لا أدري يلاحقني المتنبي في كل وقت أذهب بعيداً عنه لأعود إليه . . يلاحقني كثيراً ومع مرور الوقت أحاول أن أنساه أن أبتعد عنه أن أذهب للآخر، لكني قاصر لأن الآخر لا يشبع ولا يغني من جوع، خاصة جوع التذوق .

لا أدري يلاحقني المتنبي في كل وقت يلاحقني أم ألاحقه، الأكيد أنني ألاحقه في اللاوعي وفي الوعي أدّعي أنه يلاحقني، مفارقة غريبة بين الوعي واللاوعي .

دخل المتنبي في كل شيء وسيطر على لغتنا وأرواحنا، ما الذي جعله حاضراً فينا، ما الذي جعل المتنبي يتفوق ويقيم دولة الشعر في كل مكان؟

ومع ابتعادنا عنه نعود إليه بلهفة كأننا بحاجة إلى هذا البعد، كأننا في حاجة إلى هذا الجفاء وليس لنا سوى السلوى حتى نعود إليه بصفاء ونتذوق من مآدبه ما نشاء .

عندما يكون رقيقاً وهذه نادرة، يبطر والبطر سلوك غير حميد، ويتنافى مع الأخلاق والقيم لكن الغالي يبطر رقة:

قد كانَ يَمنَعني الحَياءُ منَ البُكَا

فاليَوْمَ يَمْنَعُهُ البُكا أنْ يَمْنَعَا

حتى كأنّ لكُلّ عَظْمٍ رَنّةً

في جِلْدِهِ ولكُلّ عِرْقٍ مَدْمَعَا

سَفَرَتْ وبَرْقَعَها الفِراقُ بصُفْرَةٍ

سَتَرَتْ مَحاجرَها ولم تَكُ بُرْقُعَا

فكأنّها والدّمْعُ يَقْطُرُ فَوْقَها

ذَهَبٌ بسِمْطَيْ لُؤلُؤٍ قد رُصّعَا

نَشَرَتْ ثَلاثَ ذَوائِبٍ من شَعْرِها

في لَيْلَةٍ فَأرَتْ لَيَاليَ أرْبَعَا

واستَقْبَلَتْ قَمَرَ السّماءِ بوَجْهِها

فأرَتْنيَ القَمَرَينِ في وقْتٍ مَعَا

الممرّ الضيق في البداية ولكنه واسع في النهاية، هذا هو الدرب الذي أراده قد يكون ضيقاً لكن يمكن المرور منه، قد يكون وعراً في البداية كحال كل البدايات لكنه مفتوح في النهاية حتى يصل الشاعر إلى برّ الأمان .

والمتنبي وصل بشعره إلى حد الكمال وحد الإعجاز، قد يسرق المتنبي كحال أي شاعر لكنه سارق بارع اقتنص الكلمة والمعنى بلحظة وأرسل القصائد في المدائن والبوادي بلسانه كأن القائل الأول للبيت والمفكر الأول في المعنى:

إذا رأيت نيوب الليث

فلا تظننّ أن الليث يبتسم

أخذ البيت من ديك الجنّ الحمصي الذي يقول :

تلق ليثاً قد قلعت شفتاه

فيرى ضاحكاً لعبس الصّيال

بالله عليكم أيهما أجمل وأوقع ومرسل كالمثل؟ الرأي رأيكم .

سأعود إلى المتنبي وأنا مرغم ومجبر ومرتاح أيضاً . . جرح كبريائه هذا المغرور الجميل ، لكن لا بأس سنضمد جراحه ليبقى منشداً طوال الدهر، يوماً بعد يوم سنكتشف الجديد عنه . . عن علو همته عن كبريائه المترفعة عن الأنا الضخمة التي فيه، عن أناه الوحيدة المحرومة من الناس . . أنا ضخمة لشاعر ضخم أرادت الكمال فتوحدت مع نفسها لأن الآخر لا يستحق . . من هو الآخر؟

الذي اضطهده وجعله وحيداً يتلذذ في عزلته ولأن هذه العزلة ستهب لنا من الكلمات والحكم ما نشاء، وحيداً يجلس مع نفسه لكنه مشغول لا يضيع الوقت في اللهو إلا نادراً وإذا أراد يوماً أن يضحك:

أصْبَحْتَ تأمُرُ بالحِجابِ لخَلْوَةٍ

هَيْهاتِ لَسْتَ على الحِجابِ بقادِرِ

مَنْ كانَ ضَوْءُ جَبينِهِ ونَوالُهُ

لم يُحْجَبَا لم يَحْتَجِبْ عن ناظِرِ

فإذا احتَجَبْتَ فأنْتَ غيرُ مُحَجبٍ

وإذا بَطَنْتَ فأنْتَ عَينُ الظّاهِرِ

هذا مزح المتنبي الجاد جداً، لا يعوّل على صديق لا يعول إلا على نفسه إذا عظم المطلوب قلّ المساعد كأنه يشجع نفسه أن الطريق طويل ووحيد وموحش، الأولى إذاً أن أصبّ طاقتي في نفسي مع كثير من المدح لتزداد الثقة وكثير من التوازن أيضاً، الطريق طويل ووعر يليق بشاعريته .

لايمكن إن يسلك المتنبي طريقاً سهلاً وإلا فسدت التجربة، وشعره شاهد، لا يمكن أن يكتب المتنبي عن الدجاجة أو العصفور لكنه يكتب عن الأسد عن الغزال الشارد عن القرود إذا أراد السخرية .

لكن الرجولة في الكلمات لا تعني أنه خال من العواطف لأن العاطفة ضعف وهو لا يريد أن يكون ضعيفاً في غابة .

يزداد الحسد يوماً بعد يوم مع نجاحاته لكنه يقويه يجعله متحداً مع نفسه أكثر .

وهو بحاجة للتشجيع والتصفيق، فليصفق لنفسه ويكل المديح لها لأن الآخر بخيل، الأولى إذاً أن يذهب إلى نفسه مباشرة لا يقف عند حد وليذهب الآخرون إلى الجحيم .