الثقافة بمعنى من معانيها . . حالة جدل تنم عن معرفة تؤدي إلى الولوج نحو آفاق من الإبداع والجمال، وهي حالة انطلاق مستمر لا تركن إلى قيد أو حدود، توق متجدد إلى فضاء ممتد، كلما اقتربت منه أفضى لفضاء وحلم آخر .
إن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة توج العمل الثقافي في الشارقة بخلاصة المنتج في كتاب حصاد السنين 2011 الذي يوثق نشاط الشارقة الثقافي خلال ثلاثة عقود، ويقف فيه سموه عند المفاصل الأساسية التي شكلت المشهد الثقافي، والرؤية التي احتكم إليها في تدعيم هذا المشهد وتأصيل مرئياته نحو فضاء إبداعي مستدام قابل للتطوير والالتقاء والارتقاء .
كانت الشارقة ومازالت مركزاً للنشاط الثقافي المحلي والعربي، وفيها بدأت أول التكوينات الثقافية الإماراتية الاتحادية مثل: اتحاد الكتاب، وجمعية التشكيليين والمسرحيين، وجمعية الناشرين الإماراتين، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، ومعرض كتاب الطفل، والملتقيات الفكرية والأدبية في بيوت الخطاطين، ورواق الشارقة للفنون، والمهرجانات المسرحية والورش التدريبية، وبنك النصوص المسرحية، ومشروع ثقافة بلا حدود الريادي على مستوى الوطن العربي، وغيرها .
شهدت حركة التنمية الحضارية والتعليمية والثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة إنجازات كبيرة يلمسها كل متابع للتطورات الحاصلة على جميع الصعد، ونخص بها الجانب الفكري والأدبي، وهذه الحركة مهّدت البيئة الحاضنة للعديد من المواهب الإبداعية في مختلف المجالات الأدبية حيث وجدوا المناخات الملائمة للإبداع والتميز والفرص الحقيقية للنشر والتواصل .
وقد برز الجانب الثقافي بشكل ملحوظ في الدولة، إذ بات يشكل اليوم واحدة من أهم وأقوى الركائز النهضوية، فالثقافة ضمن رؤية صاحب السمو حاكم الشارقة هي السبيل للارتقاء بفكر الفرد وسويته في التواصل والتقارب مع الآخر .
إن قيام دولة الاتحاد وتأسيس الدولة الحديثة قد فتحا أمام المرأة بشكل خاص مجالات لم تكن متاحة لها من قبل، مثل التعليم والعمل، فإن ذلك لا يعني انعدام مكانة المرأة أو عدم فاعليتها في مجتمع ما قبل الاتحاد، حيث شكلت مسيرة المرأة الإماراتية ونهضتها جزءاً لا يتجزأ من مسيرة الوطن، وتطور وضع المرأة وبروزه في المجتمع يعكس بشكل أو بآخر كل تطور حوله، حيث يرتبط ارتباطاً عضوياً بتطور المجتمع، وقد كانت مشاركة المرأة وتفعيل دورها في المجتمع مؤشراً دالاً على رقي المجتمع ونهضته، منذ تأسيس الاتحاد النسائي في عام ،1975 إن هذا الشكل التنظيمي لإطار العمل في تلك الفترة دليل على تبلور فكرة العطاء بمنهجية يراد لها التراكم المنتج والمؤثر في المجتمع ايجابياً . (جاء تقرير الأمم المتحدة الانمائي حول التنمية البشرية 1995 الذي أكد أن أعلى نسبة لتحسين تعليم المرأة العربية خلال الفترة من عام 1970 حتى 1990 كانت في دولة الإمارات العربية المتحدة وبلغت 68%
ارتكزت مكانة المرأة ودورها على طبيعة وخصائص المجتمع، وحسب قانون التسييق، فالمرأة الإماراتية تؤصل فعلها من مكنونات الفعل المرتبط بالواقع الإماراتي في سياق البحث عن الذات والطموح، تكيفاً مع واقعها وتمثلاته في الحاضر والمستقبل المأمول .
المجتمع الإماراتي التقليدي محكوم بالعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، فقد اتسم وضع المرأة بالطابع التقليدي ذاته، حيث لم تنل القدر الكافي من التعليم، وكانت تمارس معظم أدوارها زوجةً وأماً وربة منزل، وذلك في إطار من الثقافة التقليدية التي تُعلي من شأن الرجل، وتؤكد أشكالاً بعينها من التمايز بينه وبين المرأة . لكن قيام الاتحاد وتأسيس الدولة الحديثة فتحا آفاقاً واسعة أمام المرأة، وأعادا تشكيل دورها ووضعاها في المجتمع على أساس مغاير يجبّ ما قبله .
هذا الدور الذي حددته طبيعة المكان والزمان وظروفه لم تقف أمام عطاء المرأة الذي انزاح نحو فضاءات العمل الحقيقي في الأرض وانتظار حصادها والبحر وانتظار عودة غاصته، والارتحال صيفاً وشتاءً بحثاً عن مأوى يؤانس فكرة الارتحال، ويرتب الأولويات في الذات لإبداع شاعري أدبي كان مسكوتاً عنه إلا في بيئات مغلقة ومنغلقة على خصوصيتها .
وللتعليم دوره المحوري في الارتقاء بوعي المرأة، وفي تحديث أدوارها، وتغيرها من الطابع التقليدي إلى الطابع الحديث، حيث مكنها التعليم من تكوين القدرات المعرفية والثقافية اللازمة للتفاعل مع متغيرات عصر المعرفة والمعلومات، والمنافسة عن جدارة في سوق العمل .
وتعكس الشواهد الإحصائية المتاحة كيف نجحت المرأة الإماراتية في تكوين رأس المال المعرفي عبر التحاقها بمراحل التعليم المختلفة، حيث ارتفع معدل التحاق الإناث بالتعليم الثانوي من 49 في المئة عام 1980 إلى 96 في المئة عام ،2009 كما ارتفع معدل التحاق الإناث بالتعليم الجامعي من 5 في المئة عام 1980 إلى 37 في المئة عام 2005 (تقرير المعرفة العربي لعام 2009) .
لقد كان للتعليم من ثم الدور المحوري في الارتقاء بالقدرات المعرفية والثقافية للمرأة وتكوين رأس المال المعرفي، الذي مكنها من المنافسة داخل سوق العمل، على تنوع مجالاته، كما مكّنها من تولي كل المناصب القيادية والإدارية والتنفيذية والقضائية، وأصبحت عضواً في المجلس الوطني الاتحادي، ووزيرة .
وخرجت المرأة إلى المجتمع الأوسع، بعدما كانت تمارس معظم أدوارها، في المجتمع التقليدي، داخل المنزل، واكتسبت المرأة، بخروجها للعمل، مزيداً من القدرات المعرفية التي صقلت خبراتها الحياتية ومكنتها من الحضور في مختلف مواقع العمل .
كان من ثمار ذلك أن أسهمت المرأة الإماراتية إسهاماً فاعلاً في الحراك الثقافي والفكري داخل المجتمع، سواء من خلال الإبداع الأدبي، طريق الصالونات الأدبية، والكتابات الصحفية، ودورها المؤثر داخل مؤسسات التعليم المختلفة، فضلاً عن دورها المؤثر في منظمات المجتمع المدني . ويضيق المقام هنا عن ذكر المجالات التفصيلية التي شهدت وجوداً فاعلاً للمرأة، لكن لكل تجربة نجاح جانبها الآخر، معدل التحاق المرأة في سوق العمل، حيث تدل الإحصاءات المتاحة على أن نسبة القوى العاملة من النساء لا تتجاوز 2 .38 في المئة، وهي تعادل 42 في المئة من معدل الذكور . (تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام ،2009 جدول ،28 ص 262)، تبلغ نسبة الإناث في القوى العاملة في أبوظبي حوالي 88 .15 في المئة (الكتاب الإحصائي السنوي لإمارة أبوظبي ،2010 ص 177) .
في عقد التسعينات ارتفع عدد المؤسسات الثقافية، وزادت حركة النشر والتأليف في الإمارات التي استضافت كوكبة من المبدعين والمنشطين الثقافيين في كل المجالات (المسرح،الفنون، الشعر، الرواية، السينما)، كما زار البلد في الثمانينات مئات الكتّاب العرب الذين تركوا بصمتهم وتأثيرهم في الفكر الإماراتي من خلال التفاعل الذي تم في سياق الحوار الثقافي، وساندوا عطاءاته من خلال خبراتهم وتراكمها في محيطهم بحيث تشكّلت الرؤى لدى المبدع الإماراتي بانفتاح على العربي والعالمي، مشكلة نتاجاً رصيناً منفتحاً، قادراً على التقارب والتحاور مع مختلف الأطياف الفكرية، ثم بدأ الكتّاب الإماراتيون في عقد التسعينات بنشر نتاجاتهم الشعرية على وجه الخصوص في بعض المراكز الثقافية العربية المعروفة مثل بيروت والقاهرة ودمشق .
وشهدت المؤسسات الثقافية انفتاحاً على الثقافات الأخرى في صيغة التقارب الفكري والثقافي برعاية ودعم صاحب السمو حاكم الشارقة التي كان لها بالغ الأثر في ترجمة العديد من الإبداعات الشعرية والأدبية بلغات عدة (فرنسية وألمانية، وإنجليزية، وروسية، وباكستانية) وشهدت المؤسسات الثقافية والعمل الثقافي في الإمارات آليات عمل جديدة وحديثة متصلة بالآليات الحديثة في العالم سواءً من حيث التنظيم أو من حيث الإعداد والإنتاج، وكان للمرأة دورها أيضاً في المجال الإداري والتنظيمي والإبداعي ونتاجاته على حد السواء مع الرجل .
على مستوى الرواية تعتبر شاهندة للكاتب راشد عبدالله النعيمي وزير خارجية الإمارات الأسبق هي البداية، في حين مثلت ثمانينات القرن الماضي بالنسبة إلى الروائي علي أبو الريش سنوات الذهب الإبداعي، إلا أن هناك أسماء عدة لنساء إماراتيات رائدات في هذه الفترة نشرن بأسماء مستعارة وبعضهن بأسمائهن في الشعر والقصص .
على مستوى الفن التشكيلي، كانت الحاضنة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ومثلت التجارب التشكيلية الإماراتية جذورها الممتدة بين عقدي السبعينات والثمانينات، وكانت بعض تلك التجارب تركز على البيئة المحلية (البحر، النخلة، السفينة والبحار واللؤلؤة)، لكن هذه التجارب تحولت تحولاً فارقاً في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، حيث أرسى بينالي الشارقة الدولي للفنون عتبات جديدة في الفنون المعاصرة (المرئي والمسموع)، حتى فنون ما بعد الحداثة، وتظاهرات فنون الخط إلى جانب تفاعلات وتقاربات إبداعية تشكيلية، ومن المنصف هنا أن نشير إلى البرنامج الثقافي الفني الذي حرصت عليه دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، ذلك البرنامج الذي نقل لوحة الفنان الإماراتي إلى العالمية، وأكثر من ذلك، هناك مقيمون إماراتيون على مستوى عالمي مثل محمد كاظم، وهناك اليوم لوحة عالمية تشكيلية وخطية وحروفية مثل ما يبدعه عبدالقادر الريس وخالد الجلاف، وماجدة سليم التي مثلت الإمارات في فن الخط داخل وخارج الدولة في أكثر من تظاهرة شهدت إقبالاً والتفافاً حقيقياً حول المبدع الإماراتي .
في الإمارات اليوم نحو 300 مسرحي (مبدع ممثل مخرج مهندس صوت وضوء)، وقد وصلت صورة المسرح الإماراتي إلى باريس والصين ورومانيا وإنجلترا إضافة إلى بلدان عربية عدة، وانضمت الهيئة العربية للمسرح إلى كبريات الهيئات العالمية المسرحية، وأخذت المهرجانات المسرحية العربية تتوج صورة المسرح الإماراتي وتستضيفه شرفياً مثل مهرجان أصيلة، ومثلت المرأة بجدارة دورها في المسرح الإماراتي (موزة المزروعي، رزيقة طارش، بدرية أحمد، سميرة أحمد . . وغيرهن) .
لابد من الإشارة إلى أهمية الكتب المترجمة، وأهمية معارض الكتب العربية في هذا الحراك ودورها في تعزيز مكانة المرأة، إضافة إلى نادي الكتاب ونادي القصة وبيت الشعر في الشارقة ومركز الشارقة للشعر العربي ومراكز الفنون وبيوت الخطاطين وجميع البنى التحتية التي تعمل كرافعة وحاضنة للفعل الثقافي في عاصمة الثقافة العربية الشارقة .
وشهد حفل التوقيعات في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الثلاثين التي انتهت قبل أسابيع، 7 إصدارات حديثة لكاتبات من الإمارات (قصة وشعر وكتاب طفل) .