل فني إذا اعتبرنا أن المُجلّد يمتلك مخيّلة قادرة على التزيين والزخرفة كما أنه يُحاكي بذلك عمل الرجل الذي يصنع سجّادة على مهل وعلى مدى زمن طويل وقد تعوّد الصبر والدقة وحسب العقد والخيوط والزخارف.

لا يتحدث د. «ستيبتشيفتش» في كتابه «تاريخ الكتاب» عن المظهر الجمالي أو الفني التشكيلي في تجليد الكتب؛ بل، يركّز على الجانب العلمي والتاريخي في هذا الفن - فن تجليد وتزيين الكتب - وبالطبع لهذا الجانب العلمي التاريخي أهميته الثقافية عندما نتتبع تاريخ الكتاب في العالم.

وهو يعطينا هذه المعلومات المهمّة عن أولى الكتب التي صدرت بأغلفة في التاريخ؛ حيث قبل ذلك لم يكن الغلاف هو الغلاف الذي عرفه «الناشرون» القدامى.. يقول د. ستيبتشيفتش.. «..أول من فكّر بطباعة صفحة خاصّة للغلاف كان ب. شافر لكتاب «فرمان الحملة الصليبية ضد الأتراك، الذي أصدره سنة 1463 ميلادية، إلاّ أن شافر لم يعرف أن يستفيد من كل المزايا لهذا التجديد؛ ولذلك، يُعد أرنولد ترهورنن أول من طبع كتاباً بغلاف حقيقي سنة 1470 ميلادية في كلن، ومع هذا فقد جاء الطابع الألماني، لعلّه يقصد الناشر الألماني، إرهارد راتولد ليطبع في فينيسيا سنة 1476 ميلادية أول غلاف كامل لِ «كتاب التقويم..».

اليوم يُعد الغلاف عند بعض النقاد، كما يقولون، «عتبة» للنصّ، أي أن النصّ الأدبي شعراً بشكل خاص.. وسرداً يُكشف على نحو ما تشكيلياً في الغلاف.

يحمل الغلاف سواءً أكان لوحة أو كان صورة أو كان غلافاً أملس فارغاً.. يحمل بعض ملامح وسمات النصّ، وأكثر من ذلك، أصبح الغلاف «علامة» دالّة على دار النشر.. علامة نشرية تجارية يحظر تقليدها أو استخدامها من جانب دار نشر أخرى منافسة أو غير منافسة.

إن الكلام على «الغلاف».. يحيل أيضاً إلى الكلام على «المخطوط» قبل أن يتحول المخطوط إلى الكتاب، والمخطوط أيضاً يحمل رمزياته الجمالية التاريخية، وللمخطوط قيمة تاريخية ومادية ومعنوية يعرفها جيداً مقتنو المخطوطات وكبار أصحاب دور النشر.

كان يقوم على عمل المخطوطات نسّاخون محترفون؛ بل، كان القساوسة نسّاخين أيضاً، ومؤتمنين على مخطوطات دينية ثمينة إلى جانب كتب في التاريخ والأدب.

فعل تطهر

في آخر المطاف ننتهي إلى فعل القراءة، ولنذهب إلى واحد من كبار مدمني الكتب.. واحد من كبار الشغوفين بالورق، ألبرتو مانغويل، وهذه خلاصة سريعة من قراءاته:

«.. إننا نقرأ ما نود أن نقرأ، لا ما كتبه الكاتب. في «دون كيخوتة»، البطل ليس مهتماً على نحو خاص بعالم الفرسان والفروسية؛ بل، بأخلاق البطل، وبالصداقة المثيرة للفضول مع سانشو وفي «الريح في أشجار الصفصاف» يعنيني من السيد تود «أقل بكثير مما يعنيني من رات ومول وبادجر..».

القراءة فعل اكتمال وتطهر. تماماً مثل الكتابة التي تطهر، ومثل الكتب التي تطهر أيضاً، وفي مقابل الكتب التي تطهر، ما أكثر الكتب التي تلوث وتدنس وترجّس.. وهذه كتب سوداء ينأى الشغوف عنها ولا يقترب من ورقها، أو الأسماء المطبوعة على أغلفتها. فقط المثول المقدس في حضرة الكتب النظيفة.