شيد المسلمون بباعث من دينهم حضارة زاهرة في القدس، احتضنت التراث الديني للمدينة، وأضفت نكهة خاصة على المعالم التاريخية والجغرافية والإنسانية للمدينة، في ظلها تعانقت الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام ولم تدنس في هذا العهد حرمة مكان مقدس أو يضطهد أتباع دين أو تصادر حرياتهم، كما هو دأب السياسة الصهيونية والممارسات الإسرائيلية مع المسلمين والمقدسات الإسلامية.
يتأصل الطابع الحضاري للمسلمين في القدس، في جماع المنظومة الحضارية بمشتملاتها في العلوم والفنون والثقافة والآثار والعمارة حيث عظموا هذا التراث الإنساني للمدينة، وأضفوا التقدير اللائق عليها وأضافوا إليها بما جادت به القريحة العربية وما تركته من منجزات خالدة على الأرض المقدسة.
يبدو ذلك في اعتزازهم بالآثار التي يرجع أصولها إلى الخليل إبراهيم عليه السلام، كما حافظوا بإعزاز على هيكل سليمان وعلى ما في صحن الحرم من قبة السلسلة المجاورة لقبة الصخرة من جهة الشرق، وهي السلسلة التي تنسب إلى سليمان عليه السلام وكتبوا فوق محرابها النص القرآني: يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق.
والملاحظ أن المقدسات الإسلامية في القدس لا تقتصر على المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وإنما تشمل ما شيدوه من مساجد ودور عبادة أخرى، فقد شيدوا مسجدا في الموضع المسمى بمقام النبي داوود وقامت على خدمته أسرة مسلمة تنتسب إلى داوود، تسمى آل الداوودي.
وقد بنى عمر مسجدا في القدس، وحفظ للصخرة المشرفة قدسيتها، وأقام عليها مصلى للعابدين المؤمنين، وفي العهد الأموي بنى عبدالملك بن مروان مسجد الصخرة، ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنين، كما قام عبدالملك ببناء المسجد الأقصى وأتمه ابنه الوليد.
وتابع هذه الأعمال الإنشائية السلطان العثماني سلطان القانوني في بناء السور العظيم ذي الأبواب السبعة عام 1524م، وفي داخل هذا السور تقع القدس القديمة.
وضعت الدولة الصهيونية خطة محكمة لتهويد القدس، ومسخ مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وبخاصة محو الصبغة الإسلامية وهي تمضي على هذا الطريق بخطى سريعة ومنظمة ليكون واقعا حيا لا فكاك منه.
واستمرارا في تغيير معالم المدينة على أرض الواقع، وحدت إسرائيل القدس الشرقية والغربية في مدينة واحدة أسمتها القدس الموحدة تحت سيادتها بذريعة الحق التاريخي لها في المدينة، وهو ما أسفر عن ابتلاع إسرائيل للقدس، واغتيال الحق العربي فيها، مع أنهم أصحاب الأرض والتاريخ.
واستمرت الدولة الصهيونية في مخططها بإعلانها أن القدس عاصمة لدولة الاحتلال وطالبت الدول بنقل سفاراتها إليها، وبلغ الصلف الإسرائيلي مداه فيما أعلنه الرئيس الإسرائيلي بيريز من جانب واحد أن القدس خارج نطاق مفاوضات الحل النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بالمخالفة لقرارات الشرعية الدولية التي تقضي بالاعتراف بالحق العربي في المدينة وعلى خلاف ما ورد في إعلان أوسلو بإقرار حق الفلسطينيين المقيمين في القدس في المشاركة في العملية الانتخابية، وحق تقرير المصير، إذ القدس رمز للحق الفلسطيني والحق العربي والحق الإسلامي، فعلى ثراها المقدس يتجسد حق الإنسان المسلم بما لا يقبل التنازل عنه ولا المساومة عليه ولا التفريط فيه.
إن السبيل لإنقاذ القدس يتأتى بإزالة الشقاق الفلسطيني وتوحيد الصف كحتمية لا غنى عنها لاستعادة الحق الفلسطيني العربي الإسلامي، واستجماع الإرادة العربية والإسلامية لاسترجاع الأرض والحق للعرب والمسلمين جميعا. واللافت للنظر في هذا الصدد أن الصهيونية رفعت شعار الكفاح المجيد من أجل الوجود القومي في فلسطين، وأنهم الورثة الشرعيون وشعب الله المختار، وهي مغالطات لسلب أصحاب الحق أرضهم ومقدساتهم.
ومن الأهمية بمكان كشف هذه المقولات المزيفة، فهم لا يفتأون يرددون بأنهم أصحاب أرض فلسطين استنادا إلى حق اليهود الثابت في الكتاب المقدس، وهي فرية أطلقوها تبريرا لطرد الفلسطينيين من أرضهم ووطنهم، وارتكاب جرائم الإبادة والتطهير العرقي، وتورطهم في جرائم حرب وانتهاك أبسط حقوق الإنسان.
أيضا لابد من عقد مؤتمرات قمة عربية وإسلامية إظهارا للحق العربي والإسلامي في القدس، وأن تتكاتف الشعوب العربية والإسلامية للمطالبة بالحق في القدس وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم.
وأخيرا وليس آخرا فإن على المنظمات العربية والإسلامية والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي أن توحد جهودها لاستعادة الوطن السليب.
* الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية