من مظاهر الرقي والتحضر في شريعة الإسلام اهتمامها البالغ بكل ما يرتقى بحياة الناس ويحميهم من كل ما يضر بصحتهم أو عقولهم أو ممتلكاتهم . . فالشريعة الإسلامية لم تهمل شيئاً فيه مصلحة حقيقية للإنسان ويؤدي إلى الارتقاء بحياته أو توفير مقومات الحياة الكريمة له . لذلك جاء اهتمامها واضحاً بصحة الإنسان البدنية والنفسية، ولن يتحقق ذلك إلا إذا عاش الإنسان في بيئة جميلة ونظيفة خالية من الملوثات، وأحاطت به مظاهر الجمال والإبداع الإلهي والإنساني .
ولم تكن التعاليم والأحكام الإسلامية في رعاية البيئة وإصلاحها وحمايتها مجرد مفاهيم فلسفية، أو حبراً على ورق كما يقال، بل كانت أوامر إلهية، وتوجيهات ربانية يجب على المسلمين أن ينفذوها بمقتضى إسلامهم، وبحكم إيمانهم، فليس الإيمان بالتمني ولا بالادعاء، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، كما قال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً .
في البداية يقول الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر ومفتي مصر الأسبق: حماية البيئة من التلوث والفساد، هدف تسعى إليه تعاليم وآداب وأخلاقيات الإسلام التي رسمت للإنسان علاقة مثالية بكل عناصر الكون، حتى يستفيد منها أقصى استفادة ويوظفها لتحقيق مصالحه، ويعيش حياة طيبة خالية من الأمراض والأوبئة .
نظام بديع
سبق الإسلام كل الحضارات الحديثة في العناية بالبيئة والارتقاء بها والإحسان إليها وحمايتها من ألوان الفساد وأشكال التلوث، وما نشاهده الآن في بلاد المسلمين من فساد وتلوث بيئي هو أكبر عصيان وتمرد على تعاليم الإسلام وآدابه وتوجيهاته وأخلاقياته .
ويضيف الدكتور واصل: لقد جاءت الشريعة الإسلامية تدعو الإنسان إلى المحافظة على البيئة، وتحرم عليه تلويثها وإفسادها، لأن الله خلقها من أجله وسخرها لخدمته ومنفعته، والذي يتدبر الآيات القرآنية من قوله تعالى: والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون إلى قوله تعالى: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) من الآية 5 حتى الآية 14 من سورة النحل يدرك تماماً أن الكون مسخر بأمر الله للإنسان، فيجب عليه أن يحافظ على نظافته ونظامه الدقيق البديع الذي خلقه الله عليه .
فالإسلام باعتباره الدين الخاتم لكل الأديان جاء يحث الناس، كل الناس، على المحافظة على البيئة ويدعوهم إلى عدم تلويثها أو إفسادها . فحرم على المسلمين وغيرهم التبول أو التبرز أو إلقاء القاذورات أو جثث الحيوانات أو مخلفات المصانع أو المدن في مجرى المياه خشية تلويثها فيضر ذلك الإنسان والحيوان وغيرهما من مخلوقات الله . والقاعدة الشرعية التي وضع أساسها رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: (لا ضرر ولا ضرار) .
كما جعل صلى الله عليه وسلم تنظيف الشوارع من القاذورات والقمامة وعوادم وسائل النقل الضارة وإماطة الأذى عنها مما يحصل به الثواب، فقال صلى الله عليه وسلم (إذ أبيتم إلا الجلوس في الطريق فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال غض البصر، ورد السلام، وإماطة الأذى عن الطريق) وإماطة الأذى كلمة جامعة لكل ما فيه إيذاء الناس ممن يستعملون الشوارع والطرقات .
ومن هنا يجب على المسلم، كما يؤكد الدكتور واصل، أن يكون حريصاً كل الحرص على تنفيذ تعاليم دينه الحنيف، وأن يدرك إدراكاً كاملاً أهمية المحافظة على نظافة البيئة وحرمة إفسادها لأي سبب من الأسباب، وأن يكون غيوراً على دينه، وأن يحافظ على نظافة البيئة التي يعيش فيها، لتبقى وتظل خالية من وسائل الأمراض التي تضر بالأفراد والجماعات .
فريضة إسلامية
المفكر الإسلامي المعروف الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق يؤكد رقي وتحضر الإسلام في التعامل مع قضية البيئة على نحو يجعل من العناية بالبيئة وحمايتها من التلوث فريضة إسلامية . . ويقول: هذه حقيقة تؤكدها كل النصوص الدينية وتدعمها جهود وسلوكيات المسلمين في التعامل مع كل عناصر البيئة عبر مراحل التاريخ، فالإسلام أولى قضية البيئة اهتماماً كبيراً انطلاقاً من عنايته بتوفير كل وسائل الحياة السليمة والكريمة للإنسان . فالإسلام يريد للناس أن يعيشوا في بيئة نظيفة ليكونوا قادرين على القيام بأعباء مسؤولياتهم على خير وجه .
والإسلام كما يؤكد الدكتور زقزوق جعل الحفاظ على البيئة جزءاً أساسياً من العقيدة وهذا ما نقرؤه في الحديث النبوي الشريف: الإيمان بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والأذى المشار إليه في الحديث الشريف يشمل كل أنواع الإيذاء التي تلوث البيئة وتضر بمصالح الناس وصحتهم وأذواقهم ومشاعرهم، فتكدس القمامة في الشوارع أذى يضر بالناس، والكلمة التي تخدش الحياء أذى يلوث البيئة الأخلاقية ويخدش حياء الناس ويفسد أذواقهم، ومكافحة هذا الأذى بكل صوره يعد من الواجبات الدينية التي يكتمل بها إيمان المؤمن وليست أمراً هامشياً يمكن التغاضي عنه .
ويلخص الدكتور محمد عبدالحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر الوسائل الإسلامية لحماية البيئة من التلوث فيقول: شأن الإسلام في اهتمامه بكل الأمور نالت حماية البيئة عناية فائقة على عدة محاور منها:
الإسلام يجرم تلويث البيئة ويعتبره إفساداً في الأرض بإهلاك الموارد التي خلقها الله لنفع الإنسان، حيث يقول سبحانه في صفة غير المستقيمين وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ومن أوجه الإعجاز القرآني الإشارة إلى تفاقم حالة تلوث البيئة التي تعيشها البشرية الآن وآثارها وعلاجها في قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون . ولذا فإن الأمر يقتضي الرجوع أولاً إلى الله وإلى الإسلام، وأول خطوة في ذلك التوقف عن التلوث، لأن الله سبحانه وتعالى في أكثر من 11 آية نهى عن الإفساد في الأرض، وأخبر سبحانه أنه لا يحب المفسدين وهذا ما يوجد دافعاً إيمانياً لدى المسلم للامتناع عن تلوث البيئة .
وتذخر السنة النبوية الشريفة بأحاديث عدة تحث على حماية البيئة وتحذر من التلوث أياً كانت درجته، وعلى رأس ذلك النص على أن حماية البيئة من شعب الإيمان، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وتعدد أحاديث أخرى بعض صور التلوث والاعتداء على المكونات البيئية، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما رجل يمشي بالطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له وقصة المرأة التي دخلت النار في هرة عذبتها، وقصة الرجل الذي سقا كلباً فغفر الله له، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، إماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق الناس صدقة (رواه ابن ماجة) . والنهي عن تلوث المياه بالمخلفات . . وغير ذلك من الأحاديث كثيرة .
في كلمة جامعة للرسول صلى الله عليه وسلم، يقول فيها لا ضرر ولا ضرار والضرر ما فيه منفعة لك ويضر غيرك، والضرار ما قصد به ضرر الغير دون تحقيق منفعة لك، وكلاهما منهي عنه، فمن يمارس الإنتاج أو الاستهلاك يحقق منفعة له ولكنه يحقق ضرراً لغيره بالمخلفات، وبالتالي لكي يحصل على منفعته ويبارك الله سبحانه له فيها ويتقي غضب الله عز وجل لابد أن يعمل على التخلص الآمن من هذه المخلفات .
تعد حماية البيئة من مقصود الشريعة الذي يحدد في تحقيق مصالح الخلق، وذلك يكون بجلب المنافع ودرء المفاسد لمقومات الحياة الخمسة وهي: الدين والنفس والعقل والمال والنسل، والقاعدة الفقهية أن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وتلوث البيئة يفسد هذه المقومات، وبالتالي فإن من التلوث وحماية البيئة من مقاصد الشريعة التي يجب على كل مسلم الالتزام بها وإلا كان آثما يعرض نفسه لغضب الله عز وجل وعقوبته .
لم يقف الأمر في الإسلام عند حد وضع الإطار النظري لحماية البيئة، وإنما امتد الأمر إلى التطبيق العملي من خلال جهاز الحسبة الذي كان يمثل أسلوب التحكم والسيطرة والرقابة على التلوث من خلال اتباع إجراءات وقائية وعلاجية لمنع التلوث .
إحسان وليس رعاية
الداعية والفقيه الدكتور يوسف القرضاوي، يؤكد أن الإسلام كفل للبيئة كل ما يحميها من الملوثات، وأحسن إليها بالسلوكيات والأعمال الجادة التي ترتقي بها . . وهذا عطاء حضاري متميز ليس له وجود في أي عقيدة دينية أخرى . . ويقول: لو التزم المسلمون بأوامر وأحكام وتوجيهات دينهم في ما يتعلق بالبيئة لأصبحت مجتمعاتهم من أرقي المجتمعات وأكثرها جمالاً وبهجة .
ويشرح الدكتور القرضاوي معنى الإحسان في التعامل مع البيئة فيقول: الإحسان كلمة قرآنية نبوية تتضمن معنيين: الأول معنى الإحكام والإتقان . . والثاني معنى الإشفاق والحنان والإكرام، كقوله تعالى: وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين . . والمعنيان مطلوبان هنا في التعامل مع البيئة، فيجب أن نعاملها بإحكام وإتقان، لا بإهمال وغفلة وإضاعة . . كما يجب أن نعاملها برفق وإشفاق وحنان .
ومظاهر الإحسان إلى البيئة في شريعتنا الإسلامية متعددة ومتنوعة وتبدأ بالإحسان إلى الإنسان نفسه، فالإنسان هو جوهر الحياة، والإحسان إليه يعني حمايته من كل الأضرار وحماية حقوقه، والاعتراف بإنسانيته، وتوفير مقومات الحياة الكريمة له . . ثم يأتي الإحسان بالحيوان، وهو من أروع ما جاءت به شريعة الإسلام، وقد بدأ اهتمام هذا الدين العظيم بحقوق الحيوان في عصر ما كان يعتبر لهذه الحيوانات قيمة أو حقاً . . ثم كان الإحسان بالنبات والأشجار . . وأيضاً الإحسان والرفق بالجمادات من مبانٍ وطرق ومظاهر للتحضر . . ثم الإحسان بالأرض التي نعيش عليها ونمشي في مناكبها ونأكل من رزق الله فيها .
وموقف الشريعة الإسلامية من كل سلوك يلحق الضرر بالبيئة واضح، وهو التحريم والتجريم وإقرار العقوبات الرادعة المناسبة لحجم الإفساد الذي صنعه الإنسان بغضبه أو إهماله أو تقصيره وعدم تقديره لنعم الله عز وجل .
من هنا يؤكد الدكتور القرضاوي ضرورة سن التشريعات التي تحمل عقوبات رادعة لكل من يلحق ضرراً متعمداً بالبيئة ويقول: لم تعد التوجيهات الدينية التي تستهدف الحفاظ على البيئة تكفي لمواجهة هؤلاء العابثين المستهترين بنعم الله . . ولم تعد النصائح البيئية والصحية قادرة على كف الأيادي العابثة التي تضر بالعناصر البيئية، وكذلك لابد من عقوبات رادعة تكف أيادي العابثين بالبيئة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، غير أن هذه العقوبات على أهميتها لا توفر للبيئة الحماية اللازمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية . . فالأمر يحتاج كما يقول الدكتور محيي الدين عبدالحليم أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الأزهر إلى تربية تغرس في الإنسان المسلم منذ الصغر كيفية الحفاظ على البيئة والارتقاء بها والإحسان إليها . . فالغربيون لا يحافظون على البيئة ولا يحسنون إليها انطلاقاً من توجيهات دينية في عقائدهم، ولكن لأنهم تربوا على ذلك وأصبح لديهم كباراً وصغاراً الوعي الاجتماعي والصحي والبيئي الذي يقودهم إلى التعامل بتحضر مع البيئة وكل ما في الكون من عناصر حياة ومن مظاهر جمال .
ويضيف الدكتور محيي الدين عبدالحليم: يجب على مؤسساتنا التربوية والتعليمية أن يكون لها دور واضح في غرس ثقافة الحفاظ على البيئة في نفوس الصغار، لكي ينشأوا على احترام وتقدير كل نعم الله . . كما لابد أن يكون لوسائل الإعلام والثقافة العامة والإسلامية دور في ذلك، فالسلوكيات الخاطئة في التعامل مع البيئة تضر بالمجتمع وتشوه صورته أمام ضيوفه، وتلحق الأضرار المادية والمعنوية بأفراده، ومن وظائف الإعلام توفير الحماية اللازمة للمجتمع من كل الأضرار المحدقة به .
وإذا كان للإعلام العام دور وواجب لابد أن يقوم به . . فلابد أن يقوم الإعلام الديني بدور أكبر للقيام بمهامه في التوعية والترشيد والتوجيه المعتمد على القرآن والسنة وهدي السلف الصالح، عن طريق خطبة الجمعة، ودرس المسجد، والمحاضرات الدينية . . فلا يزال للمسجد تأثيره الكبير في عقول المسلمين وضمائرهم .