برحيل د. عبدالعظيم أنيس (1923-2009) ترحل قيمة علمية وإنسانية أثرت حياتنا في مجالات العلم والثقافة والأدب والنضال الوطني، فهو أحد العلماء البارزين، الذين تركوا بصمات واضحة في المجالات الأكاديمية والفكرية والثقافية بجانب المجالات العامة، وعلى مختلف المستويات المحلية والعربية والدولية، فهو أحد الرواد الأوائل لعلم الإحصاء في مصر والعالم العربي، ويعد أحد القلائل المتخصصين على مستوى العالم في نظم تخزين المياه ودراسة سعة الخزانات التي تقام على مجاري المياه والأنهار.
عرفت الساحة الأدبية العربية د. أنيس، حين صدر كتابه المشترك مع الراحل محمود أمين العالم، وكان عنوانه في الثقافة المصرية وذلك عام ،1955 وهو الكتاب الذي وضع اسمه بين نقاد الأدب، حيث وصفه الناقد اللبناني محمد دكروب، بأنه لم يكن يصنع سورا صينيا بين تكوينه العلمي وتكوينه الثقافي الأدبي السياسي فكان يحرص، وهو العالم، أن يستزيد في ثقافته الأدبية الفنية الفلسفية الموسيقية، ويختزن الخبرات في نشاطه السياسي العلمي الكفاحي، مع ضرورات الوصول إلى الطرف الآخر، الناس، وقد أفادته الكتابة الأدبية كثيرا في مجاله العلمي.
وتعود قصة كتاب في الثقافة المصرية إلى أن د. طه حسين كتب مقالا في جريدة الجمهورية عن الأدب باعتباره ألفاظا ومعاني، فقام أنيس والعالم بكتابة بيان أدبي ردا على أطروحة د. طه حسين مؤكدين أن الأدب ليس ألفاظا ومعاني وأنه صياغة ومضمون، وكان طه حسين قد قدم في مقاله المعنون صورة الأدب ومادته النظرة النقدية التقليدية في الأدب وتقوم على أن اللغة هي صورة الأدب وأن المعاني هي مادته، وأضاف إلى هذين العنصرين عنصرا ثالثا سماه الجمال من غير أن يوضح نظرته إليه، وتمنى طه حسين في نهاية مقاله من الأدباء الشبان أن يوضحوا رأيهم ونظرتهم النقدية في الأدب.
واتفق أنيس والعالم على أن يردا عبر مقال مطول نشر في جريدة المصري يكشف عن وجهة نظرهما مع ضرب أمثلة من الأدب الأوروبي والمصري، وجاء رد طه حسين في مقال نشرته الجمهورية بعنوان يوناني فلا يقرأ قال فيه إنه لم يفهم شيئا مما كتبه العالم وأنيس وأن ما كتباه لا يخرج عن كونه كلاما يونانيا كما يقول الأوروبيون، ثم سألهما عن رأيهما في أدب الطبيعة ودلالته الاجتماعية.
وتدخل العقاد في المعركة عبر مقال نشره في أخبار اليوم عنوانه إلى أدعياء التجديد.. اقرأوا ما تنتقدونه وفي مقال مملوء بالغمز واللمز نشر العالم وأنيس مقالا بعنوان عبقرية العقاد ومن خلاصة هذه المعركة تجمعت عدة مقالات، نشرت في بيروت، عندما ذهب إليها أنيس، بعد طرده من الجامعة المصرية، ضمن مجموعة كبيرة، وكتب مقدمة الكتاب الذي صدر عام 1955 حسين مروة.
كيف كان عبدالعظيم أنيس؟ هذا السؤال يجيب عنه الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي قائلا: كان عبدالعظيم أنيس منفيا داخل صفاته وخصاله، دون أن يغادر مكانه، في هذا الزمن الذي أصبح فيه الشرق الثقافي منفى، لم أسمعه مرة واحدة يقارن حظوظه بحظوظ الآخرين، زهده أصيل، وتواضعه ليس بضاعة اجتماعية، بل إن زهده وتواضعه كانا هما الحائط الاستنادي الداعم لخياراته باستمرار، ولولاهما لما حافظ على تماسكه النظيف طوال الحقب التي عاشها.
ولا يخفي المستشار طارق البشري تأثره بكتاب في الثقافة المصرية في مطلع الشباب، بل إن هذا الكتاب ساعده على إعادة صياغة نظرته إلى ما يقرأ من أدب وشعر ورواية وقصة ومسرح، لقد وضع هذا الكتاب يده على كيفية الكشف عن الموقف السياسي الاجتماعي والثقافي للعمل الأدبي والفني من خلال شخوص هذا العمل وأحداثه وصوره وعباراته.
ويذكر البشري موقف د. أنيس عندما وقع العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر ،1956 كان آنذاك في لندن أستاذا مرموقا في الجامعة، ولما وقع العدوان قاد مظاهرة في ميدان الطرف الأغر وخطب فيها، منددا بالعدوان وترك عمله هناك وعاد إلى القاهرة، رغم ما قد يلقاه من صعاب، باعتباره من الأصوات المعارضة للحكم آنذاك.
ويصف د. جلال أمين الراحل الكريم بأنه كان حادا صارما في أحكامه الأخلاقية، ينفر من أنصاف الحلول، ولا يغض البصر عن الخطأ، لمجرد اقترانه ببعض الصواب، ومع ذلك كان دائما يكتب بأدب وبلا انفعال وبأسلوب لا يعرف الخطابة أو المبالغات، وإنما يأتي تأثير كتاباته من عمق التحليل وسلاسة أسلوبه، لا من نبرتها العالية. ويوضح د. محمود عبدالفضيل أستاذ الاقتصاد أن أنيس كان رمزا شامخا للمثقف العضوي بالمعنى الذي قصده جرامشي، المفكر الإيطالي الكبير، حيث التحم د. أنيس طوال حياته مع قضايا شعبه ووطنه، معلما للطلاب في مدرجات كلية العلوم، وصحافيا يتابع معركة الأمة في أوج مراحل التحرر الوطني، وكاتبا شاملا، لم يترك قضية وطنية سياسية أو اجتماعية إلا أدلى بدلوه فيها فكان نموذجا رائعا للمثقف العضوي الشامل.