عندما نادى الحاجب على قضيتها خرجت من بين الصفوف متجهة بثبات نحو منصة المحكمة، وقفت إلى جوار محاميها من دون أن يبدو على ملامحها ما يدور بداخلها من أحاسيس، عندما سألها القاضي عن طلباتها أشارت إلى المحامي وكأنها تمنعه من الكلام وبدأت في رواية حكايتها منذ البداية .
نشأت "هدى" في أسرة بسيطة بأحد الأحياء الشعبية، لها شقيقتان و4 أشقاء والأسرة كلها تعيش في شقة ضيقة يتسابق فيها الجميع للحصول على مكان للنوم قبل الآخرين ومن يتأخر عليه أن يقضي ليلته على أحد الكراسي غير المريحة حتى يخلو له مكاناً، غرس والدها في نفسها هي وإخوتها أن التعليم يمكن أن يرفع الإنسان إلى المستوى الأفضل الذي يتمناه وكفيل أيضاً بأن يحقق له من الثروة ما لم يكن يحلم به واستوعبت "هدى" الدرس جيداً وتمسكت به باعتباره الأمل الوحيد أمامها للخروج من دائرة الفقر، وضعت التفوق في الدراسة نصب عينيها وأصرت على أن تحقق ذاتها من خلال تفوقها وتلاحقت سنوات الدراسة من دون أي كبوة حتى وصلت إلى الجامعة والتحقت بكلية التجارة وكانت تقضي الليالي ساهرة تستذكر دروسها، وهي تحلم باليوم الذي تنهي فيه دراستها بتفوق حتى تحصل على وظيفة براتب كبير، وكلما شعرت بنظرات الرضا في أعين والديها ازدادت قوة وإرادة لكي تحقق حلمها وحلمهما، مرت السنوات سريعاً من دون أي كبوة حتى تخرجت بتقدير مرتفع أهلها للعمل بأحد الفنادق الكبرى بأجر لم تكن تحلم بمثله أبداً، تقدم "ماهر" لخطبتها فلم تطلب مهلة للتفكير كما تفعل كل الفتيات، رغم أن كل ما كان يجمع بينهما هو الجيرة فقط وأجابته بوضوح بأنها كانت طوال عمرها تتمنى الارتباط برجل مثله فقد كان شاباً تتوافر فيه كل مقومات الرجولة التي تتمناها الفتاة في شريك الحياة فهو يعمل في وظيفة مرموقة ويتقاضى راتباً محترماً علاوة على أن أخلاقه لا تشوبها شائبة فلم تسمع عنه كلمة سيئة أبداً كما شعرت بأنه رجل قادر على تحمل المسؤولية يتمتع بلباقة عالية ومثقف وعلى خلق عظيم إلى جانب وسامته ورقة مشاعره، كما أنه عريس جاهز كما يقولون ويمتلك كل الإمكانات وأهمها شقة مجهزة بأثاث جيد وأيضاً عرض تقديم شبكة ثمينة وخلال فترة الخطوبة التي استمرت ما يقرب من عام لم تلاحظ عليه ما يجعلها تطلب فسخ الخطوبة بل على العكس كانت تتعجل إتمام الزفاف، رغم بعض العبارات التي كان يرددها أحياناً عن اعتزامه الحصول على راتبها الكبير الذي تتقاضاه من عملها بالفندق فقد كانت تعتبرها مجرد "دعابة" فلا يوجد رجل يفكر مثل هذا التفكير، تم الزواج وسافرا لقضاء شهر العسل في إحدى القرى السياحية بعد أن حصلا على تخفيض ضخم بواسطة زملاء "هدى" في المجال السياحي وعاشا أجمل شهر عسل لكن بمجرد عودتهما إلى عش الزوجية فوجئت بزوجها يطلب منها إعطاءه مرتبها بالكامل باعتباره "رجل البيت"، ويجب أن يكون هو المسؤول عن الإنفاق، في البداية وافقت بعد أن أقنعها بمنطقه وكانت تعود من عملها أول كل شهر وتعطيه الراتب بالكامل ويضع هو الآخر راتبه معه وينفقان من الراتبين على طلبات المنزل والبقية يقومان بادخار في صندوق صغير بدولاب حجرة النوم، لم تعر الأمر اهتماماً فبين الزوجين لا توجد فوارق لكن زوجها لم يكتف بذلك بدأ يسألها عن الحوافز والأجور الإضافية التي تحصل عليها خلال الشهر كما بدأ يحاسبها على كل قرش تنفقه على شراء حاجياتها الخاصة، لقد ظهر بوجهه القبيح رجلاً بخيلاً أشد ما يكون البخل وبدأ يمنعها من شراء أي هدية سواء لأمها أو أشقائها وشقيقاتها مهما كانت المناسبة وإذا حدث ونقص مرتبها لأي سبب فإنه يعقد لها "محكمة" قد تستمر طوال الليل .
شعرت بالغضب والاشمئزاز فالزوجة يمكن أن تغفر أي شيء لزوجها إلا أن يكون بخيلاً "وزاد الطين بلة" كما يقولون عندما فوجئت ذات يوم بخلو الصندوق الذي يحتفظان به بمدخراتهما المشتركة وعندما سألته عن النقود أخبرها بكل صفاقة وتبجح أنه وضعها في البنك في حساب خاص باسمه وحده، وقتها كادت الصدمة أن تصيبها بالشلل لكنها تمالكت أعصابها وبدأت في عتابه بهدوء وحاولت إقناعه بأن هذه المدخرات خاصة بهما معاً وكان يجب عليه على الأقل أن يخبرها ويحصل على موافقتها قبل قيامه بهذا الإجراء لكنه رفض مجرد مناقشة الموضوع بحجة أنه يستطيع منعها من العمل إذا أراد فلم تجد جدوى من الحديث والتزمت الصمت لكنها في أول الشهر التالي رفضت تسليمه راتبها كما هي العادة وأخبرته بأن الرجل هو المسؤول عن الإنفاق على المنزل ففوجئت به يثور ثورة عارمة وينهال عليها بالسب والضرب المبرح وعلى صوت المشاجرة تجمع الجيران وحاولوا تهدئته دون جدوى وأمامهم حاول خنقها فأسرعت بالهرب من بين يديه وأمسك به الجيران ومنعوه من ملاحقتها ومواصلة التعدي عليها فتناول كوباً زجاجياً وألقاه نحوها فأصابها في رأسها وأحدث بها جرحاً عميقاً كما هددها بتشويه وجهها بماء النار في حالة إصرارها على الاحتفاظ براتبها .
يومها شعرت بأن كرامتها قد ضاعت وأسرعت بجمع حاجياتها وملابسها وتركت منزل الزوجية وأقامت لدى أسرتها ورفضت محاولات بعض الأهل والأصدقاء التدخل للصلح وإعادة المياه إلى مجاريها بينهما وطالبته بالطلاق بهدوء وبشكل ودي لكنه رفض وأعلن بصراحة أنها لن تطوله أبداً وهددها بأنه سيتركها "معلقة" مثل البيت الوقف وعندما شعرت باليأس منه لجأت إلى محكمة الأسرة وأقامت دعوى للحصول على الطلاق للضرر تأسيساً على تعديه عليها بالضرب والسب واستحالة الحياة بينهما بعد ذلك، بعد سماع مرافعة محامي الزوج الذي أنكر أقوال الزوجة وشهادة الجيران أصدرت محكمة الأسرة حكمها برفض دعوى الزوجة، استناداً إلى أن مجرد محاولة الزوج خنق زوجته على فرض صحتها لا يدل على نيته في قتلها أو كونه غير أمين عليها، استأنفت الزوجة الحكم وقررت محكمة الاستئناف قبول الاستئناف شكلاً وقضت بإلغاء الحكم الابتدائي وتطليق الزوجة طلقة بائنة للضرر مع احتفاظها بكل حقوقها الشرعية وألزمت الزوج بالمصروفات وأتعاب المحاماة وقالت في الأسباب: "إن الإيذاء البدني الذي وقع على الزوجة من زوجها والذي تأكد وقوعه بأقوال الشهود يوجب التطليق علاوة على أن الخنق فعل بطبيعته يؤدي إلى الموت لولا تدخل الحاضرين ومنعهم الزوج من الاستمرار في فعله وبذلك يكون غير أمين على زوجته وبقاؤها معه يشكل خطراً على حياتها فمن يضمن لها أن أحداً من الجيران سيكون موجوداً لينقذها إذا عادت الحياة الزوجية بينهما وكرر الزوج فعلته معها مرة أخرى وحاول خنقها .