تعاني جوليا تايلور التي تبلغ من العمر 53 عاماً نوبات صداع متواصلة ومؤلمة لدرجة باتت فيها لا تتمكن من إمضاء ليلة واحدة تنام فيها نوماً جيداً . وبسبب معاناتها المستمرة، أصبحت جوليا أشبه بشبح على قيد الحياة .
وفي البداية، عندما شكت جوليا لطبيبها، فسر لها نوبات الصداع بأنها ببساطة مجرد مقدمة لبلوغها سن اليأس، بيد أن جميع المسكنات والعلاجات البديلة وحتى الهرمونات التي جربتها لم تفلح في تخليصها من هذه الالآم المبرحة .
تقول جوليا: كنت أشعر بأنني قد جننت، فالأطباء لم يتمكنوا من اكتشاف أي عارض صحي يمكنه أن يكون السبب في معاناتي، وصحتي كانت جيدة، وقد أثبتت الفحوص المتعددة التي أجريتها ذلك، لكنني كنت أشعر بأن رأسي يوشك أن ينفجر . ولم أكن أعمل بالشكل المطلوب لأنني كنت مرهقة طوال الوقت . وفي إحدى المرات لم أتمكن من النوم لمدة 4 أيام متتالية . كنت أشعر بأنني أعيش كابوساً .
إذاً، لماذا لم يجدِ أي شيء مع حالة جوليا؟
تقول جوليا إنها مقتنعة بأن السبب في ذلك هو معاناتها حساسية إلكترونية مفرطة EHS electro hypersensitivity . كما تعتقد أنها تتصف بحساسية جوية إشعاعية من صنع البشر وناجمة عن إشارات الهاتف المتحرك (الموبايل)، والإشارات اللاسلكية واي فاي، وشاشات التلفزيون ومصابيح الفلورسنت . وباختصار تعاني جوليا حساسية إزاء الحياة العصرية .
حالة مثيرة للجدل
تتعدد الأعراض التي يذكرها من يعانون الحساسية الإلكترونية المفرطة، من نوبات الصداع للغثيان، الإعياء إلى ألم شديد في المعدة ونزف ثقيل وحتى نوبات الإغماء . بيد أن الأطباء يعتبرون الحساسية الإلكترونية المفرطة، حالة مثيرة للجدل . وفي حين تعدها دول مثل السويد، إعاقة أدائية، تقول وكالة الحماية الصحية في المملكة المتحدة إنه لا وجود لبرهان علمي يدلل على وجود علاقة بين اعتلال الصحة والأجهزة الإلكترونية .
ولكن هل يمكن حقاً أن يصاب المرء بحساسية إزاء التكنولوجيا التي تسير جنباً إلى جنب مع الحياة العصرية؟
هل أن جوليا ومرضى آخرين مضللون، أم يعانون شيئاً غامضاً؟
بعض العلماء يقولون إن ثمة علاقة بين النوم المضطرب والقرب من خطوط الكهرباء .
ويقول البروفيسور دينيس هينشو أستاذ تأثيرات الإشعاع البشرية في جامعة بريستول بالمملكة المتحدة، إن كثيراً من الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من خطوط الضغط العالي الكهربائية يعانون اختلالات نوم وأعراضاً اكتئابية، كما أظهرت ذلك دراسات عدة .
ويوضح بقوله: هذا الأمر يمكن تفسيره بحقيقة أن المجالات المغناطيسية، كالتي توجد بالقرب من خطوط الكهرباء، تربك إفراز هرمون تحفيز النوم الليلي، الميلاتونين .
ولا يدرك الأطباء ما إذا كانت أعراض الحساسية الإلكترونية المفرطة الأخرى تظهر بهذه الطريقة، بيد أن الباحثين يراجعون حالياً عدة طرق يمكن للمجالات المغناطيسية والإلكترونية أن تؤثر بها سلباً في الصحة .
ومنذ عامين، أجاز برلمان الاتحاد الأوروبي القرار 1815 الذي يدعو إلى وضع قيود على استخدام الأجهزة اللاسلكية (واي فاي) wi fi في المدارس، واستخدام الأطفال للهواتف الجوالة .
وقد صنفت منظمة الصحة العالمية المجالات أو الحقول المغناطيسية الإلكترونية التي تستخدم في الهواتف الجوالة بأنها يمكن أن تكون مسببة للسرطان .
وتعتقد جوليا أن الأعراض التي تعانيها بدأت حينما تم في العام 2008 تركيب نظام لاسلكي جديد في منطقة سكنها يعرف بواي ماكس WIMAX .
وتقول جوليا: كنت على ما يرام قبل ذلك . وكنت أشعر بأنني في صحة جيدة طالما كنت بعيدة عن المنزل . ولكن بمجرد عودتي إليه، تبدأ نوبات الصداع مرة أخرى . لم أكن أقدر على تحملها .
وفي النهاية، انتقلت جوليا وزوجها وطفلاهما من ذلك المنزل إلى منطقة أخرى معروفة بقلة سكانها وتقدم أغلبيتهم في السن إلى جانب قلة استخدام سكانها للهواتف الجوالة .
وتقول جوليا إنها بعد انتقالها وأسرتها لهذه المنطقة خفت حدة نوبات الصداع عندها كثيراً، وباتت حياتها محتملة بدرجة كبيرة .
ولا تعاني جوليا وحدها هذا العارض الصحي . ففي الآونة الأخيرة بات آلاف البشر يعزون ضعف صحتهم الجسمانية أو مجموعة الأعراض المضنية التي يعانونها للحساسية المفرطة إزاء الأجهزة الإلكترونية .
ووفقاً للدكتورة إريكا بلايث التي تعمل كمستشارة لعدة هيئات ومنظمات تجري بحوثاً حول علة الحساسية الإلكترونية المفرطة، فإن كثيراً من الناس قد يكونون مصابين بفرط الحساسية للإلكترونيات لكنهم لا يدركون ذلك .
وتوضح الدكتور بلايث بقولها: كل شخص من المحتمل أن يكون مصاباً بفرط الحساسية الإلكترونية . أي خلية في جسمنا، في دماغنا، أو في جهازنا العصبي تعتمد على إشارات إلكترونية . بيد أن بعض الناس لديهم هذه الحساسية الزائدة، وبالرغم من عدم إدراكهم لها، فإنها تسبب لهم مرض الربو الأزمة، وأعراضاً مشابهة لأعراض نزلة البرد وتصيبهم بالأرق أيضاً .
وتضيف: إن أعراض الحساسية الإلكترونية المفرطة يمكن أن تأتي متقطعة، وهذا يجعل رصدها واكتشافها صعباً .
حساسية الموجات الكهرومغناطيسية
مثل جوليا، فإن هانا ميتكالف لا تساورها أية شكوك بشأن الاعتلالات والأعراض الجسمانية التي تعانيها .
وتقول هذه السيدة التي تبلغ من العمر 35 عاماً إنها تعاني حساسية شديدة للموجات الكهرومغناطيسية، بلغت حداً باتت لا تتمكن معه من الاقتراب من هاتف أو حمل جهاز لوحي تابلت كالآي باد .
وهي نادراً ما تغادر منزلها، الكائن في مقاطعة كانتربري بالمملكة المتحدة، في محاولة للحد من تعرضها للإشعاع . وهي متيقنة من أن مصاعب حملها وعملية الإجهاض التي خضعت لها قبل 3 أعوام، مردها حالتها .
وتقول هانا إن تعرضها لأي تكنولوجيا بموجات راديو، مثل الهاتف الجوال، يصيبها بنوبات صداع، وتشنجات في المعدة، وانتفاخ، وأعراض أخرى شبيهة بأعراض الزكام .
وهي بدأت تعاني هذه الأعراض منذ 10 أعوام حينما التحقت بالعمل في مكتب استشارات قانونية كمحامية متدربة . وعندما جلست تحت ضوء الفلورسنت في مكتبها، أحست بآلام في رأسها ومعدتها، وبإرهاق أيضاً . وفي الفترة نفسها، بدأت تصاب بنوبات صداع في أي مرة تستخدم فيها هاتفها الجوال . وفي العام 2010 أجرت عملية إجهاض وأرغمها وضعها الصحي على الاستقالة من عملها .
ومثلما فعلت جوليا، بحثت هانا عن حالتها في الإنترنت، وحينما قرأت عن الحساسية الإلكترونية المفرطة، وجدت الأعراض ملائمة لها تماماً .
وتقول هانا: أحببت عملي . بيد أن الأعراض كانت تتفاقم في كل مرة أكون فيها في المكتب . وفي النهاية، لم أقدر على المغامرة بحلم إنجابي لأطفال . وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، أصبحت الأعراض التي تعانيها هانا أكثر حدة، فهي لا تتمكن من الذهاب لأي مكان فيه إرسال لاسلكي واي فاي، لأن أي تعرض للموجات اللاسلكية حتى لو كان لفترة وجيزة، يجعلها مريضة وغير قادرة على تأدية مهامها الحياتية .
وتحيا هانا حياة ريفية شبه منعزلة مع زوجها وطفليها . وجميع الأجهزة ممنوعة في المنزل ويتكفل زوجها بكل الإرساليات في المدينة لكي تتجنب الواي فاي .
تشخيص ذاتي . . ولا براهين
بالرغم من إفادات جوليا وهانا الواضحة، فإن هناك علماء يقولون إن الحساسية المفرطة للإلكترونيات يمكن أن تكون مرضاً نفسياً جسدياً (سيكوسوماتي)، ومنهم الدكتور جيمس روبين، وهو محاضر في الطب النفسي في كلية كينغز بلندن، والذي أجرى مراجعة بحثية لأكثر من 50 دراسة من دون أن يجد دليلاً على حساسية إشعاع موجة الميكرويف أو الموجة الكهرومغناطيسية . ومع أن الدكتور روبين أقر بصحة أعراض من يعانون هذه الحالة، لكنه تشكك في سبب حدوثها .
ويقول الدكتور روبين: توجد تفسيرات متعددة لما يعتقد الناس أنه يقف خلف الإصابة بالحساسية الإلكترونية المفرطة . فبعض الناس قد يكونون مصابين بمرض مسجل طبياً مثل الربو الأزمة أو الاكتئاب، يعتقدون أنه أصابهم بسبب استخدامهم للهاتف الجوال مثلاً . وبعض الناس لا يوجد سبب طبي محدد لمجموعة من الأعراض التي يعانونها مثل الصداع، ولذلك يخرجون بنتائج خاصة بهم .
ويضيف: إن عقدة أعراض الحساسية الإلكترونية المفرطة هي أنها بنيت جميعها على تشخيص ذاتي، اذ لا يوجد فحص طبي محدد لها . ويمكن أن تنسب لتوقع أو تنبؤ ذاتي، وهناك اعتقاد أو تصور عند بعض الناس بأنهم مرضى، وهذا التوقع يحفز الأعراض الجسمانية .
وبالرغم من تشكك كثير من الأطباء، يبدو أن أغلبية من يعانون هذه الحالة، واثقين من مصدر مشكلاتهم، ولذلك يفعلون أي شيء لحماية أنفسهم من الحياة العصرية .
جيسيكا سافايير التي تبلغ من العمر 57 عاماً، هجرت وظيفتها وباتت تعيش على مدخراتها بعد أن اكتشفت استحالة العمل في مكتب الشركة التي كانت تشغل فيها وظيفة محاسبة .
وتقول جيسيكا: انتقلنا إلى مبنى جديد في مارس/آذار 2011 وبمجرد بدء العمل في المبنى الجديد بدأت أشعر بحرقة ووخز في الجلد، وبآلام في معدتي . وعندما أمعنت النظر في الخارج، لاحظت وجود هوائي أريال رقمي متموضع مباشرة فوق مكتبي . وفي ذلك اليوم شعرت بإعياء وألم، ولذلك أخذت إجازة لبضعة أيام وكنت على ما يرام . ولكن بمجرد عودتي للعمل، شعرت بالإعياء مرة أخرى . وكنت أعاني طعماً أو مذاقاً فلزياً في فمي، ورأسي كان على نار، وكنت أتنفس بأزيز .
وقد تشككت جيسيكا في وجود علاقة مع ذلك الهوائي المنصوب فوق مكتبها لأنها عانت ردة فعل إزاء الهواتف الجوالة حينما اقتنت واحداً في 2001 .
وتقول جيسيكا: حينما قربت الهاتف الجوال من وجهي شعرت بآلام تشبه وخز الإبر في جلدي، بيد أن الإحساس تلاشى بمجرد امتناعي عن استخدامه .
وقد تكررت هذه الحالة مرة أخرى حينما تم تركيب هوائي رقمي في منزلي . وفي هذه المرة انتابتني آلام في معدتي وحرقة في جلدي . أنزلت الهوائي فتلاشت الآلام .
ولكن ماذا يفعل من يعانون هذه الحالة إذا كانوا مقتنعين بأن العالم يسممهم؟
العلاج
العلاج، وفقاً للدكتورة بلايث غير متاح .
وهي تردف قائلة: إن الطريقة الوحيدة لتفادي الأعراض تكمن في تجنب الموجات الكهرومغناطيسية التي يشعر الضحايا بأنها تسبب لهم هذه الأعراض . فلا تترك الأجهزة الإلكترونية في الغرفة التي تنام فيها، وأقفل كل الأجهزة التي يمكنك إقفالها في المنزل . وبالنسبة إلى جيسيكا، فانها تستخدم ملاءات وشراشف محاكة بالفضة في سريرها مصنعة خصيصاً لمن يعانون الحساسية الإلكترونية المفرطة، والغرض منها هو، فصل أي تيار كهربائي محيط بمخدعها . وهي لا تبقي أي جهاز كهربائي موصولاً بالمقابس، ولا تستخدم التلفزيون أو الراديو، وتغطي نوافذ منزلها في الليل بالألومنيوم لعكس الإشعاع . أما هانا، فتحاول أن ترى الجانب الإيجابي في محنتها .
وتوضح ذلك بقولها: على الأقل لن أكون واحدة من هؤلاء الأمهات اللائي يلتصقن بهواتفهن الجوالة في الحديقة في ذات الوقت الذي يفترض فيه أن يراقبن أطفالهن وهم يلعبون . لكنني خائفة من مجرد التفكير في ما يخبئه المستقبل لأطفالي في هذا العصر التكنولوجي .
وفيما يتزايد اعتمادنا على التكنولوجيا، تتزايد هواجسنا منها . فالتقديرات تشير إلى أن أكثر من مليار شخص حول العالم يملكون هواتف جوالة، ومع تنامي استخدام هذه الأجهزة التكنولوجية، تزداد مشقة الفكاك منها بالنسبة إلى من يعانون حساسية للحياة العصرية .