حذر الدكتور سعيد إسماعيل علي أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس من استمرار سخرية وسائل الإعلام من الدعاة نظرا لخطورة الأمر وتأثيره في صورة العلماء وهيبتهم في المجتمع . . وأكد أن التناقض في حياة المسلمين بين أقوالهم وأفعالهم أثر في منظومة القيم والأخلاق في مجتمعاتنا . . وطالب بإصلاح شامل لمواطن الخلل في المجتمع ليتحول إلى بيئة تحترم الأخلاق . . ودق ناقوس الخطر من الانتشار السريع للمدارس والجامعات الأجنبية مما يعد تدعيما للاستعمار الحضاري الذي يريد طمس هويتنا العربية والإسلامية . . وطالب أصحاب المدارس الإسلامية التي أنشئت كرد فعل للتغريب بضرورة الالتزام بالأهداف النبيلة التي تم تأسيسها من أجلها . . وفي ما يأتي نص الحوار الذي أجري معه:

حذرتم كثيرا من التأثير السلبي للصورة التي تعرضها وسائل الإعلام للدعاة والسخرية من الرموز الإسلامية فما مدى خطورة الظاهرة التي بدأت منذ فترة طويلة؟

صحيح . . الظاهرة ليست وليدة اليوم وإنما لها جذور عميقة تعود إلى ما قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة حيث عمل أعداء الإسلام في الداخل والخارج على التقليل من هيبة علماء الدين في النفوس لإحكام سيطرتهم على مجتمعاتنا، وخاصة أنهم يعلمون أن عالم الدين كلمته مؤثرة في رفض الظلم أيا كان الظالم فضلا عن رفضه لكل أشكال التبعية والخضوع بل إنهم يؤكدون دائما أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين الذين يأمرهم دينهم ألا يكونوا إمعات أبدا بل لابد أن يكونوا ايجابيين وفاعلين ومؤثرين . . وجاءت دعوتي بسبب التهجم المستمر على كل ما له صلة بالدين وخاصة الرموز مما أثر سلبيا في مكانة الدعاء وهيبتهم الشباب الذين اعتبرهم ذخيرة الأمة عماد نهضتها .

العلماء والحكام

إنما تفسد السمكة من رأسها هذا ما يؤكده التربويون للاستدلال على أن مكانة علماء الدين في المجتمع مرتبطة بتقدمه أو تخلفه . . فهل توافقون على ذلك؟

اتفق مع هذا الاستدلال بدليل أن الحكام في عصور قوة الأمة كانوا يجلون العلماء ويأخذون برأيهم في القضايا المهمة بل كانوا يطلبون رضاهم لأنهم يعرفون أنهم لا يخشون في الله لومة لائم، أما في عصور الضعف فقد تملق العلماء الحكام وسعوا إلى رضاهم وقد ظلت مجتمعاتنا إلى عدة قرون مضت تنظر إلى خريج التعليم الديني باعتباره ذروة المتعلمين وكلمة عالم يقصد بها عالم الدين ولهذا عمل الاستعمار على إهدار قيمة العلماء وأدى ضعف المؤسسات الدينية إلى تحقق ذلك، ولهذا فأنا أؤمن بأن إصلاح المجتمع أو فساده يبدأ من التربية ودور علماء الدين في ترسيخ منظومة القيم والأخلاق .

بمناسبة ما تقولونه عن الوسائل الهروبية يرى البعض أن الانجراف الشديد نحو التدين وخاصة بين الشباب سببه الشعور بالإحباط واليأس من إصلاح الواقع وكذلك تزايد معدلات الجرائم والانحرافات الأخلاقية والسلوكية بل وانتشار المفاسد بكل صورها فهل توافقون على هذا التفسير؟

تناسى أصحاب هذا التفسير أننا أبناء منطقة التدين فيها أمر فطري وتأتي مصر في مقدمة شعوب العالم وليس منطقتنا فقط التي يمثل التدين جزءا كبيرا من سلوكياتها وأخلاقها وهذا ما أظهره أحدث استطلاع لمركز جالوب أشهر مركز استطلاع رأي في العالم، ومع هذا أعترف أن هناك بعض المتدينين في مجتمعاتنا يعانون من الانفصام الشديد بين أقوالهم وسلوكياتهم وأخلاقهم . ولكنهم يظلون استثناء من القاعدة التي يمثل التدين بالنسبة لها تدينا حقيقيا فطريا، أما من يصف تدين المجتمع كله بأنه تدين ظاهري فهذا مثل من يرى الشجرة التي بها عيب ما ولا يرى الغابة بكل ما فيها من أشجار مثمرة .

ولهذا واجبنا معالجة مواطن القصور في أسلوب تربيتنا لأولادنا ليكون الصدق والجدية والانتماء للدين والوطن والتفاني والتضحية في خدمة الآخرين هو الأساس ولن يتحقق ذلك إلا إذا رأى الأبناء آباءهم يطبقونه في حياتهم بشكل عملي غير متكلف .

أمراض تربوية

في هذه النقطة تحديدا يكمن الداء التربوي إذا جاز لنا التعبير حيث يطالب الآباء أبناءهم بالفضائل والقيم والأخلاق في حين لا يلتزمون هم . أليس هذا هو السبب في كثير من الأمراض التربوية في عصرنا؟

بالتأكيد لأن الأب والأم هما القدوة والمثل الأعلى ويستقي منهما الأبناء السلوكيات والأخلاق بل وكل شيء في الحياة وبقدر التزام الآباء والأمهات تكون الثمرة في أبنائهم، وقد أدى هذا التناقض إلى التدهور المستمر في عالم القيم والأخلاق والعمل والسلوك في مختلف القطاعات المجتمعية .

ويزداد الوضع سوءا في المجتمعات التي تعاني من القهر بكل صوره ويزداد ضراوة كلما اتسعت دائرة الحرمان وكثرت الأماني والرغبات، ولهذا فإن إصلاح الأسرة يبدأ بنشر الوعي والتعليم بين الآباء والأمهات . ولهذا نحن في حاجة ماسة إلى توافق الأفعال والأقوال خاصة داخل الأسرة باعتبارها النواة الأولى التي يتكون منها المجتمع .

ازدواجية محيرة

رغم أننا أبناء أمة تقدس العلم لدرجة تجعله فريضة إلا أننا في ذيل الأمم فما تفسيركم لهذا الوضع المتناقض؟

تعاني أمتنا من الازدواجية التي حيرت العقلاء من أبنائها وأعطت أعداءها الفرصة للسخرية من أوضاعها حتى إن بعضهم وصف المسلمين بأنهم عالة على الحضارة الإنسانية التي لن تخسر كثيرا إذا تم التخلص منهم بل إن أوضاع البشرية ستكون أفضل كثيرا .

هناك أخطاء من داخلنا أدت إلى هذه المشكلة منها أن بعض علماء التربية المسلمين حصروا فكرة طلب العلم في أنه فريضة في العلوم الدينية فقط وفقا لطبيعة الحضارة الإسلامية وخاصة في قرونها الأولى . وعند فريق آخر من التربويين لم يقترن العلم بالعمل وبالتالي لم تتم ترجمته إلى سلوكيات وأخلاقيات وبالتالي أصبح بلا قيمة حقيقية في الحياة .

هل تقصد بهذا أننا نقرأ ظاهر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من دون أن نفهم جوهرها ونطبقه؟

بالتأكيد بدليل أن هناك آيات قرآنية كثيرة تنبه إلى الاقتران المستمر بين الإيمان والعمل حتى إن الله لا يخاطب الذين آمنوا إلا ويتبعها بقوله وعملوا الصالحات ثم يبين العلة وأثرها حتى ينصلح حال الناس وتستقيم سلوكياتهم إلا أن الفهم الظاهري لنصوص الدين جعلنا نرى تزايدا في أعداد المصلين ومن يؤدون فريضة الحج والعمرة ومن لا يكتفون بصوم رمضان فقط بل يصومون تطوعا وكثرة من يرتدين الحجاب ومن يطلقون اللحى في مختلف الأعمار والأقطار ومع هذا لم نجد انعكاسا لذلك على معاملات كثير منهم .

أدب الاختلاف

يعيب علينا غير المسلمين أننا لم نحسن تربية أبنائنا على احترام الآخر في إطار أدب الاختلاف وقبول الآخر فهل ترى أن هذا صحيح؟ وما الحل؟

هذا الاتهام صحيح إلى حد بعيد لأننا لم نحسن فهم تعاليم ديننا وتطبيقها خاصة أنه يؤكد في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الاختلاف سنة كونية أرادها الله في خلقه . وقد أحسن المسلمون الأوائل تطبيق ذلك في حياتهم ويكفي أن نذكر اختلافات أئمة المذاهب الفقهية وقد نقل عن الإمام الشافعي قولته الشهيرة التي توارثتها الأجيال رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب . أما نحن الآن فنضيق بالاختلاف والنقد وشعارنا من ليس معي فهو عدوي .

بالمناسبة ما رؤيتكم لمكانة الأخلاق في مجتمعاتنا؟

الأخلاق واحد من مجالات ثلاثة تمثل ما نطلق عليه قيم الحق والخير والجمال . والخير يختص به علم الأخلاق الذي قسم الأخلاق إلى فرعين أولهما الأخلاق النظرية أي ما تضعه الأديان والتشريعات الاجتماعية والتربوية واجتهادات وآراء الفلاسفة والمفكرين والدعاة والمصلحين .

وثانيهما الأخلاق العملية وهي ما يطبقه أفراد الجماعة البشرية في ما يتم التوصل إليه من القواعد والآداب الاجتماعية وتحديد ما يصح وما لا يصح من سلوكيات .

ومن المؤسف أن المفهوم النظري هو ما يغلب على مجتمعاتنا بدليل أن الذين يسمعون ويقرؤون ويحفظون القرآن والأحاديث النبوية في عصرنا أضعاف أمثالهم في عصور الإسلام الأولى ولكن للأسف شتان ما بين مسلمي اليوم والأسلاف الذين كانوا يعيشون الإسلام حتى لو كانت معرفتهم عنه قليلة مقارنة بما نعرفه الآن وكانوا يرون الأخلاق ركنا أساسيا من أركان التدين .

هل معنى هذا أننا في حاجة إلى تدريس مادة الأخلاق في مدارسنا وجامعاتنا؟

رغم أهمية إدخال مادة الأخلاق في منظومة التعليم إلا أن الأهم أن نجعل أبناءنا يعيشون بيئة تحترم الأخلاق وتنبذ سوء الأخلاق، ومن دون تهيئة البيئة أخلاقيا فلن تنصلح الأخلاق حتى ولو حولنا كل الحصص الدراسية إلى دراسة الأخلاق فقط، التي هي أمر يتصل بكل دقيقة يعيشها الأبناء والكبار وكل المدرسين مسؤولون عنها من خلال علاقتهم بتلاميذهم وبين المدرسين بعضهم بعضا وبين الجميع وإدارة المدرسة .

نحن بحاجة إلى بث دماء أخلاقية في كل النظم القائمة وكل أجهزة التعليم والتثقيف والإعلام مع ضرورة أن تكون لدى المجتمع رغبة في تحسين أوضاعه للأفضل حتى يكون غده أفضل من يومه .

ولن يتحقق ذلك إلا إذا بدأنا من الأسرة وأن تكون الحكومات جادة في جعل التعليم في مقدمة أولوياتها وربطه بالتنمية ومضاعفة الإنفاق على البحث العلمي والتعليم .

المدارس الإسلامية

ظهرت تجربة المدارس الإسلامية واختلفت الآراء في تقييمها فما رأيكم فيها؟

أرى أنها انتشرت في العديد من دولنا العربية كرد فعل على شدة الإقبال على مدارس اللغات الأجنبية التي رأى البعض أنها تمثل خطرا على مستقبل الأجيال القادمة فسارع إلى إنشاء مدارس تقدم تعليما يجمع الثقافة الدينية الإسلامية واللغات الأجنبية لاجتذاب أبناء المسلمين . وقد أدت هذه المدارس دورها في ضوء أهدافها النبيلة إلا أن بعضها تمادى وزاد الحرص على التعليم فيها بلغة أجنبية حتى أصبحت هي لغة التعليم وهذا يتناقض مع الأهداف التي أنشئت من أجلها ولهذا لابد من تصحيح المسار حتى لا يصبح التعليم بالعربية غريبا حتى بين من يدافعون عنه بأقوالهم . . وأفعالهم بعيدة عن ذلك .

هذا يقودنا إلى سؤال عن تقييمكم للمدارس الأجنبية التي انتشرت في عالمنا العربي والتي تناقضت الآراء حولها ما بين مؤيد ومعارض؟

لعبت المدارس التي أنشئت على النمط الغربي بنهجه العلماني دوراً خطيراً في التمهيد للعلمانية الغربية وخلق نخبة سياسية وثقافية مرتبطة بالغرب ومؤمنة بالتفوق الحضاري له بعد أن ربطت نفسها به وتشبعت بأفكاره وانفصلت عن محيطها وثقافتها الإسلامية الأصيلة وشجعت الثقافة والمعارف العصرية على حساب ثقافتنا الإسلامية .

هل تعني أنها إحدى صور الاستعمار الحضاري الذي يمارسه الغرب ضدنا؟

بالتأكيد حيث يعمل هذا الاستعمار بوسائله المختلفة على تفريغ حضارتنا من داخلها واقتلاع جذورها الإسلامية التي تضمن لها الاستمرار . ولهذا لابد من نشر الوعي لدى الأجيال بخطورة الانحياز الحضاري الهادف إلى القضاء على الثقافات الوطنية والدينية واستبدالها بما يكرس الهيمنة الحضارية الغربية على الشعوب ذات التاريخ التي ترفض الذوبان رغم تخلفها الاقتصادي . لهذا لابد أن يبدأ التعليم بالعربية ثم تأتي اللغات الأجنبية في مراحل تالية بدلا من جعل لغة القرآن غريبة بين أبنائها لأن اللغة تحيا بأهلها قبل أن تحيا بتركيبها وتحظى بالصدارة عندما يكون أهلها قد سبقوا العالم في التطور الحضاري .

اتهام كاذب

ولكن هناك اتهامات للغة العربية بأنها لا تسع المصطلحات العلمية والتقدم بكل أشكاله؟

هذا افتراء لجعلنا نشعر بالتبعية واحتقار لغتنا الأم وتفضيل اللغات الأجنبية عليها، ومن يطلع على إرثنا الحضاري يدهشه الأسلوب العلمي الأخاذ لعلماء حضارتنا ولغتهم العربية القوية التي كتبوا بها رسائلهم وموسوعاتهم وتجاربهم وبحوثهم في مختلف العلوم بل وطوعوا لغتهم العربية لمصطلحات العلوم الكونية والطبيعية وغيرها فأنتجوا أعظم حضارة في تاريخ البشرية .

ما الحل إذن لهذه الأزمة التربوية في التعليم؟

أن ندرب المتعلم تدريبا جادا في كل مراحل تعليمه بل وفي كل مادة يتعلمها كيف يبحث عما وراء الكلمات التي يسمعها وأن يبحث وراء أي لفظ عن معناه شريطة أن يفهم المعنى على أنه حقيقة من حقائق الدنيا جاءت الكلمات لتشير إليها وإقامة جسور قوية بين المدرسة وبين الآباء والأمهات للوصول إلى قدر مشترك من أساليب التعامل وإلى تفكير ذي صيغة موحدة يتم من خلاله التعامل مع الأبناء، كما ينبغي أن تنظم المدارس ندوات يتحدث فيها كبار المفكرين الإسلاميين لطرح أفكارهم والتواصل مع الأجيال الجديدة وإتاحة الفرصة لها لتطرح تساؤلاتها .