حرية اختيار التخصص الدراسي في الجامعات حق مكفول لجميع الطلبة، ولكن مع التوسعات العلمية التي تشهدها الدولة، بدأت المجالات العلمية تخطف أنظار الطلبة سواءً كانوا خريجين من القسم العلمي أو الأدبي في الثانوية العامة، وفي تلك النقطة تفاوتت آراء المسؤولين والطلبة، فهناك عدد من المسؤولين يؤكدون أن الطالب الأدبي طموحه يدفعه للنجاح في التخصص العلمي مع وجود صعوبة في البداية، وفي المقابل يرى بعض من المسؤولين خطورة على الطالب الأدبي في حالة دخوله التخصص العلمي دون وجود قاعدة اساس تحميه وتؤهله لاستيعاب الكم الضخم من المعلومات التي ستقدم له في التخصصات العلمية، ويرون في عدم قبول خريجي الأدبي في التخصصات العلمية مصلحة للطلبة .
من جانب الطلبة، فالبعض يرى أن طموح الطالب يعد دافعاً قوياً لهن لطرق كافة الأبواب دون الخوف أو القلق، كما أكد عدد منهم أن الالتحاق بالتخصصات العلمية حق من حقوق كل طالب سواءً كان من طلبة العلمي أو الأدبي، وكل من يرغب في دراسة تخصص معين، لديه الحق في الالتحاق به .
وأكد عدد منهم أن الحصول على سنة تأسيسية أو افتتاح برامج دبلوم في التخصصات العلمية يشجع طلبة الأدبي على الالتحاق بالتخصصات العلمية في الجامعات، حيث يقدم لهم المعلومة العلمية بطريقة ميسرة وسهلة، كما يمكنهم استكمال دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه فيما بعد .
وأكد عدد من المسؤولين والطلبة أن طلبة الأدبي يعانون صعوبة كبيرة أثناء الدراسة وأن البعض منهم يعطلون سير العملية التدريسية في الحصص الدراسية، لما يطرحونه من أسئلة كثيرة تعبر عن استيائهم وعن عدم قدرتهم على تلقي المعلومة العلمية وترجمتها في عقولهم لاستيعابها، ما يكلف الدولة مزيداً من الأموال نتيجة حصول الطلبة على سنوات إضافية للدراسة واستيعاب المواد العلمية، متسائلين عن كيفية هروب الطلبة في المرحلة المدرسية من القسم العلمي إلى الأدبي ومن ثم اختياره كمجال للدراسة الجامعية .
عقول متميزة
"الخليج" التقت عدداً من المسؤولين في الجامعات الذين تفاوتت آراؤهم حول قبول طلبة الأدبي في التخصصات العلمية ووضعوا بعض المقترحات لتلك المسألة، حيث أكدت الدكتورة آمنة المازمي مدير قسم شؤون الطلبة في كلية فاطمة للعلوم الصحية، أن التخصصات العلمية مثل الصيدلة والطب والهندسة وطب الأسنان والتمريض بحاجة إلى عقول متميزة تلقت المواد الأساسية كالرياضيات والفيزياء والأحياء والكيمياء، وملمة بأساسياتها، حيث إن تلك المواد تؤهل طلبة العلمي في المدارس لأن يلتحقوا فيما بعد بالتخصصات الجامعية العلمية دون الشعور بصعوبة تعيقهم عن الدراسة .
وأشارت إلى أن نسبة خريجي العلمي من الثانوية العامة الملتحقين بالكلية يمثلون أكثر من 90% من إجمالي الطالبات الملتحقات بالتخصصات الصحية في الكلية، مؤكدة توقفهم خلال السنوات الأخيرة عن قبول طلبة الأدبي في تخصصات كلية فاطمة للعلوم الصحية إلا بعد تلبيتهم لشروط القبول، من بينها حصولهم على نسبة تتعدى 90% في مجموع الثانوية العامة ويتم قبولهم بعد نجاحهم في امتحان تحديد المستوى الذي تضعه الكلية، بالإضافة إلى إجراء مقابلة شخصية، في حين يتم قبول طلبة العلمي الحاصلين على نسبة تفوق 85% بعد نجاحهم في امتحان تحديد المستوى والمقابلة الشخصية .
وبينت أن معظم الطالبات من القسم الأدبي الذين التحقوا بكلية فاطمة للعلوم الصحية يدرسون تخصص التمريض، فيما تخرج خلال السنوات الماضية في الكلية نحو 6 طالبات كن من القسم الأدبي في كل عام مضى .
ودعت أولياء الأمور والمدارس كافة إلى توعية الطلاب بمجالات العمل المتوفرة في الدولة في الوقت الجاري وفي المستقبل، مبينة أن سوق العمل أصبح بحاجة إلى كوادر تعمل في مجالات جديدة كمجال النفط والغاز ومجال الطيران والمجالات الصحية والهندسية وأيضاً في المجال النووي في الدولة، بينما طلبة الأدبي معرضون إلى الالتحاق بتخصصات محدودة كالتعليم أو إدارة الأعمال أو الوظائف الادارية الأخرى، لذلك يقع على عاتق جهات التعليم وأولياء الأمور في الدولة مسألة توعية أبنائهم وطلابهم بأهمية الالتحاق بالقسم العلمي منذ المراحل المبكرة في المدرسة، فيما تتراوح أعداد طلبة العلمي في معظم المدارس بين 30% إلى 40% من إجمالي طلبة المدرسة، وهو ما يحتاج إلى تحديد أعداد معينة للقبول في كل من القسم العلمي والأدبي في المدارس .
فهم المناهج
ولفت الدكتور محمد المعلا نائب الرئيس الأول للبحوث والتطوير في جامعة خليفة في أبوظبي إلى أن بعضاً من البلدان العالمية التي تفتح أبواب الالتحاق لطلبة الأدبي في التخصصات العلمية، تتبع نظاماً مختلفاً في العملية التعليمية في مدارسها، ما يوفر للطلبة قاعدة الأساس التي تدفعهم للالتحاق بالتخصصات الهندسية والعلوم الصحية في الجامعات، ومنها دراسة مواد الكيمياء والفيزياء والرياضيات .
ولكن النظام الحالي في المدارس يقدم لطلبة الأدبي المواد الأساسية للعلمي ولكن بشكل مبسط يجعل طلبة الأدبي يشعرون بصعوبة في فهم المناهج الجامعية العلمية ويظلمهم، ما قد يؤخرهم في استكمال الدراسة بطريقة مريحة بالنسبة إليهم، ما يعطلهم ويؤخرهم في سنوات الدراسة .
وأشار إلى أن جامعة خليفة لا تقبل طلبة الأدبي في تخصصاتها التي تطرحها في الوقت الحالي، لافتاً إلى أنه ربما في السنوات المقبل يتم قبول الطلبة في حالة تغير النظام الحالي في المدارس بعد إجراء دراسة علمية للتأكد من ذلك .
وأكد قبول طلبة التكنولوجيا التطبيقية على مستوى الدولة في تخصصاتها الجامعية التي تعتمد على نظام تدريسي متخصص ومتقدم، يقدم للطلبة فيها منذ مرحلة مبكرة المعلومات الأساسية التي تؤهلهم للالتحاق بالتخصص الذي يرغبون في استكمال دراسته فيما بعد، مبيناً أهمية توعية الطلبة بالتخصصات الجامعية مبكراً ما يشجعهم على الالتحاق بالقسم العلمي أو الأدبي حسب طموحهم .
شروط ومتطلبات
وأكد الدكتور ميثم مجيد، منسق أكاديمي في قسم تقنية المختبرات الطبية في كلية التقنية العليا للطلاب في أبوظبي، أن الأقسام العلمية في كلية التقنية العليا على مستوى الدولة لا تقبل الطلبة إلا بعد استيفائهم شروط القبول، منها ألا تقل نسبة الطلبة في الثانوية العامة عن 70%، وأن يحصلوا على درجة 180 في سيبا الرياضيات و150 على الأقل في سيبا اللغة الإنجليزية، أو درجة 5 في الآيلتس بالنسبة لبعض الأقسام العلمية، ومن خلال اختبارات القبول التي تجريها الكلية قد يتم إدخال الطلبة الملتحقين إلى السنة التأسيسية التي تتراوح بين عام أو عامين ويحصل فيها الطالب على فرصة لزيادة مهارات اللغة الإنجليزية وأخرى حسابية تساعده في دراسة التخصصات العلمية واستيعاب المصطلحات العلمية .
ولفت إلى أن الهيئة الاكاديمية في كلية التقنية العليا تقدم دعماً كبيراً لطلابها وتجيب عن استفساراتهم على مدار الساعه، وخلال عملية التدريس يتم تقسيم الطلبة على مجموعات صغيرة ما يسهل عليهم الدراسة والفهم، ويرى أن في برامج الدبلوم حلاً لخريجي الأدبي للالتحاق بالتخصصات العلمية ومن ثم استكمال الدرجات العملية الاخرى بسهولة اكبر .
حرية شخصية
وعلى جانب آخر، يرى بعض من طلبة العلمي في التخصصات العلمية وجود تعطيل في سير العملية الدراسية بسبب التحاق خريجي الأدبي بالتخصصات العلمية في الجامعة، بينما يرى الملتحقون حالياً من طلبة الأدبي إلى التخصصات العلمية أنها حرية شخصية وطموح يجب أن يتحقق، حيث أشار الطالب عبداللطيف الشرفا في برنامج العلوم الصحية بقسم علوم المختبرات الطبية، وخريج من قسم الأدبي في المدرسة، إلى أنه يواجه بعض الصعوبة في استيعاب المفاهيم العلمية في تخصصه الدراسي، مبيناً أنه في دراسته الجامعية يتلقى المواد العلمية الأساسية كالفيزياء والكيمياء ولكن بشكل أعمق، ولأنه تخرج من القسم الأدبي فإنه يواجه صعوبة في استيعابها في البداية، ومع الشرح المفصل ومساعدة هيئة التدريس يبدأ في استيعاب المعلومات، ولذلك تسبب دراسة التخصصات العلمية في الجامعات لطلبة الأدبي صدمة أولية عند التحاقهم ما يدفع البعض منهم إلى توقف الدراسة والانتقال إلى تخصص دراسي آخر ولكن بعد ضياع السنوات من عمر الطالب .
وأضاف أن السبب وراء اختياره دراسة تخصص المختبرات الطبية هو دافع نفسي ونظرة مستقبلية لسوق العمل وهو بحاجة إلى سواعد إماراتية في التخصصات الصحية والهندسية، ولذلك دفعني طموحي لدراسة هذا التخصص الجديد الذي طرحته كليات التقنية العليا في أبوظبي، بالرغم مما فيه من صعوبة في فهم واستيعاب الكلمات الاجنبية والمصطلحات الطبية .
أما الطالبة فاطمة خوري، في قسم العلوم الصحية في كلية التقنية العليا في أبوظبي، خريجة قسم العلمي، فتؤكد أن الدراسة في التخصصات العلمية بحاجة إلى جهد كبير وسعي وفهم من الطالب، وهي بحاجة إلى اساس قوي يمكن اكتسابه من الدراسة المدرسية أو دراسة سنة تأسيسية بمواد مبسطة تؤهل الطلبة للالتحاق بتخصصات البكالوريوس العلمية في الجامعات، مشيرة إلى أن دراستها المدرسية في القسم العلمي ساعدتها بشكل كبير في استيعاب المواد العلمية التي تتلقاها في الجامعة .
ولفت الطالب علي الجابري في السنة الأخيرة في قسم العلوم الصحية في كليات التقنية العليا في أبوظبي وخريج من القسم الأدبي، إلى أن العزيمة الشخصية حفزته على دخول تخصص جامعي علمي، برغم ما يحتاجه من أساس علمي قوي، وأشار إلى أن الهيئة الأكاديمية في كلية التقنية العليا تقدم دعماً كبيراً للطلبة وتجيبهم عن كافة استفساراتهم، كما أن الكلية تقسم الطلبة بين الحصص الدراسية ليتراوح عدد الطلبة في الحصة الدراسية بين 8 أو 12 طالباً، ما يوفر متسعاً من الوقت امام الأكاديمي ليقدم كافة المعلومات ويجيب عن الاستفسارات بأكملها، مؤكداً أن التحاق الطلبة بدرجة الدبلوم ثم درجة البكالوريوس ستسهل على الطلبة الدراسة واستيعاب المعلومات والنجاح في دراسة التخصصات العلمية .
معاناة
وتساءلت نور أحمد مناضل خريجة من كلية الصيدلة في دبي، عن كيفية هروب الطلبة من الدراسة العلمية في المدرسة إلى دراسة المواد الأدبية ومن ثم الرجوع في الرأي الشخصي واختيار دراسة جامعية متخصصة في المجالات العلمية المختلفة، وهم لم يدرسوا مواد الكيمياء والفيزياء والرياضيات بعمق كما يتلقاها طلبة العلمي في المدرسة، وتلك المواد تعتبر الأساس للدراسة في أي تخصص علمي، مشيرة إلى أن خريجي العلمي يعانون صعوبة التخصصات العلمية في الدراسة، وبذلك ستكون المعاناة اشد أثراً على خريجي الأدبي .
إلغاء التشعيب
علي عيسى النعيمي عضو المجلس الوطني الاتحادي يرى أن في عملية إلغاء التشعيب في المدارس حلاً مناسباً يفتح المجال أمام كافة الطلبة الراغبين في استكمال دراستهم الجامعية في التخصصات العلمية المختلفة كالهندسة والعلوم الصحية الأخرى، حيث سيحصلون على المواد الأساسية المناسبة التي تؤهلهم للالتحاق بالتخصصات العلمية وتعزز من قدراتهم ومهاراتهم العلمية، ما ييسر عليهم الدراسة في المرحلة الجامعية ويذلل العوائق التي قد تواجههم .
ولفت إلى أن العديد من الطلبة يسيئون الاختيار بين القسم الأدبي والعلمي، لذلك من الضروري على المدرسة أن تقدم لهم الدعم الأكاديمي لترشدهم وتوضح لهم التخصصات الموجودة في الجامعات وشروط القبول فيها، بالإضافة إلى إطلاعهم على متطلبات سوق العمل في الوقت الحالي وفي المستقبل لتنير عقولهم، وتساعدهم في تحديد رغباتهم وطموحاتهم .
وأشار إلى أن بعض الجامعات التي تفتح التخصصات العلمية أمام طلبة القسم الأدبي هدفها الأكبر مادي وربحي، وليس هدفاً تعليمياً فقط .