تآكل الغضاريف والفقرات
بدايات خشونة الرقبة تحدث عند الإصابة بتآكل في فقرات العنق أو الرقبة والغضاريف الموجودة بين هذه الفقرات، ثم تزيد الخشونة بشكل متدرّج مع ارتفاع نسبة الترسّبات المعدنية بين هذه الفقرات، مما يؤدي إلى حدوث ضغط كبير على الأعصاب التي تخرج من العمود الفقري، وأيضاً من الضغط على النخاع الشوكي نفسه، مما يصيب الشخص بألم حاد وصعوبة بالغة في حركة الرقبة، وفي الحالات المتفاقمة من المرض يسبب الألم حدوث تشنّجات في العضلات التي تحيط بالرقبة. والضغط على الأعصاب ينتج عنه انبعاث الألم من منطقة الكتف ويمتد إلى الذراع ثم اليد، وكثيراً ما يصاحب ذلك إحساس بتنميل وخدر في أطراف اليد، وتزيد الحالة مع مرور الزمن دون علاج أو تخفيف من هذه الأعراض لدرجة أنها تقلق المريض، وتؤرقه بشكل كبير.
وأثبتت الدراسات الحديثة وجود ترابط وثيق بين الإصابة بمرض خشونة الرقبة، وبين الاستخدام المفرط لأجهزة المحمول والتابلت والحاسب الآلي، سواء كان للتواصل الاجتماعي أو لأداء بعض المهن والأعمال، التي تتطلب الجلوس لفترات أمام هذه الأجهزة، والسبب هو وضع الجلوس الخاطئ الذي يؤدي إلى ثني الرقبة، والضغط والتحميل الزائد على فقرات وغضاريف العنق.
العمر والمهنة والعيوب الخلقية
وينتج مرض خشونة الرقبة عن عدد من الأسباب والعوامل التي تقود إلى هذه المشكلة، منها عامل التقدم في السن، وتأثير الزمن والإجهاد على فقرات العنق، وغيرها من فقرات الجسم وفقدان كمية كبيرة من داخل هذه الغضاريف. فخشونة الرقبة تعد جزءاً من فترة التقدم في العمر، ولكنها تختلف من شخص لآخر، حيث تظهر أعراضها لدى البعض ولا يظهر لها أي تأثير لدى كثيرين أيضاً، ولكن إذا صاحب وجود الخشونة حدوث انزلاق غضروفي، فسيكون الوضع مؤلماً ومرضياً، وغالباً ما تبدأ الخشونة بتآكل الغضاريف فتتحرك الفقرات من مكانها، وتضغط على الأعصاب مسبّبة الألم والتنميل في الذراع.
ومن الأسباب أيضاً التعرّض لبعض الإصابات مثل حوادث السيارات أو الضرب على الرقبة والرأس، مما يسبب تمزق العضلات والأربطة المحيطة بالفقرات. ومن العوامل الأخرى الجلوس بأوضاع خاطئة لفترات طويلة، والضغط على الرقبة في بعض المهن التي تتطلب الجلوس طويلاً، ومنها المهندسون والمحاسبون ومدخلو البيانات على أجهزة الكمبيوتر، وأصحاب الأعمال المكتبية والمدرّسين، وغيرها من الأعمال الأخرى التي تتطلب الجلوس لفترات طويلة دون تحرك منتظم للرقبة، وكذلك قيام بعض الأشخاص وخاصة السيدات بحمل أوزان ثقيلة، كما أن بعض الأجسام تزيد من فرص الإصابة بهذه المشكلة، مثل الشخص الطويل، والرقبة العريضة مع التقوّس الخلقي في الظهر، والأشخاص طويلي الظهر، وفي حالات العيوب الخلقية مثل ضيق القناة الشوكية، وجفاف غضاريف الرقبة.
التنميل والدوار
ويوجد ارتباط وثيق بين الإصابة بمرض خشونة الفقرات العنقية، وبين الإحساس بتنميل الكتف والذراع وأصابع اليد، فهي من الأعراض التي تظهر بين كثير من المصابين بهذه المشكلة، وللتخلّص من هذا الإحساس يمكن عمل بعض تمارين استطالة عضلات الرقبة والكتف، بواسطة متخصصي العلاج الطبيعي، وتقوية عضلات العمود الفقري ككل، واستخدام موجات فوق صوتية للمنطقة المحيطة بالتنميل والألم لتقليل الالتهابات، كما يمكن اللجوء إلى جهاز شد فقرات العمود الفقري، لتقليل الضغط والاحتكاك بين الفقرات والأعصاب.
أما بالنسبة لعلاقة خشونة فقرات العنق بالدوار، فهناك اتجاهان، فالكثير من الأطباء يعالج الدوار على أنه جزء من خشونة الفقرات، ولكن يوضح أصحاب الاتجاه الأول أن الدوار الذي يصيب الغالبية العظمى يكون ناتجاً عن مشاكل في الأذن الوسطى والداخلية، أو عن طريق مشكلة في الجيوب الأنفية، وأيضا من خلال طبيب المخ والأعصاب، وليس خشونة الفقرات العنقية.
أما الاتجاه الثاني فيؤكد أن الدوار ينتج عن طريق خشونة الفقرات العنقية؛ لأن هناك بعض الشرايين الهامة تنقل الدم إلى المخ عبر هذه الفقرات، وعند الضغط على هذه الشرايين فإنها تسبب الإحساس بالدوار أثناء حركات معينة للرقبة. ويحدث الدوار أيضاً عند الحركات المفاجئة للرقبة مثل التوقف السريع بفرملة السيارات، وهنا يجب أن يكون الدوار مرتبطاً بحركة الرقبة حتى يمكن التأكد أنه ناجم عن خشونة الفقرات العنقية.
نوبات من الألم
تظهر بعض الأعراض نتيجة الإصابة بمرض خشونة الرقبة، ولكن لدى كثير من الأشخاص لا تصدر عن الخشونة أية أعراض وتسمى هذه الخشونة الحميدة. أما الأعراض التي تظهر لدى المصابين بهذه الحالة، فمنها الإحساس بنوبات من الألم البسيط أو الحاد في الرقبة، حسب درجة الخشونة، وتشتد هذه الأوجاع عند تحريك الرقبة وبذل مجهود في القراءة والكتابة، وأثناء ثني الرقبة في الجلوس على أجهزة الكمبيوتر أو المحمول. ويمتد الألم إلى الكتف والذراع واليد، وأيضاً الإصابة بصداع مستمر في مؤخرة الرأس، وتشنّجات وتقلّصات في عضلات الرقبة ولوح الكتف، والتنميل في الذراع وأصابع اليد نتيجة الضغط على الأعصاب، وأحياناً فقدان حالة التوازن وضعف في عضلة الرقبة، مع صعوبة في حركة الرأس بسبب الألم المتزايد مع الحركة، وفي بعض الأحيان يمكن أن يفقد الشخص القدرة على التحكم بالمثانة عند تفاقم الحالة.
نوبات من الألم
ويقدم الأطباء بعض الطرق للوقاية من مشكلة خشونة الرقبة، ومنها الحفاظ على الوضع السليم للرقبة في كل الأوضاع، سواء جالساً أو واقفاً، ثم عمل استراحة منتظمة كل ساعة مثلاً عند الجلوس لفترة طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر والتلفزيون، لمنع ثبات الرقبة على وضع واحد لمدة طويلة، وعمل تمارين رياضية لتقوية عضلات الرقبة والكتف، مع تجنّب بذل المجهود العضلي الضخم أثناء الإحساس بألم في العنق، وضرورة ارتداء حزام الأمان أثناء قيادة السيارة، لعدم الوقوف المفاجئ المضر بفقرات العنق، وتجنب حمل الأشياء الثقيلة على الرأس، والبعد عن الأنشطة المؤثرة سلباً على الرقبة، وتجنّب النوم على البطن.
أما طرق العلاج المتّبعة فتكون عن طريق جلسات العلاج الطبيعي المهم لهذه الحالة، والتي تأتي بنتائج كبيرة، مع استخدام الوسائد الطبية أثناء النوم، وتمرينات تقوية واستطالة عضلات الرقبة. أما الأدوية فتتمثل في المسكّنات ومضادات الالتهابات، وأدوية استرخاء العضلات، والكورتيزون في الحالات الشديدة، والاستعانة بالكمادات والمراهم المتنوّعة. ويمكن اللجوء إلى التدخل الجراحي في حالة عدم الاستجابة للعلاج الطبيعي والدوائي، لتخفيف الضغط على الأعصاب وتثبيت الفقرات المصابة بالخشونة.
تزايد مستمر
تشير الدراسات الحديثة إلى أن مرض خشونة الرقبة في تزايد مستمر، حيث أجريت فحوص لـ 100 شخص ممن يبلغون عمر 43 عاماً، وتم عمل أشعة الرنين المغناطيسي على الرقبة، وتبين من النتائج إصابة عدد كبير من هؤلاء بمشكلة خشونة الرقبة بدرجات متفاوتة، وبعضهم لا تظهر عليه أي أعراض ولكنه مصاب بدرجة من الخشونة في فقرات العنق، ووصلت نسبة الإصابة بهذا المرض إلى 87% بين الرجال الذين أجريت عليهم الأشعة ووصلت إلى 72% بين النساء، مما يدل على أن نسب إصابة الرجال بهذه المشكلة أكثر من عدد النساء، كما لوحظ أن الأشخاص الأكبر في السن تزيد أيضاً لديهم حالات الإصابة بمشكلة خشونة الرقبة، وبسؤال الكثير من المصابين عن فترات المكوث أمام أجهزة الكمبيوتر والتابلت والمحمول، كانت النتيجة تتراوح ما بين 3 ساعات كحد أدنى و6 ساعات، وبعضهم كان يمضي أكثر من ذلك، وغالبيتهم كانوا يشعرون ببعض الألم ما بين الطفيف إلى الحاد على امتداد الذراع، ولا يعرفون السبب الحقيقي لهذه الأعراض.