بدأ شوط جديد من الانتخابات الجماعية في المغرب يستمر 15 يوماً من تاريخ الإعلان على نتائج الانتخابات، ويتعلق الأمر بانتخاب المجالس التي ستدير المدن والقرى، والمشكلة أساساً من أغلبية مطلقة أو من تحالفات حزبية، قد تتناقض أحياناً مع التوجهات الأساسية للأحزاب، مثل تحالف حزب يساري مع حزب يميني أو مع حزب إسلامي، ولسان حال الجميع يقول إن الغاية تبرر الوسيلة، حتى ولو كانت هذه الوسيلة هي تنشيط التنقل من حزب إلى آخر، أو قبض ثمن التصويت في سوق انتخابي، تلعب فيه الصفوة لعبة مكشوفة الأوراق.

القوة الضاغطة، اليوم، ما بعد الانتخابات الجماعية، هي الأعضاء الفائزون الذين يتحولون إلى لوبي يرهن مصير الأحزاب نفسها، وبالأخص أولائك الذين اكتسبوا مراسا انتخابيا على مدار الاستحقاقات التي عرفها المغرب، وهؤلاء من شدة تغيير الأحزاب لم يعودوا رحلا فقط، بل أصبحوا جوابي آفاق، يحركهم دافع واحد، هو الوصول إلى سدة تدبير الشأن الجماعي مهما كان الثمن.

ولذلك بدأ المقطع المشوق في الانتخابات العامة في المغرب، أو موسم الهروب إلى الفنادق والمنتجعات، لتشكيل مكاتب المجالس المنتخبة على رواق، وبعيدا عن الضغوط المحتملة التي يمكن أن يمارسها هذا الحزب أو ذاك على منتخبيه، مع العلم أن العديد من الأحزاب، وضمانا لعدم هروب مرشحيها، تلجأ مع منح التزكيات الحزبية إلى الاحتفاظ بشيكات ضمانة، كوسيلة للضغط، في حالة مخالفة هذا العضو أو ذاك للتوجه العام للحزب.

لكن شيكات الضمان هذه لا تمثل أي حجية قانونية، ولا يمكن تقديمها للقضاء في حالة لجوء الحزب إلى مقاضاة عضوه الهارب أو غير المنضبط.

والشيء المؤكد، هو أنه إذا كان الناخب المغربي قد قال كلمته وتوجه إلى صناديق التصويت، فإن المسؤولية الآن تقع على كاهل المنتخب في الالتزام بالوعود التي قطعها على نفسه إبان الحملة الانتخابية، وهي وعود عرقوب، سرعان ما تسقط في أول اختبار، وهو اختبار تكوين المجالس التي ستسهر على التدبير المحلي.

لكن أكبر رابح في هذه المعركة الانتخابية هو النساء، حيث جرى انتخاب 3406 من النساء في الانتخابات الجماعية من أصل عشرين ألفا و458 ترشيحا نسويا، مقابل 127 منتخبة سنة 2003 وهي نسبة هائلة في تاريخ الانتخابات في المحيطين العربي والإفريقي، فلأول مرة سنرى هذا العدد الكبير من النساء المغربيات وهن في سدة التسيير الجماعي، بعد أن كان العدد لا يتجاوز المائة، ممركزا فقط في المدن الكبرى والحواضر، في حين عانت الجماعات القروية من غياب مطلق للنساء في تدبير الشأن الجماعي.

وهذا الحضور الوازن للنساء كسر إلى غير رجعة الهيمنة الذكورية، ودفع بنساء إلى أبواب السياسة المحلية، في تجربة مغربية بصيغة المؤنث، قد تؤتي أكلها.

وفي هذا الإطار عبرت الحركة من أجل الثلث، وهي تجمع من حركات نسائية، كانت قد طالبت خلال التعديلات التي أجريت على مدونة الانتخابات، برفع نسبة التمثيل النسائي إلى الثلث في كل الاستحقاقات الانتخابية، عبرت عن تفاؤلها بالنتائج التي حققتها النساء في هذه الانتخابات، مؤكدة أنها ستواصل مرافعتها من أجل المطالبة بالثلث، كهدف رئيسي، من شأنه أن يخلق التغيير المنشود على مستوى تمكين المرأة من مراكز القرار. وتؤكد الحركة أن رفع المغرب جميع التحفظات على اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد النساء (سيداو)، لم يبق أمامه مبرر كي لا يعمل على مأسسة الكوتا، خاصة أن القانون الانتخابي يؤكد اتخاذ جميع التدابير الممكنة والمتاحة، من أجل تحسين وضعية المرأة في المجال السياسي. ومكنت نسبة 12 في المائة من رفع مستوى تمثيلية النساء خلال الانتخابات الأخيرة، حسب نتائج وزارة الداخلية، غداة الانتخابات. وينتظر المسؤولات الجماعيات عمل جدي، ما يطرح ضرورة تكوينهن، وما جاء به الميثاق الجماعي حول وضع مخطط استراتيجي للجماعات، يحتاج، بالفعل، إلى تكوين للمستشارين من الجنسين، لأن هناك أشياء جديدة لم تكن موجودة في الأداء الجماعي من قبل، مثل إحداث لجان استشارية لدى المجالس الجماعية، هي لجنة المساواة وتكافؤ الفرص، التي تختص بإبداء الرأي، وتقديم اقتراحات في القضايا المتعلقة بالمساواة وتكافؤ الفرص، ومقاربة النوع الاجتماعي.

ما بعد الانتخابات.. قراءات متباينة

ألفى المحللون السياسيون المتابعون للشأن المحلي في المغرب أنفسهم في حيص بيص، بعد النتيجة المدوية التي حققها حزب الأصالة والمعاصرة، في الوقت الذي كان فيه الرهان على أن الحزب الجديد سيحقق نتائج محدودة، وبالأخص بعد الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس لرئيس الوزراء عباس الفاسي، عشية الانتخابات، مثمنا فيها عمل الحكومة، وداعيا إياه إلى مواصلة مهامه، بعد أن خرج الأصالة والمعاصرة على، حين غرة، من الائتلاف الحكومي.

وذهب محللون إلى أن الغطاء الملكي المفترض، الذي كان يتمتع به الحزب الجديد، قد رفع عن الحزب الجديد، لكن أغلبية التحليلات لم تكن تمتلك معرفة دقيقة بأحشاء اللعبة الانتخابية في البلاد ولا مناطقها المعتمة، وهي ليست بالبساطة التي نتخيلها، وإلا لكان محلل سياسي وأستاذ لعلم السياسة مثل محمد الساسي، الذي ترشح للانتخابات الجماعية في مدينة الرباط، قادرا على النجاح، أو لكان حتى بعض أصحاب المال، ممن لا يتقنون فن الانتخابات يستطيعون شراء الذمم للوصول على المجالس المنتخبة.

لم يعد الأصالة والمعاصرة مجرد حزب جديد، بل هو اليوم صاحب المركز الأول في عدد المقاعد وفي نسبة الأصوات، وهذا سيدفع، حتما، إلى تغيير النظرة اتجاهه، وإلى تجديد أدوات التحليل، في فهم ظاهرة حزبية وانتخابية استطاعت أن ترفع نسبة المشاركة في الانتخابات إلى52 في المائة، بعد أن كانت هذه النسبة في انتخابات 2007 في حدود 37 في المائة.

ثم يجب عدم نسيان أن أكبر حزب سياسي مغربي حظي بمتابعة إعلامية يومية، هو هذا الحزب الجديد، وهذا لم يتحقق لغيره منذ عقود.

إعادة النظر في المفاهيم

حصل تزحزح في ترتيب الأحزاب التقليدية الأساسية في المغرب في هذه الانتخابات، وهي حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية وحزب العدالة والتنمية.

بينما لم يعد للأحزاب السياسية الصغرى أي مكان في تجربة الانتخابات، بل أصبح وجودها نفسه موضع تساؤل، في الوقت الذي فشلت في إقناع الناخبين بالتصويت لها، إما لأنها لا تمتلك قاعدة جماهيرية، أو لأن عملها موسمي أو لأن خروجها إلى الوجود كان مجرد رغبة مزاجية لمؤسسيها مستفيدة من قانون تأسيس الأحزاب ومن التعددية السياسية التي يتيحها الدستور المغربي. في هذا الإطار يرى أستاذ العلوم السياسية محمد ضريف، أن تشكيل المجالس بعد اقتراع 12 يونيو/ حزيران ،2009 لن يكون على أساس منطق الأغلبية والمعارضة القائمتين حاليا، لكن سيتحدد انطلاقا من الأرقام المسجلة، وقد نجد أحيانا في كثير من المجالس تحالفات تتناقض تماما مع تحالفات موجودة في مجالس أخرى. وفي قراءته لنسبة المشاركة في الانتخابات رأى أنه علينا أن ننتبه إلى أن نسبة المشاركة المحددة في 52 في المائة، وينبغي أن تقرأ من زاويتين، الزاوية الأولى، تتعلق بالمناطق التي ساهمت في رفع هذه النسبة، هناك الأقاليم الجنوبية، ونحن نعرف أن مسألة الاقتراع في المناطق الجنوبية، تأخذ طابعا سياسيا أكثر مما هو طابع محلي، باعتبار خصوصية المنطقة، وإرادة المغرب في إيجاد حل لمشكل الصحراء في إطار الحكم الذاتي، وبالتالي يتضح أن نسبة المشاركة التي يسجلها المواطنون هناك في الانتخابات، هي تعبير منهم عن ارتباطهم بمغربيتهم.

واعتبر أن تدني المشاركة في مدينة كبيرة مثل الدار البيضاء، هو رسالة إلى المسيرين للشأن العام المحلي في المغرب، وأيضا طرح لسؤال كبير، وهو أي مغرب نريد ومن أين نبدأ، هل من المدينة أم من القرية؟ على اعتبار أن أعلى نسب التصويت سجلت في المدن الصغيرة وفي الأرياف. بالنسبة لميلود بلقاضي، أستاذ العلوم السياسية، فإن المشاركة كانت عادية، في ظل الظروف العامة.

وفسر تقدم نسبة المشاركة في هذه الانتخابات في اعتماد المرشحين على سياسة القرب، حيث تكون العلاقة مع الناخبين محكومة بمجموعة من العوامل، تتقدمها القضايا اليومية للمواطنين، كما أن الجماعات المحلية توجد داخل دوائر صغيرة، وتلعب علاقات التعارف والتقارب دورا أساسيا في استقطاب الناخبين، عكس الانتخابات التشريعية، التي تجري على نطاق أوسع، ولا يرتبط فيها المرشح بالمصالح المباشرة للناخبين.

الداخلية المغربية مسرورة صحراوياً

تبقى حالة الأقاليم الصحراوية الجنوبية، حالة مثيرة للاهتمام لأنها سجلت معدلات مشاركة عالية، مقارنة ببقية مناطق المغرب.

وقد اعتبرت الداخلية المغربية، بشكل متفائل، هذه النسبة استفتاء شعبيا على مغربية الصحراء، في حين كانت تقارير المنظمات الدولية والمحلية التي راقبت الانتخابات في هذه المناطق إيجابية، وأشارت إلى الشفافية التي جرت فيها الاستحقاقات الجماعية.

ومن المؤكد أن هذه النسبة المرتفعة التي أعلنت عنها وزارة الداخلية، والتي ناهزت 69 في المائة بإقليم بوجدور، و68 في المائة بالسمارة، و61 في المائة بوادي الذهب، و58 في المائة بالعيون، تبرز الحرص على الانخراط في تعزيز مسلسل الديمقراطية المحلية، والمساهمة في الرفع من مستوى أداء المجالس الجماعية، وتعزيز دورها في مجال التنمية المحلية.كما تكتسي هذه المشاركة المكثفة بالنسبة لمستقبل أبناء الأقاليم الصحراوية، مثلما كان عليه الأمر في الاستحقاقات السابقة، دلالة عميقة تؤكد مدى استعدادهم للانخراط الفعلي في مؤسسات البلاد، والمساهمة في توفير أسس التنمية الشاملة، انطلاقا من الجماعات المحلية، من أجل بناء مغرب متكامل قوي تتضافر في بنائه مختلف مكوناته. وكان الإقبال الكبير للناخبين على مكاتب التصويت بحواضر الأقاليم الجنوبية تعبيرا على الأجواء الإيجابية التي جرت فيها هذه الاستحقاقات، الأمر الذي خلف انطباعا إيجابيا لدى الملاحظين الدوليين، الذين واكبوا عملية الاقتراع التي مرت، حسب رأي أحدهم، في ظروف عادية، معتبرا أن المشاركة المكثفة للنساء أمر له دلالة مهمة. ووصف جورجي كوبلي، من الجمعية الدولية للدراسات الاستراتيجية بواشنطن، في تصريح صحافي، الأجواء التي مرت بها عملية الاقتراع ب المشجعة جدا. ومن جهته، قال مورلو ديرات مانزوني، عضو مجلس الشيوخ لدولة البارغواي، إن الاقتراع جرى في ظروف مثالية، وان جميع الوسائل اللازمة لضمان نجاح الانتخابات كانت متوفرة.