في قاعة المسار بالقاهرة يعرض الفنان المصري جورج البهجوري مجموعة كبيرة من أحدث أعماله الزيتية، ويهديها إلى شهداء الثورة المصرية، كما أنه يسجل خلالها يومياته ورؤيته تجاه الثورة والأحداث التي أعقبتها، إضافة إلى أن المعرض يحتوي مجموعة أخرى من رسوماته التي ترصد ملامح مختلفة من المجتمع المصري .

الفنان جورج البهجوري من مواليد عام ،1932 تخرج في كلية الفنون الجميلة في عام ،1955 وعمل رساماً في مجلة روزاليوسف لسنوات عدة قبل أن يسافر إلى باريس ويقرر الاستقرار فيها، وقد التحق هناك بمدرسة الفنون الجميلة، وشارك في العشرات من المعارض في مصر وبلدان مختلفة، ودخلت لوحاته جناح الكورسول في اللوفر في عام 1990م، لتمثل الجناح المصري بدعوة خاصة من جمعية محبي الفنون الجميلة في باريس، حيث حصلت لوحته وجه من مصر على الميدالية الفضية، كما أصدر كتباً عدة مصورة تحكي سيرته الذاتية بدأها بكتاب أيقونة فلتس في عام 1997م .

الخليج التقت الفنان جورج البهجوري في القاهرة للتعرف إلى ملامح من تجربته الإبداعية .

يقول بهجوري: لم أكن أتصور أن تحدث صرخة واحدة وهتاف واحد الشعب يريد . . . ثورة مليون ثائر، ثم 80 مليوناً، وأنا واحد من هؤلاء، أعود من ميدان التحرير إلى مرسمي، وقد تحولت أصابعي الخمس إلى ألوان ساخنة من الأصفر والبرتقالي والأحمر، ألوان ألسنة اللهب المشتعل حولي وبداخلي، لقد ألهمتني الثورة، والجموع والهتافات وتعبيرات الوجوه، واللوحات الموجودة هنا انعكاس لهذه الحالة التي عايشتها، وما زلت أعيشها .

من بين الأعمال المعروضة توجد صورة كبيرة لأم كلثوم . هل ترى ارتباطاً ما بين أم كلثوم وتلك الحالة الملهمة التي تتحدث عنها؟

بالطبع هناك علاقة، أم كلثوم رمز كبير، وشاهد على عصر جميل كنت أظنه ولى بلا رجعة، وهي تمت بصلة مباشرة أيضاً إلى تلك الأحداث التي نعيشها، فصوتها وأغانيها الوطنية كانت تتردد في الميادين أثناء الاعتصامات لتلهب حماسة الجماهير، في كل مرة كنت أذهب فيها إلى الميدان كنت أسمع صوتها يتردد، وقد ألهمني صوتها بالفعل عدداً من اللوحات المعروضة، وهي ليست المرة الأولى التي أرسم فيها كوكب الشرق، فقد سبق أن رسمتها أكثر من مرة .

للفنان جورج البهجوري تجربة طويلة في العمل الصحافي، من خلال عمله في مؤسسة روزاليوسف، التي عمل فيها وهو لا يزال طالباً في الفنون الجميلة، سألته عن هذه التجربة وكيف خاضها في ذلك الوقت المبكر؟

قال: عملت في الصحافة عن طريق أحد الأصدقاء، وكان حينها مسؤولاً عن تطوير مؤسسة روزاليوسف وكان اسمه أبو العينين . وفي روزاليوسف استفدت من ممارستي الرسم بشكل يومي، فقد أعطاني إحسان عبدالقدوس صفحتين تحت عنوان أخبارهم على وجوههم، فكنت أرسم بورتريهاً للشخص الموجود في الخبر، وكانت الصفحتان تضمان على الأقل عشرة أخبار وعشرة بورتريهات، ولمع هذا الباب واستمر حتى بعد سفري إلى فرنسا، لكن بفنانين آخرين .

لماذا لجأت إلى كتابة سيرتك الذاتية؟

لا أدري، ربما لأنني رسمت كثيراً جداً عن سيرتي، فقد رسمت ما يقرب الألف كراسة عن سيرتي وحياتي الشخصية، كل كراسة كانت تحوي رسوماً لوجوه أعرفها وقابلتها في حياتي، وعادة ما تصاحب هذه الرسومات بعض التعليقات أو الكلمات الموضحة، فأردت أن ألجأ لأسلوب آخر غير الرسم، لذا اتجهت إلى الكتابة . . فلغة التشكيل شيء ممتع في حد ذاته، لكن يبدو أنني لم أكتف بهذه اللغة، وكان عليّ أن ألجأ إلى الكلمة . وأنا أعتبر تجربتي مع الكتابة نوعاً من المغامرة، وهي مغامرة لم تنته حتى اليوم .

وأضاف البهجوري: علاقتي بالكتابة قديمة، لكنها كانت سماعية في بادئ الأمر، فقد تربيت في مؤسسة روزاليوسف، وكنت أجلس بجوار صلاح عبدالصبور وعبدالمعطي حجازي ورجاء النقاش في حجرة واحدة، وكان يدخل علينا سعد الدين وهبة وعبدالله الطوخي، وكنت أستمع إلى مناقشاتهم وحواراتهم وأتعلم، ففهمت أشياء كثيرة عن كتابة الرواية، كالبناء الدرامي والحبكة والمونولوج الداخلي، وغيرها من الأمور المتعلقة بالكتابة، واختزنت هذه الأشياء في ذاكرتي واستعنت بها بعد ذلك حين فكرت في الكتابة.