يُعَدّ الفنان حسين شريف من أقوى الفنانين الاماراتيين، وأكثرهم إبداعاً وجرأة، ويمتاز إنتاجه الفني بالكثير من الأفكار المبتدعة، منها على سبيل المثال ما حدث في اكتوبر/تشرين الأول من عام 1983 في معرض أقيم في النادي الأهلي في دبي، حين قدّم حسين مجموعة من الرسومات يتجاوز عددها الاربعين، مرسومة بالفحم على أوراق، يبلغ حجم أكبرها 70*50 سم، وأصغرها 6*4 سم، وتمثل هذه الرسومات صوراً شخصية للفنان نفسه.
الرسمة الأولى أنجزها حسين وهو أمام المرآة، أما الثانية فرسمها نقلاً عن الرسمة الأولى، والثالثة عن الثانية، وهكذا حتى بدأت الملامح في التغير إلى أن اختفت الصورة الشخصية في الرسم الأخير، وبقيت مجموعة تجريدية من الخطوط 1.
في غير هذا من الامثلة، وفي جميع أعماله، من اللوحة إلى التركيب، تظهر ميزة خاصة للفنان حسين شريف، هي الجرأة في التعامل مع المواد، وانتهاء بالسيطرة التامة على مجرى العمل الفني.
إن الغرض الاساس من هذا المقال هو البحث في تجربة الفنان حسين شريف في فن التقليل/ للمينيمال، لكننا سنستعرض ايضا شيئاً من تجربته السابقة.
الانتباه والتجاوز
منذ بداياته، وإلى يومنا هذا، انتج الفنان حسين شريف مجموعات من اللوحات التي تسجل مشاهد محلية، وكانت القديمة منها تمثل السفن والمباني التراثية، أما الجديدة فهي أكثر تحقيقاً للواقع حيث تسجل الأسواق الشعبية، ومرافئ السفن الخشبية، إنما في يومنا هذا الذي نعاصره، بمعنى أنها تسجل حاضر الماضي، وهي مشاهد محلية لم ينتبه إليها الكثير من الفنانين الاماراتيين، فهم إما تسجيليون يرصدون التراث في الماضي، أو حداثيون، ينتجون أعمالاً تنتمي إلى بداية القرن العشرين، أو ما بعد حداثيين، يبدعون أعمالاً تدخل تحت اسم الفن الجديد، وهو الخارج عن نطاق الأعمال التقليدية، وليس بين هؤلاء من انتبه إلى تسجيل الواقع الحديث للمكان التقليدي الذي ينتمون إليه سوى الفنان حسين شريف والقلة منهم.
وفي تجربة مقابلة، إنما نقيضة، أنتج حسين شريف لوحات عدة من التجريد البحت في نهاية الثمانينات، امتازت بالتقارب بين الألوان المستخدمة فيها من حيث درجة الكثافة، مخالفاً بذلك عادته في لوحاته الواقعية المذكورة آنفاً، حيث كان حسين يفارق في درجة الكثافة فيها بين الألوان، بمعنى انه كان يُثير مفارقة حادة بين الألوان الباردة والألوان الحارة. أما في تجريدياته فقد عَمَدَ إلى المقاربة بين درجات الألوان مما عكس تكويناً غامضاً، لكنه جميل في الوقت نفسه.
ثمة مرحلة أخرى تميز بها الفنان حسين شريف من بين بقية الفنانين في الامارات، هي تجربة الكولاج، أو القص واللصق اتخذت تجربة الكولاج لدى حسين شريف ثلاثة مسارات من حيث الموضوع، فهناك المشاهد التسجيلية التي صور فيها بعض الفرجان الحارات القديمة في دبي، وفي مسار آخر أنتج لوحات تجريدية لها طابع لوني خاص، لكنه يقترب من طريقته التجريدية في لوحاته الزيتية التي ذكرناها آنفاً، وفي مسار ثالث، وهو الأحدث، لكنه الأقل، أبدع لوحات تتعلق بالأحداث والوقائع والصور المعاصرة التي يشاهدها عالم اليوم.
يمكننا القول إن قوة حسين شريف في إنتاج وابتكار اللوحات تنبئ عن مقدرة فذة عن الرؤية، واستيعاب المرئي، وتخيّله كنموذج فني، ومن ثمّ ترجمته بصرياً إلى عمل فني باستغلال خامات بسيطة، وكما قال الفنان الكبير مايكل آنجلو: البوصلة في عيني، وليست في يدي.
ولكن، مع تعاظم هذه القدرة الفنية، قد لا يعود الفنان ليفكر كثيراً أو يهتم بالتقنية المستخدمة، أو نوعية المواد التشكيلية في أعماله، لأن قوته حينئذ تصبح أهم من الخامة، وأكثر قبولاً منها، فيقوم بتجاوزها غير عابئ.
يقول حسين شريف: منذ عام 1986.. بدأت أشعر بعدم اقتناعي بالباليته قطعة خشب خاص لمزج الألوان، وطريقة استخدامها، مثلا، وضع الألوان الباردة في جانب من الباليته، والألوان الحارة في الجانب الآخر، والمزج اللوني يجب أن يكون نظيفاً أو مدروساً، الخ من الطرق التقليية المملة في فن الرسم، فبدأت أستخدم أي سطح أضع عليه ألواني من دون ترتيب، وأمزج بعضها ببعض من دون قواعد علم مزج الألوان. هكذا أشعر ان هذا المزج أقرب إلى نفسي، إنه مزج ارتجالي، استخدم قماشاً رخيصاً وعادياً، أقوم بتجهيز وتأسيس اللوحة بمواد بسيطة، أستخدم في بعض لوحاتي ألوان الأميلشن، فقط اضيف اليه قليلا من زيت لينسد، أنقل هذا المزج اللوني إلى سطح اللوحة بطريقة ارتجالية وغير مبالية في البداية، إلى أن أحصل على اللوحة التي كانت في مخيلتي، ولكن بانتباه غير تقليدي. بعد عرض هذه اللوحات أقوم بتقطيع بعضها إلى مربعات أو مستطيلات صغيرة لأنتج منها لوحات كولاجية اخرى عن طريق القطع واللصق.
أما الآن فأقوم بتنفيذ أعمالي الفنية على الجدران مباشرة، وباستخدام الأصباغ العادية أو الفحم. عناوين جميع أعمالي الأخيرة من دون عنوان، أو خطوط على جدار. أبتعد عن العناوين الرمزية أو الشعرية، أخيراً، الشروط التي تضعها بعض المؤسسات الثقافية لعرض الأعمال الفنية مثل أن يكون العمل جاهزاً للعرض، لا أعرف ماذا تقصد هذه المؤسسات بهذه العبارات 2.
مسار نحو التقليل
في معرض أقيم في مركز سيترد للفنون بهولندا عام 1995 عرض حسين شريف عملاً على الجدار، هو عبارة عن عشرة مربعات تم العبث ببعض أضلاعها، وأحياناً بجميع الأضلاع، وذلك بمد بعضها لتشكل خطوطاً رأسية/ أفقية فيما بينها، من بين الكثرة من الأشكال كالمثلث والدائرة وغيرهما، يبدو المربع وسطاً بينها، فهو جامد، ورتيب، إنه الأفضل للعبث به، فشكله يغوي بذلك.
أعاد حسين شريف التجربة ذاتها بعدد أكبر من المربعات في إشارة إلى لا نهائية ذلك العبث، إنما بأضلاع متداخلة هذه المرة، وليست متقاطعة، وبطريقة تنفيذ تعوزها دقة التخطيط، والإنهاء الجيد، وذلك على جدار المركز الثقافي الفرنسي بدبي عام 1997.
لهذه الأعمال أصول سابقة، تعود إلى العام ،1994 حين أنتج حسن عملاً فنياً بعنوان (خطوط على ورق، مقاسه (600 #215; 200)سم، وهو عمل يبحث في أشكال مكعبات متداخلة، أو مربعات ومستطيلات ذوات بعد ثالث مجازي، وقد عرض هذا العمل ضمن معرض الخمسة الذي أقيم في صالة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في ابريل/ نيسان من العام المذكور.
وفي إنتاج مواز لما تقدم، قد يندرج تحت مظلة النحت، قام حسين شريف بعرض عمله الشهير إضراب - إنتاج 2002)، الذي قام فيه بصنع مجموعة من الأشخاص الذين يبدو عليهم الغضب والتمرد، وذلك عن طريق لي قاس لأسلاك معدنية، يعطي أشكالا إنسانية، ومقاس العمل (400*300*50) سم، ويعرض على الأرض مباشرة، وقد شارك الفنان بهذا العمل ضمن معرض أقيم بمدينة آخن في ألمانيا، في عام 2002.
إن الأسلاك تستخدم في حيز ثلاثي الأبعاد، والخطوط المرسومة تستخدم في حيز ثنائي الأبعاد، لكن كلاً منهما يشترك في كونه أقل ما يمكن استخدامه في مثل الأعمال السابق ذكرها، بقليل من العبث به.
هناك عمل آخر شهير في هذا السياق، يقترب من الريليف، أو النحت البارز، وهو (وجوه - إنتاج 1998)، عبارة عن مجموعة من العلب المعدنية تعرض على الأرض أيضاً، مساحة عرضها (200 * 200*15)سم، قام الفنان بالطرق عليها، وثقبها، وقطع أجزاء منها بآلات حادة، كي تعطي أشكال الأعين والأفواه، في تعابير لوجوه قاسية، وقد عرضه الفنان بمتحف الشارقة للفنون.
لقد أجمع كل من كتب عن حسين شريف على حدته وجرأته في إنتاج أعماله، إلا أن هذه الحدة والجرأة في إنتاج العمل الفني، لا تداني الجرأة في اختيار المواد المهملة التي سيسعى الفنان حسين شريف لاحقاً إلى إنتاج المزيد من الأعمال بواسطتها ليؤكد المحتوى الأقل للفن.
لنلق نظرة إلى إنتاج الفنان حسين شريف في سياق التقليل، في عام 1996 أنتج حسين شريف عملاً من دون عنوان، هو عبارة عن كراتين مطلية بغراء أبيض، تعرض رأسياً مسنودة على الجدار، ثم تمتد أفقياً على الأرض، مقاسها (300 #215; 200 (50) سم.
في عام 1997 أنتج عملاً من دون عنوان كذلك، هو عبارة عن بقايا علب معدنية، ومواد صناعية مهملة من الحجم الصغير، قام بتقطيعها بصورة حادة، وأعاد تجميعها في شكل تكوينات صغيرة، ثم قام بعرضها معلقة على أسلاك معدنية ممتدة، ومقاس هذا العمل (200*200*10) سم. في عام 1999 انتج حسين عملاً من دون عنوان، هو عبارة عن بقايا علب كرتونية ومعدنية، ومواد صناعية مهملة، وأسلاك. قام بتقطيعها بصورة حادة كذلك، وأعاد تجميعها بقوة وقسوة في شكل تكوينات متوسطة الأحجام، ثم قام بعرضها على الأرض مباشرة، ومقاس هذا العمل (400*400*35)سم. وفي عام 2000 أنتج الفنان عملاً من دون عنوان، هو عبارة عن مكعبات خشنة من الأسمنت، وضعت في طوابير تبدأ بانتظام دقيق، وتنتهي بفوضى عارمة، ممزوجة الى حد الضياع بمواد مهملة مختلفة. مقاس العمل (400*400*50) سم، وقد عرض في متحف لودفيج للفنون في مدينة آخن بالمانيا.
يتضح عبر هذا العرض، أن هذه الأعمال تمثل حداً أدنى من الفن، وهي تدل على أنه إذا كان هناك فنان اماراتي ينتج فناً حقيقياً من التقليل Minimal Art فهو حسين شريف بلا منازع، ولكن، ماذا عن المشاهد؟
يقول حسن شريف عن أعمال أخيه حسين: أما صعوبة قبول المشاهد لهذه الأشياء كعمل فني، فنتيجة لأن طبيعة الفن الجديد أن تذهب الى أبعد الحدود، أي: تذهب الى ما وراء الفضاء المنطقي، أو المحتوى المنطقي القابل للفهم والادراك 3.
مع احترامنا وتقبلنا لهذا التوجيه، فإن علينا أن نتبين حقيقة المينيمال آرت.
لا وعي المشاهد
إن المينيمال آرت يعتمد على إثارة اللاوعي لدى الانسان أو المشاهد، واستحضار مخزونة الى الوعي فوراً، ودون مقدمات ممهدة، وذلك عن طريق صدم المشاهد بما يراه في صالة العرض من قلة المادة الدالة المسماة عملاً فنياً، أقول ذلك مع غض النظر عن تقريرات لفنانين يحاولون من خلالها تسويغ إنتاج تلك الأعمال.
هذه الأعمال كالأسلاك والعلب وقطع الاسمنت تتخذ تأثيرها من الفراغ المحيط بها، بل إن كل تأثير الفراغ المحيط بها يختزل بداخلها، إذ لا شيء حولها، فتبدو مثيرة وغريبة للمشاهد، مع أنه - أي المشاهد - ربما رأى العشرات من هذه الأشياء قبل قدومه الى المعرض، وبالرغم من ذلك لم تثره كما أثارته القطع المعروضة، والسبب في ذلك بسيط، فالمشاهد يرى الأسلاك والعلب وغيرها من المهملات يومياً حتى تعوّد عليها، وأصبح ينظر اليها دون أن يراها بصورة جيدة لأنها دخلت في لا وعيه ، أما أشياء وعلب وأسلاك حسين شريف فإنه يراها ويستقبلها بكامل وعيه، لأنه صدم بها إذ رآها في معرض فني، بصفتها عملاً فنياً.
إذاً، فما المينيمال آرت سوى استدراج المشاهد للقبض على وعيه، عن طريق التسلل الى لا وعيه، ولفت انتباهه، وإثارته. قس على ذلك أعمال عمالقة هذا المذهب الفني المشهورين كالفنان دونالد جود، كارل اندريه، روبرت موريس، وغيرهم.
إن جوهر فن التقليل المينيمال آرت هو أن تستغل الفضاء الصافي لصالة العرض من أجل تضخيم الأشياء القليلة، وإعطائها القيمة الفنية، وجعلها تبدو استثنائية. إن ذلك من شأنه أن يطيل حديث الناس عن الفنان الذي أنتج مثل هذا العمل، ومن ثم الاهتمام به وبأعماله، وكما قال الفنان الكبير بابلو بيكاسو: إن أفضل الحسابات هو غياب الحسابات، فعند حصولك على مستوى معين من الاعتراف، فإن الآخرين يتصورون أنك عندما تفعل شيئاً، فإنما تفعله لسبب ذكي.