يقول الدكتور صبحي محمد عامر مختص الجراحة العامة، إن التطور السريع في استعمال المناظير أحدث ثورة هائلة في عالم الوسائل العلاجية وبخاصة الجراحية منها، فبدلاً من إجراء العملية التقليدية من خلال جرح كبير، أصبح من الممكن إجراء مختلف العمليات من خلال فتحات صغيرة، وبدقة متناهية، ونتائج مذهلة، وما يقارب من 80% من العمليات الجراحية تجرى بواسطة جراحة التدخل البسيط (المنظار)، الذي يحظى الآن بالاهتمام الشديد من قبل الأطباء والمرضى، وأصبح الطلب المتزايد عليها حافزاً لدى الأطباء والشركات الصانعة والمراكز العملية على استكشاف العقبات التقنية والفنية، والعمل للتغلب عليها وتطويرها، وبالفعل تم تصنيع الأدوات والمستلزمات الخاصة لإجراء العمليات من خلال ثقب واحد فقط.
ويستكمل: الجدير بالذكر أن أول عملية جراحية بالمنظار أجريت في أواخر 1990 في أمريكا، وبعدها انتشرت هذه الطريقة عالمياً، ويقدر أن ما يقارب 25% من عمليات المناظير يستعمل فيها تقنية المدخل الواحد، ومن العمليات التي يمكن إجراؤها بهذه الطريقة قص المعدة الطولي لمرضي السمنة المفرطة، الفتق الإربي، الزائدة الدودية، المرارة، استئصال القولون وغيرها من الجراحات النسائية وجراحة المسالك البولية، ولكن لا يمكن استخدام جراحة المنظار في حالات الأورام كبيرة الحجم.
مميزات المنظار
ويؤكد د. عامر علي أن إجراء الجراحة بالمنظار أصبح لها تفوق وتفضيل بدل الإجراء الاعتيادي، وتتميز هذه الطريقة بـما يلي:
{ الألم بعد إجراء الجراحة والحاجة إلى المسكنات أقل، وخاصة بعد الساعات الـ 24 الأولى من العملية.
{ كمية النزيف أقل؛ وذلك بسبب قلة الجروح.
{ الإنعاش بعد العملية أسرع، ومدة الإقامة في المستشفى لا تزيد على 8- 10ساعات في الحالات الاعتيادية.
{ العودة إلى ممارسة الحياة اليومية والعمل بعد أيام قليلة من الجراحة.
{ مقارنة بطريقة استعمال المداخل المتعددة، فإن هذه الطريقة تتميز بنسبة حدوث مضاعفات أقل، وذلك مثل إصابة الأمعاء، الأوعية الدموية، النزيف، التهاب الجروح، الالتصاقات والندبات.
وعن جراحة استئصال الزائدة الدودية باستخدام المنظار، يبين الدكتور سليل سركار مختص المناظير وجراحات الليزر، أن الزائدة الدودية عبارة عن أنبوب صغير في نهاية المصران الأعور، أسطوانية الشكل، مسدودة النهاية، مُعدل طولها في الإنسان 11 سم، تقع في بداية الأمعاء الغليظة، ولها فائدة مناعية؛ حيث إن بها نسيجاً لمفاوياً يعمل على تصفية البكتيريا والفيروسات الدخيلة وتكوين مناعة ضدها، أو كموقع تخزين لمواد هضم النباتات التي تزود الأمعاء بها إذا لزم الأمر، ويصيب التهاب الزائدة الدودية منطقة من المصران الأعور، ينتج عن انسداد رأس منطقة الزائدة الدودية ببقايا براز أو أي أجسام غريبة، ويعتبر التهاب الزائدة الدودية حالة إسعافية تستدعي التدخل الجراحي السريع؛ لمنع انفجارها أو تكون الالتصاقات.
الزائدة الدودية
يشير د. سركار أن الاعتقاد السائد بأن الزائدة الدودية ليس لها فوائد للجسم البشري تغيـَّر، وذلك بعد أن قدم علماء المناعة دراسة تفيد أن الزائدة الدودية ما هي إلا مكان تعيش فيه أنواع من البكتيريا المفيدة في عملية الهضم، وأن لها وظيفة مرتبطة بمكانها وبتنظيم كم البكتيريا التي يجب أن تكون في جهاز هضم الإنسان، كونها تمد جهاز الهضم بهذه البكتيريا بعد الإصابة بالأمراض الطفيلية والكوليرا والزحار والإسهالات، بعد أن تكون هذه الإصابات ومعالجتها قلصت أعداد البكتيريا في الأمعاء، كما أنها مرتبطة بجهاز المناعة خاصة عند الأطفال، وتحتوي على نسيج لمفاوي ذي أهمية لوظيفتها المناعية، وبالرغم من ذلك، فإن استئصال الزائدة الدودية لا يؤدي لمضاعفات أو أعراض جانبية، هذا ولم تُظهر البحوث أية أهمية للزائدة الدودية لدى البالغين.
أسباب التهاب الزائدة
ويذكر د. سركار أن ثمة أسباباً عدّة تسبّب التهاب الزائدة الدودية ومنها:-
{ أكثرها شيوعاً بين البالغين هو تعرّضها للانسداد، وخاصة عند نقطة اتصالها بالأعور، وفي هذا الإطار، تبيّن دراسة صادرة حديثاً عن جامعة «هارفارد» أن 250,000 عملية جراحية تجرى سنوياً في الولايات المتحدة لاستئصال الزائدة الدودية، وتفيد نتائجها بارتفاع نسبة الإصابة في صفوف الشباب ممّن تتراوح أعمارهم بين 10 أعوام و19 عاماً، ويزداد معدّل الإصابة لدى الذكور بنسبة 1 إلى 1.4 مقارنة بالإناث.
{ عادة ما يحدث الالتهاب بسبب انسداد مدخل الزائدة الدودية ببقايا الغذاء الموجود في الأمعاء، وأحياناً تكون بعض الديدان الطفيلية أو الأجسام الغريبة هي سبب انسداد مدخل الزائدة الدودية، عندما يتفاقم الانسداد بتكاثر بكتيري تصبح الزائدة منتفخة وملتهبة ومليئة بالقيح، وهنا تحدث الأعراض السريرية المتعلقة بالالتهاب.
{ ضيق في تجويف الزائدة الدودية نتيجةً لتضخّم الأنسجة اللمفاوية الموجودة في الجدار، وهذا الأخير شائع بين الأطفال، وفي هذا الإطار، تشير الأبحاث الطبية الصادرة عن جامعة «أكسفورد» إلى أن النمو المفرط في الأنسجة اللمفاوية قد يحدث نتيجةً لرد فعل المناعة؛ بسبب تعرّض الأطفال المتكرّر إلى عدوى بكتيرية أو فيروسية. ويؤدّي هذا الضيق أو الانسداد في تجويف الزائدة الدودية إلى تراكم الإفرازات المخاطية المتكوّنة، ما يعمل على زيادة نموّ البكتيريا وتكاثرها، وبالتالي حدوث الالتهاب، فتتحوّل الزائدة الدودية نتيجة لذلك إلى جيب منتفخ يملؤه القيح.
علامات وأعراض
يفيد د. سركار أن هناك بعض العلامات التي تظهر على المريض، متزامنة مع الإصابة بالتهاب الزائدة الدودية وهي كالآتي:-
{ وجود ألم حاد ومستمر في الربع السفلي الأيمن من البطن، غالباً ما يبدأ بعد 6 إلى 12 ساعة من الإصابة، ويزداد مع الحركة أو السعال، ويمكن تحديد مكانه على جسم المصاب عند نقطة اتصال ثلثي المسافة بين السرّة وعظمة الحوض بالثلث الأخير، كما تزداد شدّة الألم بمجرّد لمس موضع الالتهاب أو الضغط عليه. وقد يكون الألم محدّداً بدايةً حول السرّة أو في الجزء الكامن فوق المعدة، وقد يمتدّ ليصيب أجزاء البطن بالكامل.
{ حدوث ارتفاع بسيط في درجة الحرارة بعد مرور الساعات الست الأولى؛ إذ قد تصل درجة حرارة الجسم إلى 38,5 وذلك عند حدوث المضاعفات الناتجة عن الالتهاب كانفجار الزائدة أو تعرّضها للثقب.
{ فقدان للشهية والشعور بالغثيان.
{ قيء وغثيان في حال امتلاء المعدة.
{ ألم يبدأ حول السرة ثم يتحرك باتجاه الربع البطني السفلي الأيمن، حيث يصبح الألم متواصلاً ومحدداً. وقد يسوء بالحركة، التنفس العميق، الكحة، العطس، المشي أو لمس مكان الألم. ثم الغثيان والتقيؤ، وحمى منخفضة تبدأ عقب ظهور الأعراض السابقة.
{ عدم القدرة على إخراج الغازات أو إسهال بنسبة أقل، وألم عند الضغط في الربع البطني السفلي الأيمن خاصة عند نهاية ثلث المسافة بين السرة وعظمة الحوض وانتفاخ البطن وهي علامة متأخرة.
ويفيد د. سركار بأن العلاج يبدأ بإبقاء المريض صائماً منذ دخوله غرفة الطوارئ، ويمكن إعطاء المضادات الحيوية عبر الوريد، وذلك لتقليل كمية البكتيريا الموجودة في منطقة المصران الأعور، ونظراً لخطورة الحالة وسرعة تفاقم المرض فإن التدخل الجراحي هو الطريق الأنسب لعلاج حالات التهاب الزائدة الدودية، ومن الضروري اللجوء إلى التدخّل الجراحي في الوقت المناسب عن طريق إجراء عملية استئصال للزائدة الملتهبة؛ إذ إن أي تأخّر يقود نحو مضاعفات خطرة قد تؤدّي بالمصاب إلى الوفاة، وخصوصاً لدى الأطفال أو المسنين أو أثناء الحمل أو لدى تناول المصاب عقاقير مليّنة أو مسكّنة، وتجرى الجراحة بشكل طارئ، إما كلاسيكياً أو عبر التنظير البطني، فمن المعروف أن المرضى الذين تجرى لهم جراحة الزائدة بالمنظار يتعافون أسرع من أقرانهم الذين تستأصل لهم الزائدة بأسلوب الجراحة التقليدية. كما أنهم لا يحتاجون إلى فترة تمريض بعد خروجهم من المستشفى.
ويضيف: يقوم الجراح بفتح شق صغير في البطن في جراحة المنظار قبل إدخال كاميرا صغيرة تسمح له باستئصال الزائدة بمشاهدة العملية التي يجريها على شاشة تلفزيون، أما أغلبية جراحات الزائدة التي تجرى بالأسلوب التقليدي فتتطلب شقاً كبيراً في البطن، يعمل الجراح في معظم عمليات استئصال الزائدة بالمنظار عبر 3 شقوق (يبلغ طول كل منها 0.6 إلى 1.2 سم) بينما يقوم بمشاهدة الصورة المُكبرة للأعضاء الداخلية للمريض على شاشة التلفاز، وفي بعض الحالات، تتم إطالة إحدى الفتحات الصغيرة لاستكمال العملية ويستطيع المريض مُغادرة المستشفى في معظم الحالات في غضون 24 إلى 36 ساعةً، وعلى نقيض ذلك، فإن البقاء في المُستشفى عادةً ما يستمر لخمسة أيام في العملية المفتوحة.
مضاعفات محتملة
ويؤكد د. سركار أن هناك بعض المُضاعفات المُحتملة التي تُوجد عند استئصال الزائدة بالمنظار عند البعض على سبيل المثال:-
{ يُعتبر كبار السن في خطرٍ أكبر لحدوث المُضاعفات المُرتبطة بالتخدير العام.
{ يُعاني الجراح وقتاً أصعب في تنفيذ الإجراء على المرضى البدينين أو هؤلاء الذين خضعوا في الماضي لعمليةٍ جراحيةٍ في أسفل البطن.
{ يُعتبر أيضاً الأشخاص الذين يُعانون حالات مرضية موجودة مُسبقاً كمرشحين سيئين على الأغلب لاستئصال الزائدة بالمنظار.
{ تنطبق نفس الحالات على الأشخاص المصابين بمرض انسداد الرئة المُزمن والأمراض القلبية.
الحصوات المرارية
عن استئصال المرارة دون آثار للجروح، يبين الدكتور خويلد عبد الحليم حسن استشاري الجراحة العامة، أن النساء الأكثر عرضة للإصابة بحصوات المرارة والتهابها الحاد أو المزمن، وعادة ما تكون أعراضها عبارة عن آلام في الجانب الأيمن من البطن، ومن الممكن أن يكون في الكتف أو الظهر مصحوباً بغثيان وإحساس بالامتلاء، ولذلك نخشى على مريض حصوات المرارة من مضاعفاتها، مثل التهاب البنكرياس، أو انسداد القنوات المرارية التي تؤدي لارتفاع نسبة الصفراء بالدم، وهي مشكلة ممكن تؤدي إلى توقف الكبد والكلى عن العمل وتنتهي بالوفاة، وفي أغلب الحالات يجب التدخل الجراحي لاستئصال المرارة المصابة بالحصوات، وذلك باستخدام المنظار الجراحي عن طريق (من 3 لـ 4 فتحات بالبطن)، هذه الفتحات تكون في منطقة أعلى البطن، وتترك خلفها آثاراً ظاهرة للعين، كثير من السيدات لا يفضلن التعرض للجراحة؛ بسبب هذه الآثار التي تشوه البطن، ولكن التقدم التقني أتاح حلَّين للابتعاد عن هذه الجروح الظاهرة، وهما:-
1- إذا كانت السيدة تعاني ترهلاً بمنطقة البطن حتى لو بدرجة خفيفة، فيمكن دمج عمليتين لشد البطن واستئصال المرارة عن طريق جرح واحد موجود بأسفل البطن مثل جرح الولادة القيصرية، دون أي جروح أخرى وتخرج السيدة دون المرارة وببطن مشدود، ومن غير أي جروح ظاهرة بالبطن.
2- بالنسبة للسيدات النحيفات، يمكن إخفاء جروح العملية أسفل البطن أيضاً ما يجعل المرأة لا تخشى أي تشوهات ناتجة من آثار العملية.
أول خزعة للكبد
كان أول استخدام للتنظير للتدخل الجراحي على يد الطبيب الألماني كالك في عام 1942م الذي قام بعمل أول خزعة للكبد بالمنظار ولحقها بعمل 2000 حالة بنجاح فاتحاً أبواباً ومجالات جديدة في هذا العلم، وأما القفزة الثانية باستخدام التنظير للتدخل الجراحي، قام بها جراحو النساء والولادة الألمان، حيث كانوا أغلب من استخدم التنظير ومن أشهرهم الجراح الألماني الشهير كورت زم، الذي قام بإجراء حتى أول عملية استئصال للزائدة الدودية بالمنظار.