بدأت الكيمياء في عصر الحضارة الإسلامية بترجمة كتب القدماء، ومهدت هذه المرحلة لظهور مرحلة تالية من التأليف والإبداع على أيدي العديد من العلماء وفي مقدمتهم جابر بن حيان الملقب بشيخ الكيميائيين وأستاذ الذين جاؤوا بعده تأليفًا وبحثًا وابتكارًا في مجالات الكيمياء. ذلك أنه اعتمد أسلوب التحليل الكمي محل التحليل الكيفي في تفسير الظواهر الكيمائية، واستخدام الموازين الحساسة الدقيقة، فقد قال عنه كراوس في كتابه: مختارات من رسائل جابر بن حيان: جابر من أعظم رواد العلوم التجريبية لأنه جعل الميزان أساسًا للتجريب، وهذا خير أداة لمعرفة الطبيعة معرفة دقيقة. ويذكر المؤرخون أن علماء الكيمياء في أوروبا استخدموا الميزان في تجاربهم بعد استعمال جابر له بأكثر من ستة قرون.
وكان جابر بن حيان أول من قام بتحضير العديد من المواد الكيميائية، مثل الصودا الكاوية، وحامض الكبريتيك (وسماه زيت الزاج)، وحامض النتريك (ماء النار)، وحامض الهيدروكلوريك (روح الملح)، والماء الملكي (مزيج من حامضيْ النتريك والهيدروكلوريك) كما أنه أول من توصل إلى خلط ملح الطعام بمحلول نترات الفضة لينتج راسب أبيض هو كلوريد الفضة. واهتم جابر بن حيان بالكيمياء التطبيقية، فهو أول من توصل إلى فصل الذهب عن الفضة بالخل بواسطة الحامض، وهي الطريقة المستخدمة حتى الآن في تقدير عيارات الذهب في السبائك الذهبية وغيرها، وهو أول من استخدم الشب في تثبيت الصباغة على الأقمشة، وقد أثبتت صحة ذلك البحوث العلمية الحديثة. كذلك توصل جابر إلى تحضير بعض أنواع الطلاء التي تقي الثياب من البلل، كما أنه وضع نظريته في الاتحاد الكيميائي قبل دالتون الإنجليزي بحوالي ألف سنة.
وفي مجال الكيمياء الطبية، كتب جابر بن حيان في السموم ودفع مضارها وتأثيرها على الإنسان والحيوان، وصنفها إلى سموم حيوانية ونباتية ومعدنية وقد كانت كتبه في السموم تمثل حلقة وصل بين الكيمياء والطب.
وكان أبو بكر الرازي الملقب بجالينوس العرب لتفوقه في علم الطب، يكاد يقف على قدم المساواة مع أستاذه جابر في الكيمياء، وعده البعض من مؤسسي الكيمياء الحديثة في الشرق والغرب، وترجمت كتبهما إلى اللغات الأوروبية فأسهمت في جعل الكيمياء علما تجريبيا يتطور ويزدهر على أساس علمي سليم، بعيدًا عن الغموض والتستر والطلاسم والخرافات التي تميز بها في الصنعة أو الكيمياء القديمة.
ومن علماء الحضارة الإسلامية الذين امتد نشاطهم إلى العلوم الكيميائية المختلفة نذكر أبا القاسم العراقي صاحب كتاب المكتسب في صناعة الذهب، وعبدالله الكاشاني مؤلف كتاب صناعة القيشاني وعز الدين الجلدكي صاحب كتاب التقريب في أسرار التركيب الذي يعتبر موسوعة علمية شملت الكثير من البحوث والنظريات الكيميائية ويعد الجلدكي أول من قدم وصفا مفصلا لطرق الوقاية وإجراءات السلامة والأمان في مختبرات الكيمياء حيث ابتكر استخدام الكمامات القطنية والقماشية للوقاية من خطر استنشاق الغازات الناتجة عن التفاعلات الكيميائية كما أنه أدخل بعض التحسينات على صناعة الصابون.
ومن شهادات المؤرخين يقول ديورانت في كتابه قصة الحضارة: الكيمياء كعلم ابتدعه المسلمون الذين أدخلوا دقة الملاحظة وضبط التجربة والسجل التراكمي العلمي واخترعوا التنقية أو الفصل بالتقطير، والتحليل الكيميائي، وفكرة الأحماض والقواعد، وقاموا بتحضير مئات العقاقير التي استخدمت في الطب. ويقول هولميارد في كتابه المبدعون في علم الكيمياء: إن علماء العرب هم مؤسسو الكيمياء كعلم تجريبي، فهم الذين استخدموا الموازين والآلات والمكاييل لأغراض الدقة العلمية.
وعندما انتقل تراثنا العلمي إلى أوروبا، واطلع علماؤها على نتاج المسلمين الغزير، لم يبق أمامهم إلا أن ينطلقوا على طريق البحث الكيميائي الجاد الذي رسمه لهم عباقرة العلم وصنّاعه في عصر النهضة الإسلامية.