لربما هو أول ما يستوقفك عند زيارة العاصمة العمانية مسقط، فبعد خروجك من المطار الدولي باتجاه قلب المدينة القديم، وخلال ما يقارب ربع الساعة، سيطالعك مبنى عظيم الهيئة يتميز بقبابه الذهبية ومآذنه الخمس التي تمثل أركان الإسلام، إنك في حضرة الجامع الأكبر، أضخم وأكبر الجوامع المشيدة في عمان، الذي بات اليوم أحد المواقع السياحية الرئيسية في البلاد، ويستقطب ما يزيد على ألفي زائر يومياً، فزيارة مسقط من دون التوقف عند هذا الصرح الحضاري تظل ناقصة بكل تأكيد .

استغرق بناء جامع السلطان قابوس الأكبر نحو ست سنوات ليفتتح عام ،2001 وهو لا يعتبر أكبر جامع في السلطنة ومركزاً لتعليم الدين الإسلامي والصلاة فحسب، بل تم تصميمه ليكون مركزاً للتفاعل مع روح الإسلام ديناً وعلماً، حيث يضم مكتبة تحتوي على نحو 20 ألف مجلد في شتى مناحي العلوم والفكر والأدب، إلى جانب الفقه والشريعة، كما يحتوي على قاعة ضخمة للمحاضرات ومركزاً للمعلومات الإسلامية ومعهداً للعلوم الإسلامية أيضاً يعد مرجعاً على مستوى العالم الإسلامي بكامله .

بدءاً من دخولك الجامع ستشعر بأنك تخطو نحو صرح تاريخي إسلامي ضخم، كل ما فيه مشغول بعناية ودقة حيث التصميم المعماري يمثل مجموعة الحضارات الإسلامية التي جرى دمجها معاً، من حضارة الأندلس وشمال إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية والشرق، وقد تم استخدام الأحجار المصقولة والمحفورة يدوياً في مختلف أنحاء الصرح، وتمت كتابة الآيات القرآنية على أركان الجامع المختلفة، وهي تزيد على 1564 متراً طولياً، وأضفت تلك الآيات المكتوبة بخط الثلث أجواء روحانية وجمالية خاصة على المكان، ويصل ارتفاع المئذنة الكبرى للجامع 91 متراً، أما القبة فلها غشاء مخرم متشابك تظهر من خلاله القبة الثانية المكسوة بقشرة من أحجار الفسيفساء الذهبية بكاملها . تتجلى جمالية هذا الصرح الديني في المصلى الذي يبهر الأنظار في كل زاوية وكل ركن فيه، وتظهر الدقة التي روعيت في التصميم والتنفيذ ولا سيما استخدام الفسيفساء التي تزين القبة من الداخل والمحراب، ما يجعلهما غاية في الروعة والجمال، وتزينت جدران المصلى الرئيسي بشرفات يتأصل طرازها في عمارة القلاع العمانية، فيما يتميز جدار القبلة بكوة المحراب البارزة في نتوئها عند الواجهة، كما هو التقليد في وضوح التعبير عن حائط القبلة في تصميم المساجد العمانية، ويعتلي المحراب من الخارج نصف قبة مماثلة في تكوينها لتشكيل القبة المركزية .

داخل قاعة المصلى الرئيسية وإضافة إلى الأقواس المصممة على الطراز العثماني والخشب المحفور بكل دقة، استخدمت مجموعة غنية من الزخارف الإسلامية وأحجار الفسيفساء، وفي القاعة أربعة أعمدة فقط، ما يبقيها مفتوحة وواسعة لتشكل تحفة في الدقة المعمارية والهندسية، تتوزع داخل هذه القاعة 35 ثريا كريستالية مطلية بالذهب، وتتدلى الثريا المركزية من قمة طاسة القبة بقوام يبلغ طوله 14 متراً وقطره 8 أمتار تنير بوساطة 1122 مصباحاً، وتزن نحو 8 أطنان، وتم تصميم المصابيح في الثريات على شكل مآذن، كما فرشت قاعة المصلى بسجادة عجمية مصنوعة باليد من الصوف الخالص استغرق تصنيعها أربع سنوات، وقد حيكت في مشهد الإيرانية بأيدي 600 شخص من أبرع من عمل في هذه المهنة، واستغرقت الحياكة وحدها 27 شهراً، وقد دخلت السجادة موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتبارها أكبر سجادة في العالم، حيث تبلغ مساحتها 4263 متراً مربعاً وتزن 21 طناً، وقد تمت عملية تجميع وضبط التوصيل والحياكة لأطراف وحواشي السجادة داخل القاعة نفسها لتعذر إدخالها القاعة فيما لو جهزت في الخارج، وتم تصميم المصلى الرئيسي ليضم أكثر من 6500 مصلٍّ، بينما تبلغ سعة مصلى النساء 750 مصلية، ومع إمكانية احتواء الصحن الخارجي لثمانية آلاف مصلٍّ، إضافة إلى الصحن الداخلي فإن السعة الإجمالية للمجمع تصل إلى إمكانية استيعاب 20 ألف مصلٍّ ومصلية .

استخدم في بناء حرم الصلاة الحجر الرملي الأبيض، بينما استعمل الحجر الأرجواني للأماكن الباقية ليعطي نوعاً من التمايز الجميل بين أماكن العبادة والأروقة المحيطة والمرتبطة بها، وقد استخدمت مجموعة غنية من الزخارف الإسلامية في تصميم النقوش المحفورة على أبواب الجامع الخشبية، وبعض من هذه الأبواب يحتوي على مشربيات مبطنة بألواح من الزجاج الملون، وتزداد كثافة الزخارف ودقة إيقاعها تدريجياً مع الانتقال من الأماكن الخارجية إلى الداخل . تستوقف الزائر لجامع السلطان قابوس الأكبر الأروقة التي صممت بطريقة جعلتها مقسمة إلى أجزاء مختلفة، كل جزء منها يحمل طرازاً معمارياً فنياً خاصاً به يمثل مختلف الحضارات والفنون الإسلامية من الأندلس إلى فن عمارة المماليك في سوريا، وفنون بلاد ما بين النهرين والحجاز والفن الإيراني الصفوي والإسلامي الهندي وغيرها من الفنون الأخرى، فشكلت هذه الأروقة متحفاً تاريخياً فنياً غاية في الروعة والجمال أعطى المكان بعداً ثقافياً إلى جانب البعد الديني الذي يقدم للزائر رسالة مفادها أن الإسلام دين واحد أياً كانت الأرض التي ظهر عليها .

يزين الجامع حديقة واسعة تتصل بأروقته وتتوسطها بركة رخامية ومجرى مياه، وتتوزع فيها أنواع مختلفة من الأزهار والألوان التي تسر السمع والنظر، يستغرق التجول في هذا الصرح من الزائر نحو ساعتين من الوقت، ويسمح المشرفون على هذا المركز بالتقاط الصور في جميع الأماكن الداخلية والخارجية، وقد تم تخصيص موقع إلكتروني ليعطي الزوار كل المعلومات التي يريدونها عن مختلف المرافق، ولتوضيح أوقات الزيارة ولا سيما للسياح القادمين من الخارج .