لطالما كنت مقتنعاً ولا أزال بأن نثر الشعراء هو المحك التوأم لشاعرياتهم المتفاوتة في علوها . ذلك أن النثر بما أوتي من حرية التجول في اللغة، يستطيع أن يفكك القصيدة ويعيدها إلى المادة الخام للكتابة، بعيداً عن جلجلة الأوزان ورتابة القوافي وأوزار التراكيب المحكمة . إنه اللغة الخام محمولة من القواميس والمعاجم، ومن دون وساطة المهارات الزائدة، إلى الورقة البيضاء .

هنا تظهر الشاعرية في مادتها الطازجة، كما في قدرتها الاستثنائية على التماهي مع القلب في حاجته الماسة إلى بوحه التلقائي .

لذلك لا نكاد نجد عند الشعراء الكبار فارقاً يذكر بين شعرهم ونثرهم، كما هو الحال عند نزار قباني وأدونيس ومحمد الماغوط ومحمود درويش، وعدد غير قليل من شعراء الأجيال اللاحقة .

يستطيع الشعراء بهذا المعنى أن يكونوا روائيين كباراً لولا أنهم ممسوسون بلعنة الشعر التي تفترض قدراً من التبتل لا يسمح به انفصامهم المفترض بين فني الشعر والرواية . صحيح أن حضور الشعر في الرواية يختلف عن حضوره في نفسه، وأن الرواية تتطلب توارياً للأنا الفردية خلف أنوات الآخرين، ولكن شغف الشعراء باللغة وقدرتهم الهائلة على تطويعها يتيحان للسرد أن ينفتح كالزهور في تراب مبلل بالنداوة والافتتان وليونة التعبير . ولأن الصبر ليس في الأغلب من سمات هؤلاء الهائمين في أودية التخييل، فقد اقتصرت إسهاماتهم النثرية، عدا القلة منهم، على كتابة المقالات والانطباعات العابرة والسير الذاتية . وقد ترك لنا بعضهم مذكرات وسيراً روائية غاية في الفرادة، كما فعل بابلو نيرودا في مذكراته المنشورة تحت عنوان أشهد أنني قد عشت، على سبيل المثال لا الحصر .

ثمة فن نثري آخر تصدى له الشعراء بتفاوت واضح في البراعة، هو فن الرسائل . ولا أعني هنا الرسائل بالمعنى العربي القديم الذي يجعلها موازية للكتب العادية، كما هو شأن رسائل ابن المقفع أو الجاحظ أو أبي العلاء المعري أو ابن حزم الأندلسي، بل الرسائل العادية التي يتبادلها الشعراء فيما بينهم أو يبعثون بها إلى أقارب أو أصدقاء متنوعي المشارب، واعتقد في هذا السياق أن الرسائل المتبادلة بين الشاعرين الفلسطينيين محمود درويش وسميح القاسم، والتي صدرت في كتاب مستقل قبل عقدين، هي الشاهد الأمثل على مزاوجة الشعراء الناجحة بين الشعر والنثر، بما يجعل من أحدهما مرآة الآخر أو رديفه الطبيعي، إلا أن ما يميز تلك الرسائل عن مثيلاتها الأخريات هو أنها لم تأت عفو الخاطر أو بناء على الحاح داخلي صرف، بل خرجت من تصميم الشاعرين المسبق على تبادل نصوص أدبية وجدانية معدة للنشر الدوري في إحدى الصحف العربية .

هكذا تبادل الشاعران على امتداد سنوات ثلاث من الزمن كل ما يخطر على باليهما من المشاعر والأفكار والهواجس المشتركة . ولأن كلاً منهما ينتمي إلى فلسطين، ويحمل وزر التراب ذاته، فإن المسافة بين الأنا والجماعة، بين الجسد وطينه الأصلي، بين الكتابة واسترداد الهوية، بدت ضيقة إلى أبعد الحدود، وبدا الحوار بينهما حواراً في الوقت نفسه بين الإقامة المهددة والمنفى المهدد، بين الوطن المعتقل والوطن المتاهة . ففي رسالته الأولى إلى سميح يصرخ محمود من أعمق أحشائه أريد أي مكان في مكان المكان لأعود إلى ذاتي، لأضع الورق على خشب أصلب، لأكتب رسالة أطول، لأعلق لوحة على جدار لي، لأرتب ملابسي، لأعطيك عنواني، لأربي نبتة منزلية، لأزرع حوضاً من النعناع ولأنتظر المطر الأول . وإذ يوصي درويش المشتت في المنافي صديقه المقيم في منفى الداخل أن يوصل سلامه إلى قريته البروة، يجيب سميح بالحرقة ذاتها دعني أصارحك بأنني منذ فراقنا، وربما منذ تعارفنا، وأنا أهرب من أنقاض البروة، زيتونها، خروبها، صبارها . وحين أمر بها أحاول إشغال نفسي متلبساً بالنظر صوبها، فإن عقرباً صفراء هائلة تلسعني في القلب مباشرة وبلا رحمة، وتنغص علي رحلتي . لا تغبطني على إقامتي . . جحيم هنا وجحيم هناك .

سيلحظ القارئ من دون شك الفروق الواضحة التي تفصل بين نثر محمود درويش المغسول بمياه الدهشة والمحمول على أجنحة الاستعارات، وبين نثر سميح القاسم الذي يظل على نداوته أقرب إلى السرد الواقعي والتفاصيل اليومية والترجيح الاستعادي . وإذا كنت لا أقصد هنا المفاضلة بل التوصيف فإن الكتاب، الذي فاتتني قراءته في وقت سبق، هو أحد أكثر كتب الرسائل غنى والتصاقاً بالقلب، وتعبيراً عن التمزق الإنساني .