إن حاجة الناس تدعو إلى الشهادة، فالمنازعات والخصومات تكثر بين الناس، كلما فسد المجتمع، فتتعذّر عليهم إقامة الحجة المؤيّدة لحقوقهم في كل خصومة. كما أن فساد أهل الزمان يقود إلى إنكار المدعى عليه لحقوق الآخرين وعدم الإقرار بها، فوجب حينئذ اللجوء إلى الشهادة كطريق من طرق الإثبات في القضاء. فتأتي الشهادة، في محاولة لإثبات الحقوق وصيانتها من الضياع، وتمكيناً للقضاء من توقيع العقوبة على مَنْ يستحقها.
تمر الشهادة بمرحلتيْن متعاقبتيْن، وهما:
1 مرحلة التحمل: هي المرحلة التي يتلقى فيها الشاهد شهادته، ويحصل العلم بها، وبمعنى أوضح: إذا كان الشخص حاضراً في مجلس العقد أو حصلت أمامه منازعات وخصومات فإنه يكون قد تحمّل الشهادة بقصد أو بغير قصد.
2 مرحلة الأداء: هي المرحلة التي يؤدي فيها الشاهد شهادته أمام القاضي، وتكون هذه المرحلة متأخرة عن المرحلة الأولى في التنفيذ، ولكن ليس بالضرورة لمن تحمل الشهادة أن يؤدي شهادته أمام القاضي. وهذا يعتمد على حاجة الدعوى إلى شهادته في المحكمة أم لا. ويترتب على وجود مرحلتيْن متتاليتيْن للشهادة أنه لا يجوز شرعاً للشاهد أن يشهد أمام القاضي في موضوع لم يتحمله من قبل أي لم يكن حاضراً حين إجراء العقد أو حين وقوع الخصومة. فتحرم عملية تلقين الشاهد من أحد المتنازعيْن، كما يحصل في كثير من الأحيان في هذه الأيام، لأن الشاهد حينئذ يكون كالببغاء ويشهد بما لا علم له به من قبل. وبالتالي فإنه يكون قد وقع في الإثم، لا بل وقع في شهادة الزور التي تُعدّ من أكبر الكبائر. فيتوجب على الشاهد أن يكون حريصاً دقيقاً في أداء شهادته، ولا يجوز له شرعاً أن يستهين بها فالشهادة أمانة ثقيلة ولها خطورتها. كما لا يجوز للشخص أن يتحمل الشهادة بالتلقين، ولا أن يقبل على نفسه أن يكون عُرضةً للإحراج والمخاجلة من قبل أقربائه وأصدقائه ليشهد معهم زوراً وبهتاناً. ورسولنا الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. (أخرجه مسلم عن الصحابي الجليل أبي بكْرة رضي الله عنه). لأن الأصل في المسلم ألا يشهد إلا بما علم، ولا يجوز شرعاً أن يقع تحت تأثير أو ضغط لأداء الشهادة. فإن المسلم الصادق يعتذر عن أداء الشهادة في أي موضوع لم يسبق له أن تحمّل الشهادة فيه من قبل. ويتوجب عليه أيضاً أن يكون صادقاً جريئاً صريحاً واضحاً في مواجهة الموقف فإن الذي يورّط الآخرين في الشهادة يكون كالشيطان الذي يتخلى عنهم في الدنيا والآخرة. فالمواقف الإيمانية للمسلم تُحبط محاولات التزييف والتلقين في الشهادة. لأن التزييف والتلقين يؤديان إلى تضليل القاضي فيحكم بخلاف الحقيقة.
كتمان الشهادة
وعلى العكس من ذلك فإن الذي يتحمّل الشهادة ينبغي عليه أن يؤديها إذا طلبت المحكمة منه ذلك، ولا يجوز له شرعاً كتمان الشهادة أو الامتناع عن أدائها. وقد حذّر القرآن الكريم من الامتناع عن أداء الشهادة بقوله عز وجل ... ولا يأبَ الشهداء إذا ما دعوا. (البقرة: 282) أو كتمان الشهادة فيقول سبحانه وتعالى ... ولا تكتموا الشهادة ومَنْ يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم. (البقرة: 283) وقال الفقهاء: إذا تعينت الشهادة على شخص بعينه فيصبح أداؤها فرض عين بحقه. أما إن تعدد الذين تحملوا الشهادة فيصبح أداؤها فرضاً على الكفاية، إذا أداها بعضهم تسقط عن الآخرين. وذلك حتى لا يضيع الحق بكتمان الشهادة.
تحليف اليمين
نظراً لانتشار الفساد بين الناس ولضعف الوازع الديني لديهم فإن جمهور الفقهاء قد أجازوا للقاضي تحليف الشاهد قبل أدائه الشهادة، وذلك حتى يطمئن الحاكم/ القاضي وأطراف الدعوى إلى صدق الشاهد وليزدادوا ثقةً بشهادته. وهذا ما عليه المحاكم في بلادنا وفي سائر البلاد العربية، وبهذا أفتي. وسبق أن أشارت مجلة الأحكام العدلية إلى ذلك. ولا بد من الإشارة إلى أن للقاضي الصلاحية في ردّ شهادة مَنْ يُطعن في سلوكه أو يثبت تناقض في أقواله.
وإن الشاهد إذا كان غير صادق في شهادته فإنه يقع في إثميْن اثنيْن، هما:
1 الإثم لحلفه اليمين بأن يكون صادقاً، وهو في الواقع خلاف ذلك.
2 الإثم الآخر لأنه كذب في شهادته مما يؤدّي إلى تضليل القاضي، وقلب الحقائق وإلى ضياع حقوق الآخرين.
بقي أن نقول: ينبغي على المسلمين أن يتقوا الله عز وجل في معاملاتهم وفي علاقاتهم مع بعضهم بعضاً: وذلك حين يتحمّلون الشهادة، وحين يؤدونها أمام القاضي. وينبغي عليهم أن يتجنبوا شهادة الزور التي هي من الكبائر.