الحق أن محمداً الإنسان شيء باهر، فإذا التقى به محمد الرسول، فإن عظمته حينئذٍ تتجاوز كل حدود الثناء . هذه الكلمات البليغة جاءت على لسان خالد محمد خالد وهو أحد كبار الكتاب والمفكرين الإسلاميين في القرن العشرين .
ولد خالد محمد خالد في 15 يونيو/حزيران 1920م وتوفي في 29 فبراير/شباط 1996م . تخرج في كلية الشريعة بالأزهر، وعمل بالتدريس، ثم عيّن مستشاراً بوزارة الثقافة، ثم ترك الوظائف وتفرغ للكتابة . وقد خلّف ثروة علمية تزيد على الثلاثين كتاباً . وتميزت كتاباته بالبحث الدائب عن الحقيقة: سياسية كانت أم دينية، كما تميز برشاقة الأسلوب، والقدرة الفائقة على التعبير .
انبهر خالد محمد خالد بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء كتابه إنسانيات محمد تعبيراً عن هذا الشعور، وتصويراً لجانب من جوانب العظمة في شخصية الرسول . وهو يقول: لو لم يكن محمد رسولاً لكان انساناً في مستوى الرسول . ذلك أن محمداً الإنسان جاوز نضجه وارتقاؤه كل تخوم الذات وحدودها . إن عظمته فرضت نفسها، ونادت إليها ولاء المؤمنين، وإعجاب المعارضين .
الظلم ظلمات
استطاع محمد صلى الله عليه وسلم أن يحطم كل معالم التمايز بينه وبين الناس . وحين دخل عليه رجل غريب يرتجف من هيبته، ربت على كتفه في حنان وقال: هوّن عليك . . فإن أمي كانت تأكل القديد بمكة . ومن هنا يبدأ الفهم الصحيح لعدل محمد . . من إلغائه كل مظاهر التمايز بينه وبين الناس . فالرسول الذي اصطفاه الله واختاره، والذي هيأه تفوقه الأخلاقي والعقلي والروحي، لأن يكون أستاذ أمته ورائدها، وهيأه اصطفاء الله له، لأن يكون الإمام الذي يجل ويطاع . . محمد ومعه كل هذه الميزات، يرفض كل امتياز . . ويردد على الناس الآية الكريمة: إنما أنا بشر مثلكم .
محمد الإنسان . . ليس في طبيعته إلا الهيام الشديد بالعدل، والإيمان به كفضيلة وكضرورة . ومن أجل هذا طهّر نفسه من كل شعور بالتعالي، وتنازل في نبل عظيم، عن كل امتيازات تفوّقه العظيم .
في بعض أسفاره يتهيأ أصحابه لإعداد الطعام ويتقاسمون العمل في ما بينهم، فيقول محمد: وعليّ جمع الحطب . يقولون: يارسول الله إنا نكفيك هذا . فيجيبهم: قد علمت أنكم تكفونني إياه، ولكنني أكره أن أتميّز عليكم .
ويتصوّر محمد العدل تصوّراً فذّاً، وينزله أعلى مكان حين لايجعله فضيلة من فضائل البشر وحدهم، بل قبل هذا خلقاً من أخلاق الله . يقول الله تعالى: ياعبادي: إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا . ويذهب في التحذير منه مذهباً بليغاً فيقول: اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة .
وينتقل محمد من عدالة القول إلى عدالة الشعور . إن مجرد انطوائك على مشاعر عدوانية تجاه الآخرين يجعلك في عداد الظالمين . مشاعر الحسد وسوء الظن والشماتة والاحتقار والنميمة . يقول الحبيب المصطفى: ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه .
سمو العظماء
لقد عاش محمد صلى الله عليه وسلم حياته مع الرفيق الأعلى . . عاش مع الله . عاش مع القيم العليا التي آثرها على مناعم الدنيا وغرورها .
انظر إلى السمو في أخلاقيات رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يأمر جيشه ألا يضرب إلا من يضربه ويرفع عليه السلاح، ويقول: لاتقتلوا امرأة، ولا وليداً، ولا شيخاً، ولا تحرقوا نخيلاً ولا زرعاً . كما ينهى عن التمثيل بالأعداء وتشويه وجوههم فيقول لأصحابه: اجتنبوا الوجوه لاتضربوها . وتبدأ رحلة السمو عند محمد صلى الله عليه وسلم باجتناب الشبهات والترفع عنها، فهو يقول: الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس . فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .
وسمو محمد كان سمو العظماء بالفطرة، فلا تكلف فيه ولا صلف ولا انطواء . انه يمازح أصحابه في وقار، ويسابق زوجته عائشة إلى المسجد فيسبقها مرّة وتسبقه أخرى . ويجيئه يوماً أحد المسلمين فزعاً من هول خطيئة ارتكبها، فيقول الرسول في بساطة: هل شهدت معنا الصلاة؟ فيجيبه الرجل: نعم . فيقول الرسول: لاترع . . إن الحسنات يذهبن السيئات.