أثارت تصريحات صلاح عبد المقصود، وزير الإعلام المصري، عن التوجه لإلغاء الوزارة واستبدال مجلس قومي للإعلام بها موجة من الشد والجذب بين الخبراء والمختصين في شؤون الإعلام . وفسر البعض هذه التصريحات على أنها من قبيل الاستهلاك المحلي الهادف إلى توطيد سلطة الوزير، واستنكر استخدام الإعلام المملوك للشعب في أهداف سياسية، خاصة الدعاية للنظام تقليداً لما كانت الأنظمة التي توالت على حكم مصر قرابة ستين عاماً ماضية تفعله .
آخرون رأوا أن الاكتفاء بالإعلان عن إلغاء وزارة الإعلام لن يجدي في تطوير هذا القطاع الخدمي المصري بالغ الأهمية، وأن تأسيس مجلس أعلى للإعلام المسموع والمرئي والمقروء لا بد أن تسبقه دراسة واعية وتأهيل مكتمل للكوادر العاملة في هذا القطاع، وتهيئة مناسبة للمناخ العام المحيط بصناعة الإعلام الرسمي المصري .
يؤكد الخبير الإعلامي د . شعبان أبو اليزيد شمس، عميد كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر أن الإعلام الحكومي المصري، رغم ما يشهده من تطور وما أصبح يتمتع به من مساحة حرية لم ينلها لعقود طويلة، مايزال قابعاً خلف أسوار من أساليب الإدارة السيئة التي تحول دون قيام هذا القطاع المهم بدوره وتقديمه رسالة إعلامية مهنية وموضوعية تتواكب مع احتياجات الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير .
وعقّب على تصريحات وزير الإعلام بإلغاء الوزارة بقوله: منذ سنوات طويلة نسمع هذه التصريحات، فقد قالها رجل مبارك القوي صفوت الشريف، وقالها أنس الفقي، كل وزير تولى هذه الوزارة بعد الثورة قال إنه آخر وزير إعلام في مصر .
وشكك أبو اليزيد في إمكانية خروج هذا القرار للنور، مدللاً على رأيه بقوله: يدرك صناع القرار في مصر الآن أن الإعلام الحكومي وسيلة فاعلة في تحقيق العديد من الأهداف له، ومن الصعب أن يقدم النظام على التخلي عن الإعلام الحكومي كأداة لتوطيد حكمه بسهولة، حتى لو كان نظاماً جاء بطريقة ديمقراطية عبر صناديق الانتخاب، لكن هذا لا يعني أن يعود وضع الإعلام الحكومي كما كان قبل الثورة .
د . أحمد منصور، أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر، يرى أن التلويح بإلغاء وزارة الإعلام من حين إلى آخر أخرج فكرة تطوير الإعلام الحكومي من مضمونها واختزلها في مجرد إلغاء منصب الوزير، في الوقت الذي يمثل فيه الإعلام الحكومي المصري حالة خاصة تكاد تكون فريدة في العالم . ويقول: نحمل ميراثاً طويلاً من تطويع الإعلام الحكومي لخدمة الأنظمة امتد لعقود طويلة لا يمكن أن يمحى بقرار .
د . صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، كان له رأي مختلف عن سابقيه، فلم يعول كثيراً على إلغاء وزارة الإعلام كإجراء لضمان تفعيل دور جهاز الإعلام ونجاحه في مهمته، مؤكداً أن دولاً عديدة ألغت وزارة الإعلام لديها واستبدلت بها هيئات ومجالس إلا أن مضمون الرسالة الإعلامية المقدمة لم يتغير، واستمر تكريس سلطة الحاكم وتثبيت الحكم على حساب تلبية احتياجات الشعوب لوسائل إعلامية حقيقة تحقق لها خدمة إعلامية مميزة .
ويربط العالم بين إجراء تغيير حقيقي في المنظومة الإعلامية الحكومية وتغيير العلاقة بين النظام الحاكم والإعلام من علاقة تبعية ووسيلة للدعاية وإخفاء السلبيات وتكريس وجود قيادته في الحكم؛ إلى اعتباره إعلاماً ينشر سياساته وإنجازاته من دون إخلال بحق المختلفين مع هذه السياسات والإنجازات في التعبير عن آرائهم والأخذ بهذه الآراء عند ثبوت جدواها .
واستبعد أن تنتهي تبعية الإعلام للنظام السياسي فور إلغاء وزارة الإعلام، مؤكداً لأنه لا بد لكل حكومة من إعلام يتحدث عنها، موضحاً أن الفرق يكمن في اختلاف الحكومة نفسها وتغيير النظام السياسي في التعامل مع الإعلام ووجود آليات تضمن حرية تداول المعلومات والشفافية والوضوح في تناول القضايا ليتمكن الإعلام من القيام بدوره على أكمل وجه .
واشترط العالم في المجالس التي يقترح أن تحل محل وزارة الإعلام أن تملك درجة كبيرة من المرونة والسرعة في الأداء الإعلامي، مع تمتعها بقدر كبير من الاستقلال المالي والإداري عن الدولة وقبل هذا وذاك تغيير السياسات الإعلامية، ووضع معايير للممارسة المهنية .
مواصفات
يتفق الخبير الإعلامي، ياسر عبد العزيز، مع العالم في أن إصلاح وضع الإعلام الحكومي لا يتوقف عند إلغاء وزارة الإعلام، مؤكداً أن هناك دولاً ديمقراطية عديدة توجد بها وزارات مسؤولة عن الإعلام، ويقوم إعلامها الحكومي بدور شعبي هائل، ويقدم رسالة إعلامية رفيعة المستوى، محددة الأهداف وليس منها نفاق الحاكم أو الدعاية الزائفة للنظام، ونضرب مثلاً بالدنمارك التي يقوم فيها وزير الثقافة بإدارة منظومة الإعلام الحكومي، كذلك بريطانيا التي يقوم فيها وزير دولة بإدرة شؤون الرياضة والإعلام .
وعن آلية عمل المجلس المقترح وكيفية اختيار قيادته والأهداف العامة التي يجب أن يسعى إلى تحقيقها، أكد ياسر عبد العزيز أن الخطوة الأولى في تأسيس منظومة إدارية تقود الإعلام الحكومي وتسير أموره هي تحرير هذه المنظومة من التبعية للنظام الحاكم، والخطوة الثانية تنطلق من الوقوف على واقع ومشكلات الإعلام الرسمي الإدارية والتقنية . ويقول: بخلاف وسائل الإعلام المقروءة، لدينا في مصر 82 قناة تلفزيونية و9 شبكات إذاعية يعمل بها 40 ألف إعلامي وعامل وإداري . . ومجموع الديون المترتبة على تلك المؤسسات يزيد على 20 مليار جنيه، وفي تلك المؤسسات كفاءات مهنية كبيرة وتمتلك أسماء تجارية براقة، ولها تاريخ عريق أسهم في تشكيل وجدان الشعبين المصري والعربي، كما أنها تمتلك أصولا مادية لا يستهان بها . . كل ذلك يعني أننا بداية لا بد من الاعتراف بأنه من المستحيل تفكيك تلك المؤسسات أو خصخصتها، كما لا يمكن الإبقاء على الحالة الراهنة، وهنا تكون بداية معادلة عمل المنظومة الجديدة .
وعن تحديد مهام الهيئة الجديدة، أكد عبد العزيز أنه يجب أن تشمل إدارة وسائل الإعلام المملوكة للشعب مقروءة ومسموعة ومرئية، وأن تكون هيئة مستقلة ذات تمثيل متوازن، وتعمل على إيقاف الفساد المالي والهدر المتعمد فيها، وإعادة تأهيل الكفاءات، وإعادة توظيف الأصول توظيفاً متكاملاً وفق دراسات جدوى عملية، ووضع سياسات توظيف وإجراءات تشغيل وأدلة تحرير لانتظام عملها وإخضاع أدائها المهني والإداري للتقييم والمحاسبة .
وطالب بأن تكون هذه الهيئة مستقلة تماماً عن أي من سلطات الدولة، وتخضع لمراقبة مالية من الجهاز المركزي للمحاسبات وللمساءلة الفنية والسياسية من البرلمان، وأن يكون تشكيل مجلس إدارتها متوازناً تمثل فيه سلطات الدولة الدستورية والجماعة الإعلامية والصحفية والمجتمع المدني والفنيين وأساتذة الإعلام .