الدكتور عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر وعضو مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا، فقيه أزهري لا يعرف إلا وسطية الإسلام واعتداله، حيث تشرب منهج الوسطية من الأزهر الشريف وكلية الشريعة الإسلامية التي تربى فيها على أيدي علماء وفقهاء لهم وزنهم العلمي .
والدكتور إدريس شارك في مئات المؤتمرات والندوات وله أكثر من 52 كتاباً و300 بحث . وله مؤلفات متعددة منها أحكام العواطف في الإسلام، وحكم الغناء والمعازف، والتداوي بالمحرمات، وتشريح الجسم البشري، والإجهاض من منظور إسلامي، وقضايا طبية من منظور إسلامي، وأحكام الحج والعمرة، والغيبوبة الدماغية جدل بين الأطباء والفقهاء، إلى غير ذلك من الكتب التي طبعت ونشرت في مكتبات العالم الإسلامي .
التقينا الدكتور إدريس في حوار صريح تناول العديد من القضايا التي تموج بها الساحة الإسلامية إضافة إلى آرائه حول المشكلات التي تعانيها الأسرة المسلمة .
يتهم البعض الشريعة بأنها قاصرة وتحتوي على الكثير من القيود ولا يمكنها مسايرة العصر الحديث، فما ردك على أصحاب هذه الاتهامات؟
هذه اتهامات عشوائية مرفوضة، فالقول إن الشريعة الإسلامية قاصرة مقولة خاطئة 100%، وذلك لأن هذه الشريعة حوت تشريعات وآداباً وأخلاقاً وسلوكاً وأحكاماً تنظم العلاقات بين الناس بعضهم بعضاً وبين هؤلاء الناس وخالقهم وبينهم وبين من لا يدينون بدينهم، ولهذا فإن التشريع الإسلامي يحمل في طياته عوامل مرونته وتطوره وقابليته للتطبيق في كل زمان ومكان، ولأجل هذا قال الحق سبحانه وتعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء، وصيغة العموم في هذه الآية دليل على أن هذا الكتاب حوى كل ما يتعلق بأمور البشر في حياتهم وبعد مماتهم أيضاً، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، فمعنى هذا أن الشريعة بشقيها الكتاب والسنة إذا تمسك الناس بهما في جميع مناحي حياتهم فإنهم لن يضلوا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي .
احترام متبادل
تعددت القضايا المثيرة للجدل واختلف حولها العلماء، فما هي الآداب التي يجب أن يراعيها العالم عند طرحه لرأيه في مسألة فقهية معينة؟
اختلاف الرؤى لم ينكره الإسلام ولم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان موجوداً، لأن أصحاب رسول الله عندما اختلفوا لم يتجاوز كلا الفريقين حده ولم يسئ أحدهما إلى الآخر ولم يرمه بالفسق ولا بالكفر، كل واحد منهم التزم الأدب مع الآخر ولم يسفه رأيه، وهذا الذي يجب أن يتبع عند الاختلاف في الرأي ألا يفسق أصحاب الرؤى المختلفة بعضهم بعضاً، وأن يحترم كل واحد منهم رأي الآخر وألا يصادره وألا يعتقد أن رأيه هو الصواب ورأي غيره هو الخطأ، وصدق الإمام الشافعي حين يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وهذا هو المنهاج الذي ينبغي أن يتبع عند الاختلاف في الرأي عند أصحاب الرؤى المختلفة وعلى كل مسلم عالم بأمور الاجتهاد أن يعلن رأيه وأن يتقبل الرأي الآخر المعارض له من دون تعصب .
مفهوم الوسطية
الإسلام دين الوسطية فكيف يمكن نشر مفهوم الوسطية في المجتمعات الإسلامية خاصة بعد ظهور بعض الجماعات المتشددة على الساحة؟
بالنسبة لوسطية الإسلام فهذا منهج أخبرنا الله به في قوله سبحانه وتعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً، ووسطية الإسلام تنبع من أمور كثيرة وتظهر في نواح متعددة، من هذه النواحي أن الإسلام قليل التكاليف أي ليست فيه تكاليف شرعية كثيرة، يضاف إلى هذا أن هذه التكاليف فيها من اليسر والرخص ما لا يعنت بالمكلفين به، وهذا من عوامل اليسر والوسطية، كما أن دين الإسلام يجبّ ما قبله من المعاصي والشرك، وبالتالي فإن الإنسان لا يكلف أن يفعل شيئا ليكَفر عما سبق، إلى جانب أنه من عوامل وسطية الإسلام أنه خفف على هذه الأمة في ما يتعلق بعباداتها ومعاملاتها، ولهذا يقول سبحانه وتعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السمحاء، كل هذا وغيره الكثير يدلل على أن هذا الدين دين وسطي لا إفراط فيه ولا تفريط والذين يغالون في تطبيق منهج الله سبحانه وتعالى لا يفهمون وسطية الإسلام ولا منهجه إنما هم دخلاء على مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يعلموا من الدين إلا صورته ولم يتبحروا في دين الله تعالى لهذا فإننا نقول عنهم إن الله سبحانه لم يرد بهم الخير، لأن الله سبحانه إذا أراد بالإنسان خيراً فقهه في دينه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وفقه الدين أن يعلم الإنسان كل ما يتعلق بهذا الدين من عزائم ورخص وعقائد وتشريعات .
ما رأيك في الصراع بين التيارات الدينية المختلفة التي ظهرت على الساحة مؤخراً؟
أولاً الإسلام لا يعترف بالتيارات وإنما الإسلام تيار واحد، والإسلام لا يعترف بأحزاب وإنما يعترف بحزب واحد هو حزب الله تعالى، ولأجل هذا تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بافتراق هذه الأمة على هذه الشيع والنحل والفرق فقال: افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة هي ما أنا عليه وأصحابي .
كيف يمكن التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة؟
ليس هناك مذاهب إسلامية وإنما نقول إنها مذهب واحد وهو المذهب الذي يستند إلى التشريع الإلهي الذي نزل به الوحي على نبينا صلى الله عليه وسلم، سواء كانت في صورة الكتاب أو في صورة السنة كل الذي نعلمه أن مجرد الاختلاف في تأويل هذا الوحي هو الذي أدى إلى ظهور مذاهب إسلامية متعددة هذه المذاهب الإسلامية هي مدارس فكرية ولا نقول إنها اختلاف في المذاهب، وإنما مدارس فكرية كل مدرسة منها تفهم النص الذي نزل به الوحي فهماً خاصاً، هذا الفهم هو الذي أدى إلى اختلاف الرؤية وهذا الاختلاف في الرؤية لا ينكره الإسلام بأية حال من الأحوال، لأن هذا الاختلاف لا يجعل بين المسلمين كراهية ولا عداء، ولقد وقع هذا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر على أصحابه أنهم اختلفوا في فهم أمره حينما قال لهم: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فاختلفوا حين أدركهم وقت العصر فبعضهم فهم النص على ظاهره بأنه لا ينبغي لأحد أن يصلي العصر إلا في بني قريظة حتى ولو فات وقت العصر، والبعض الآخر فهم النص على أنه الرغبة في الإسراع والدعوة إليه، ولأجل هذا صلوا في الطريق إليها ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء هذا الفهم، وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علم باختلاف أصحابه على هذا النحو في فهم نصه ولم ينكر عليهم، فاختلاف المذاهب الإسلامية في الرؤية أو في استنباط الأحكام الشرعية لا ينكره الشرع وإنما أن يكون هناك اختلاف بحيث يكفر أتباع مذهب أتباع مذهب آخر فهذا ليس من الإسلام في شيء .
الزكاة والفقر
يرى بعض الاقتصاديين أن الزكاة وحدها كفيلة بحل مشكلة الفقر في العالم الإسلامي . . فما رأيك؟
الزكاة إحدى أدوات تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع، ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذ بن جبل إلى أهل اليمن لجمع الصدقة قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فاطلب منهم شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قبلوا ذلك فاقبل منهم وكف عنهم واعلمهم بأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، وافترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، وفي هذا الحديث بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الزكاة مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، بمعنى أنها تؤخذ من الأغنياء وترد إلى الفقراء في نفس المجتمع حتى تنزع البغضاء والتحاسد والغل بين أفراد هذا المجتمع، ولهذا فإن هذه الزكاة إذا أحسن استغلالها ولم يتم التنكب على شرع الله سبحانه في ما يتعلق بها كما هو حادث الآن فإنها كفيلة بحل مشكلات الفقراء في المجتمعات الإسلامية، ليس في البلد الذي يؤخذ منه الزكاة حسب، وإنما في جميع بلاد المسلمين .
وهل يجوز للدولة جمعها إجبارياً؟
تحصيل الدولة للزكاة كان متبعاً في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يرسل عماله إلى البلاد والإمارات المختلفة لجمع الزكوات، والدليل على هذا أنه كان يرسل معاذ بن جبل إلى اليمن لجمعها وأرسل عاملاً من عماله كذلك إلى قبيلة بني المصطلق لجمع زكواتهم، بل إنه همّ أن يقاتلهم عندما علم بأنهم رفضوا دفع الزكاة لعامله فجمع جيشاً وذهب لقتالهم فراعه أن أهل بني المصطلق قابلوه بزكوات أموالهم في الطريق فنزل قول الله سبحانه وتعالى: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، وهذا يدلل على أن الفرض في جمع الزكوات أن يقوم بها الحاكم وأن تكون لها مؤسسة تتولى جمعها وتصريفها على المستحقين لها من أفراد المجتمع
الدين والسياسة
نجحت بعض النظم العربية في فصل الدين عن السياسة لبعض الوقت فهل نجحت كذلك في فصله عن الحياة العامة للمسلمين؟ وما رأيك فيمن يدعون لقيام دولة مدنية بعيدة عن الدين؟
ليس هناك ما يسمى فصل الدين عن السياسة أو الدين عن الدولة، فالدين الإسلامي تشريع وسياسة وحكم وقضاء وأخلاق واقتصاد كل مناحي الحياة يبسط الدين سلطانه عليها، والذين يهمشون الدين في العبادة هؤلاء ذوو فكر منحرف بعيد كل البعد عن الفكر الإسلامي الصحيح، ولهذا وجدنا الدين الإسلامي في بداية نشأته بسط سلطانه على أكثر من نصف الكرة الأرضية فكانت دولة مترامية الأطراف يحكمها حاكم واحد بشرع الله سبحانه وتعالى هذه الدولة التي امتدت من الصين شرقاً إلى منتصف أوروبا غرباً، ومن الشمال إلى الجنوب على مساحة واسعة كانت تحكم بمنهج الله ديناً وعملاً وعقوبة وسياسة وأخلاقاً واقتصاداً، وكان الدين ناجحاً إلى أقصى درجات النجاح في سياسة هذه الدولة التي كانت تقريبا تشمل العالم الموجود في ذلك الوقت، وهي مساحة جغرافية من الأرض كانت فيها حضارات وثروات وفيها مفكرون ومحكومون ذوو علم وخبرة وتجربة، ومع هذا فقد كان للدين بصمة في السياسة، ولأجل هذا من ينادون بفصل الدين عن الدولة أو يهمشون دور الدين في العبادة فقط ولا يجعلون له سلطاناً على ما يتم خارج دور العبادة هؤلاء لا يؤمنون بالله تعالى أصلاً، ولذلك فهم يرمون الدين بالجمود والرجعية والتخلف وعدم صلاحيته للتطبيق على أمور الحياة بوجه عام، ولأن الله أعمى بصرهم وبصيرتهم فإنهم لا يرون الدين صالحاً للتطبيق على أمور الحياة أو سياسة أمور الرعية، ودعواهم هذه مرفوضة ومدحوضة بأدلة كثيرة ودامغة تدلل على بطلان دعواهم هذه .