أمريكا دولة ممتدة، حباها الله بمظاهر جيولوجية جميلة ونادرة، فإن كنت من المرتبطين بالأرض، ومولع بمعرفة تاريخها ومصدر الأشكال الجيولوجية والجيمورفولجية عليها، وتريد أن ترى الكثير من تلك الظواهر، إذن يجب عليك الترحل بالسيارة، فأجمل رحلة بحياتي هي تلك الرحلة البرية الطويلة، التي قمت بها في الوسط الغربي الأمريكي بصحبة ميليسا، قضينا سبعة أيام بلياليها في الطريق، كل ليلة نبيت في نزل مختلف، إلا في أنهايم بتنا ليلتين متتاليتين حتى لا أتأخر عن موعد عرض البوستر الملصق -خاصتي - في مؤتمر التواصل التقني العالمي لعام 2010م .
كنا نقضي يومياً بين 9 و12 ساعة في قيادة السيارة، نتوقف خلالها إما للتصوير أو للطعام وتعبئة السيارة بالوقود، في اليوم الأول سرنا من شمال ولاية يوتا حتى شمال ولاية أريزونا، عند الضفة الشمالية للجراند كانيون . في هذه الولاية (أريزونا) لايتغير التوقيت بتغير فصول السنة كما في بقية الولايات الأمريكية، فهو ثابت على التوقيت الجبلي الشتوي بفارق 3 ساعات بعد واشنطن دي سي، وقد يكون السبب أن متوسط طول نهار الصيف قصير نسبياً، لا يتطلب تقديم الساعة أو تأخيرها، تماماً كما هو الحال عندنا في الإمارات .
الجراند كانيون جزء من نهر الكلورادو يقع عند منتصفه تقريباً، فهذا الخانق يشق هضبة كلورادو التي تغطي أجزاء من أربع ولايات هي كلورادو، ونيومكسيو، ويوتا، وأريزونا، ويبلغ طوله 465 كم، أما عرضه فلا يتجاوز 10 أميال، تنفصل خلالهما ضفتيه الواحدة عن الأخرى، لكنك تسافر بينهما براً لمسافة تزيد عن 250 كم، ويمكنك تمييز بيوت الضيافة بين الضفة والأخرى، لأنها أقيمت فوق نقطتين متقابلتين تماماً .
تدعى ضفاف الجراند كانيون بالضفة الشمالية والضفة الجنوبية، ويمتعك النظر من ضفة لأخرى بمشاهد مختلفة، وكأنك لا تنظر إلى المشهد ذاته من زاويته المقابلة، لكن في كل الأحوال النظر للمشهد في المرة الأولى أقوى فعالية من المرة الثانية، حتى ولو كان من زواية مختلفة، خاصة لو زرتهما في أيام متقاربه!
على جدران ضفتيه تجد التاريخ الجيولوجي للنهر مكتوباً بحبر الزمن . متسلسل في طبقاته الصخرية التي يبلغ ارتفاعها 6 .1 ميل (2000م) فوق قاع النهر، عند قاعدة الجدار تظهر أقدم صخور الجراند كانيون التي تبلغ من العمر ملياري سنة، وهي عبارة عن صخور نارية اقتطعت من قاع محيط قديم، صارت صخوراً متحولة لاحقاً، تحمل فوقها 2000م من الرواسب، وقبل 300 مليون سنة اصطدمت هذه القشرة بلوح قاري، ولأن لوح المحيط أثقل وزناً وأكثر كثافة من اللوح اليابس (لذلك البحار عميقة والجبال مرتفعة) فلقد غاص اللوح المحيطي تحت اللوح القاري، ونتيجة للضغط والحرارة تحولت هذه الصخور لتصير صخوراً متحولة بعد أن كانت نارية .
أما الصخور الرسوبية التي فوقها فمعروفة بالسوبر جروب للجراند كانيون، تعرضت للالتواء والانحناء نتيجة لذلك التصادم، وهي تحتوي على ثلثي أنواع الصخور الموجودة في الجراند كانيون حالياً، بل إن ثلثي صخور هضبة كلورادو بأكملها، وبعد انحنائها والتوائها تراكمت فوقها مجموعة أخرى من الصخور الرسوبية .
ولم تبدأ هضبة الكلورادو - مسكن الجراند كانيون - بالارتفاع التدريجي إلا قبل 70 مليوناً فقط، حين ارتفعت بشكل مستوٍ وكأنها طاولة، إلا من بعض الانحناءات البسيطة التي لا تذكر في خضم ذلك الاستواء .
خلال العشرة ملايين سنة الماضية شق نهر الكلورادو جبال الروكي وهضبة الكلورادو ليكون مجراه النهري الحالي وينتهي في خليج كاليفورنيا، وقبل عشرة آلاف سنة سكن الهنود الحمر الجراند كانيون، الذين يعيشون في الوقت الحاضر بمستعمرات تشملهم، خاصة على الضفة الجنوبية للنهر الخانق في ولاية أريزونا .
تبرز الطبقات الصخرية للصخور الرسوبية للجراند كانيون بألوانها الباهرة وكأنها نافذة للزمن، تعبر بك في دهوره المتعددة، تخبرك بالتغيرات المناخية التي مر بها هذا الوادي العظيم، وتحكي لك عن تنوع الحياة البيولوجية الحيوية به، ففي مائه حياة، وفي صحرائه حياة، وفي سمائه حياة، وهي حيوات متنوعة، قد تكون بريئة كالطيور، أو مخيفة كالأفاعي، وربما شرسة كالنمور .
يعتبر الهنود الحمر الجراند كانيون ملهماً للدواخل البشرية، فعلى ضفافه من الانعزال والرهبة والسلام ما يسحبك للتاريخ، ليس التاريخ البشري القريب، ولا حتى التاريخ الجيولوجي البعيد، لكن التاريخ السحيق لخلق الكون، بالعودة إلى اليوم الأول حين كانت السموات والأرض رتقاً بيد الرحمن وفتقهما، وذلك لما تراه من دقة صنع الخالق . . لا يمكن أن تكون هناك ولا تتملكك الرغبة بالبكاء من خشية الله، بالنسبة إلي كان إلهام الجراند كانيون التوكيد على التوحيد، والإيمان المطلق، وعلى فكرة الشعور بالإيمان الحقيقي له خواص لا تتخيلها، فهو يجعلك تستمتع بها، لدرجة أن ترى نفسك جزءاً من جمال المكان، مؤمناً بأن الذي خلق هذا الكون الهائل البعيد عن حدود النظر، وأبدع في خلق شيء عظيم بذاك الحجم، من السهل أن يبدع في تصويرك وما أنت سوى بشر، والأجمل أن تفاعلك مع الآخرين يتجمل من إحساسك هذا، وكأنك في رحلة للعبادة .
لم أكن العربية الوحيدة التي تصل إلى الجراند كانيون بضفتيه في ذلك الصيف فقط، فلقد كنت المسلمة الوحيدة أيضاً، بل أظن أني كنت الملونة الوحيدة، فلا أذكر أني رأيت غير الشقر، كما لا أذكر أن رأيت سوداً أو حتى هنوداً، فلقد كنت الوحيدة ذات اللون والسحنة وربما حتى الديانة المختلفة .