القاهرة: «الخليج»
تطل حديقة الأميرة فريال على نيل أسوان، في مشهد بديع يزداد تألقاً في لحظات الغروب، عندما يبدأ قرص الشمس في المغيب خلف جنادل النهر العظيم والصحراء المترامية من خلفه، فيضفي على المكان هابة تليق بحضارة عريقة.
وتجاور الحديقة التي تنافس في جمالها حديقة النباتات، فندق كتراكت القديم، الذي يعد بدوره قطعة من التاريخ الحي على حدود مصر الجنوبية، وقد استُوحي اسم هذا الفندق التاريخي من الجنادل التي تعترض مسار النيل عند أسوان، فتحوّل جزءاً من مياهه إلى شلالات صغيرة. ويقول أثريون إن التفكير في إنشاء الفندق بدأ عام 1899، مع امتداد خطوط السكة الحديدية في مصر إلى أسوان؛ إذ زاد الإقبال السياحي على المدينة التاريخية وقتها، لزيارة معالمها الأثرية والاستمتاع بطقسها الشتوي المشمس.
وتتناغم حديقة فريال في تصميمها مع الطراز المعماري الإنجليزي للفندق، وهو المعروف بالطراز الفيكتوري، وما يكسبها بهاء أنها أقيمت على الصخرة نفسها التي أقيم الفندق عليها، لتمنح للنزلاء التمتع برؤية النيل في رحلته من الجنوب إلى الشمال، وقد كان الفندق يستوعب عند إنشائه نحو 60 نزيلاً فقط، قبل أن تضطر إدارته إلى التوسع لاحقاً تحت وطأة الإقبال الكبير عليه، ما دفعها إلى إقامة عدد من الخيام داخل الحديقة لاستيعاب هؤلاء النزلاء الذين كانوا يتدفقون على أسوان من كل حدب وصوب.
وكانت الحديقة قبل إنشائها عبارة عن مدرجات كبيرة مغطاة ب«الترتان الأخضر»، وخصصتها إدارة كتراكت للنزلاء ليجلسوا عليها، لمشاهدة غروب الشمس،‏ قبل أن تشرع الأميرة فريال - شقيقة الملك فاروق - في تحويلها إلى حديقة غناء، في أربعينات القرن الماضي، وتحول جزء كبير من مدرجاتها إلى مدرجات مصنوعة من جرانيت أسوان الوردي، واستجلاب أنواع نادرة من الأشجار والزهور، إضافة إلى الأشجار العملاقة والزهور النادرة المعمرة الموجودة بالحديقة منذ عقود.
وتطل الحديقة على النيل في أسوان مثل لوحة فنية رائعة الجمال، فيما تزيد القوارب التي تمخر عباب النهر بأشرعتها البيضاء الصورة بهاء مشوباً بمهابة عجيبة، تزيدها تلك القطع الحجرية المنقوشة التي تتناثر على ممرات الحديقة، والتي تضم نصوصاً نادرة تروي بالهيروجليفية قصص الفراعنة العظام، ومن بينها ذلك الحجر الذي يضم نقشاً للملك سنوسرت الأول، والآخر الذي يحمل نقشاً لرمسيس الثاني، وحاكم النوبة القديمة سيتاو، إلى جانب حجر ثالث للمهندس «سننموت» يروي فيه قصة إرساله من قبل الملكة حتشبسوت إلى أسوان، للإشراف على العمال الذين كانوا يقومون بقطع الجرانيت لإنشاء المسلة الخاصة بالملكة الفرعونية الأشهر.
شهدت حديقة فريال قبل تطويرها من قبل شقيقة الملك فاروق، حفل الافتتاح الأسطوري للمطعم الرئيسي لفندق كتراكت في ديسمبر عام 1902، والذي حضره الخديوي عباس حلمي، وعدد من كبار السياسيين في أوروبا من بينهم اللورد وليدي كرومر، والسير ونستون تشرشل، وجود إيرد، الذي استغل الفرصة ليرسي حجر أساس خزان أسوان وقتها، إلى جانب عشرات من المشاهير، قبل أن يجتذب الفندق فيما بعد الرؤساء والأمراء الذين كانوا يحرصون على قضاء جزء من فصل الشتاء في ضيافة أسوان، ومن بينهم أغاخان الثالث الذي قضى شهر العسل بعد زواجه في الجناح الخاص بالفندق، وطلب قبل وفاته عام1957، أن يدفن في أسوان، حيث تطل مقبرته الشهيرة على الحديقة من البر الغربي للنيل.
وعلى مدار عقود من الزمن استضافت حديقة فريال العديد من الأمراء والملوك، من بينهم القيصر الروسي نيكولاي الثاني، وعالم الآثار الإنجليزي الشهير هاورد، مكتشف مقبرة توت عنخ آمون، وقد كان يحلو لملك مصر الأخير فاروق، أن يتريّض فيها عند إقامته في أسوان، وعلى نهجه سار الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، والملك محمد الخامس ملك المغرب؛ بل إن الأميرة ديانا سبنسر زارتها أكثر من مرة، وعلى مدرجاتها وضعت أجاثا كريستي، السطور الأولى لروايتها الشهيرة «جريمة على ضفاف النيل».