أحدث اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية 2009 اشكاليات فكرية كثيرة، فوقوع القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي يجعل الاحتفال بها من قبل الفلسطينيين أمراً في غاية الصعوبة، خاصة في ظل تشابك وتعقد المشهد السياسي الداخلي، إلا أن الإصرار على أن تأخذ الاحتفالية كامل ابعادها الثقافية والرمزية، كان خياراً من خيارات ترسيخ الهوية العربية للقدس في ظل ما تعانيه من محاولات التهويد، وهي محاولات تشكل تحدياً بالنسبة للقضية الفلسطينية برمتها.
لقد كان خيار الشارقة على أن تنتقل الشعلة من دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008 الى القدس من خلالها ضمن احتفالية أقامتها الشارقة برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تأكيداً من قبل الشارقة والامارات على الدعم الدائم للقضية الفلسطينية، وإدراكاً لأهمية التأكيد على البعد الثقافي في الصراع العربي الإسرائيلي، فليست المقاومة سوى فكر تنتج عنه أشكال المقاومة المختلفة، ولقد كان منع إسرائيل المقدسيين من الاحتفال بانطلاق هذه الاحتفالية من القدس قائماً على ادراكهم لخطورة البعد الثقافي في الصراع، ما جعلها تنتقل الى بيت لحم حيث ناشد المطران عطا الله حنا العرب بالالتفات الى أهمية القدس ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما على مستوى الانتماء الى الثقافة العربية الاسلامية، فالقدس تمثل ذاكرة تاريخية تحمل كل التجليات العظيمة للثقافة العربية في قيامها على التنوع.
لمناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية هنا رصد لبعض الأماكن الدينية التي انشئ معظمها في العصرين الأيوبي والمملوكي حتى مشارف حكم العثمانيين، وكانت تصطبغ بصبغة دينية اسلامية تنزع الى التصوف وتختص بتدريس علوم الدين والاحاديث النبوية، ومعظم هذه الأماكن برز فيها الطابع المعماري الذي كان سائداً في تلك الفترة، مثل العقود الحجرية والقبات، وقد اتخذت اسماء عدة مثل الزوايا والأربطة والخلاوى.
كان لتأسيسها أهمية كبرى لدى المسلمين الذين اعتبروها بمثابة اضافات نوعية للأماكن الروحية التي تنهل منها مدينة القدس باعتبارها رمزاً دينياً وتاريخياً كبيراً.
تعرض قسم كبير من هذه الأماكن الى التدمير والخراب بفعل العبث الصهيوني المبرمج، وقد تحول ما تبقى منها الى متاحف أو دور للسكن أو أماكن موقوفة لرعاية الفقراء الذين يسكنون مدينة القدس.
أما الصلاحية فأنشأها الناصر صلاح الدين يوسف بن ايوب في 1189م وتقع في الشمال الغربي من المدينة القديمة، وهي أول ما شيد في القدس من منشآت التصوف حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري (18 ميلادي).
وهذه الخانقاة تشبه في تخطيطها العام ميثلاتها من خوانق هذه الفترة إذ تتألف من طابقين، الأول يتوسطه صحن مكشوف يحيط به ايوان وفيه القبلة والمحراب ويستخدم هذا الطابق الأرضي كمسجد للصلاة.
أما الطابق الثاني الذي يتم الوصول اليه بوساطة سلم حجري فيبدأ من الدركاه وبه ايوان للصلاة وبصدره محراب رخامي قام بتشييده عيسى بن احمد بن غانم في عام 1340م، وكان مخصصاً لوظائف التصوف ودروس العلم، وتوجد فيه مجموعة من الخلاوي التي كانت مخصصة لساكني المتصوفية وشيوخ الخانقاة، وتجدر الاشارة الى أن الخانقاة زودت بمئذنة أمر بتشييدها الشيخ برهان الدين بن غانم في عام (1417) وهي ذات بدن متعامدة تشابه صوامع بلاد المغرب العربي.
الخانقاة انشأها علم الدين بن عبدالله الداودار أحد مماليك الصالح نجم الدين ايوب، وكانت تلقى فيها دروس الفقه على المذهب الشافعي بالإضافة الى القراءات والحديث النبوي وتستخدم اليوم كمدرسة ابتدائية تعرف باسم المدرسة البكرية. وتتألف هذه الخانقاة من طابقين في وسطهما صحن أوسط مكشوف، في الطابق الأول ايوان القبلة ومجموعة من خلاوي المتصوفة، أما الطابق الثاني فيه فيحتوي على خلاوة وغرف لإقامة المتصوفة وطلبة العلم.
أما الخانقاة الفخرية فقد شيدت اصلاً لتكون مدرسة نظراً لاهتمام القاضي فخرالدين بالعلم وأهله ثم تحولت لوظيفة التصوف وبعد عدوان يونيو/حزيران 1967 قامت قوات الاحتلال بهدم جزء كبير منها، فيما حول بعض ما تبقى من البناء الى مقر لقسم الآثار الإسلامية وأصبح الآن مقراً لموظفي المتحف الاسلامي المجاور له.
الربط
تنقسم الى 15ربطة رئيسية أولها يسمى رباط علاء الدين البصير ويقع في مواجهة الجانب الغربي للحرم القدسي من ناحية الشمال، وانشأه الأمير علاء الدين أيد غدي بن عبدالله البصير سنة 1267م ناظر الحرمين في عهد السلطان المملوكي الظاهر ركن الدين بيبرس وبعد انقطاع وظيفة التصوف من هذا الرباط ثم وقف الرباط عام 1343م على الفقراء أو المتصوفة الواردين لزيارة بيت المقدس، وفي العصر العثماني استخدم الرباط كسجن، وهو الآن دار للسكن بعدما اضيفت إليه بعض الحجرات الجديدة في صحن الرباط. وهذا الرباط مملوكي الطراز نمطي بأقبية متقاطعة ومحرابه بسيط مجوف.
أما الرباط المنصوري انشأه السلطان الملك المنصور بن قلاوون المؤسس الحقيقي لدولة المماليك في عام (1382) ويقع غربي الحرم القدسي الشريف على الطريق المؤدي الى باب الناظر.
رباط الكرد: انشأه الأمير كرد السيفي أحد أمراء الناصر بن قلاوون في عام 1293 ميلادية ويقع أمام السور الغربي للقدس الشريف، كانت وظيفته في ذلك الوقت ايواء الفقراء والحجاج الوافدين لزيارة القدس بالإضافة الى وظائف التصوف وتلقي العلوم، وظل هذا الرباط يقوم بمهامه حتى القرن الثاني عشر الهجري، وهو الآن دار للسكن.
الرباط الزمني: يقع هذا الرباط في مواجهة باب القطانين أحد أبواب السور الغربي للحرم القدسي الشريف، ومنشئه شمس الدين محمد بن عمر بن محمد الزمن المعروف بابن الزمن في عام ،1476 وكانت وظيفته ايواء الغرباء والفقراء الواردين لزيارة القدس، تحول الآن الى دار سكن تابعة للأوقاف.
رباط بايرم جاويش يقع عند ملتقى الوادي بطريق باب الناظر وعقبة التكية، انشأه بايرم جاويش بن مصطفى، تحول الى مدرسة عرفت بالمدرسة الرصاصية في أواخر العصر العثماني، وهو الآن عبارة عن مدرسة تعرف باسم مدرسة الايتام الاسلامية.
الخلاوي والزوايا
بالنسبة للخلاوي هناك خلوة واحدة تعرف باسم خلوة محمد آغا، وتقع أمام صحن الصخرة المشرفة، وقد أنشأها محمد آغا أحد رجال الحامية العثمانية بالقدس عام 1587. وتتقدم مدخله غرفة مفتوحة يرجح أنها كانت مخصصة لجلوس صاحبها قبل دخوله للخلوة.
أما الزوايا فتنقسم الى ،16 عرفت الأولى باسم الزاوية الختنية وتقع جنوب المسجد الأقصى مباشرة، وانشأها السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي عام (1191م).
وقد جعل السلطان صلاح الدين هذه الزاوية وقفاً على الشيخ جلال الدين احمد بن محمد الشاشي، وهو رجل من أهل الصلاح والتقوى للتعبد مع اتباعه ومريديه فضلاً عن إلقاء الدروس. وعرفت ب الختنية نسبة الى الشيخ الختني، وظلت الزاوية تقوم بدورها العلمي حتى مشارف العصر الحديث، وهي تستخدم الآن مكتباً للجنة إعمار المسجد الأقصى رغم ما اصابها من تصدع نتيجة للحفائر الاسلامية.
وهناك الزاوية الجراحية التي تقع خارج السور الشمالي للقدس في حي الشيخ جراح، وكان قد انشأها الأمير حسام الدين حسين بن شرف الدين الجراحي من امراء الناصر صلاح الدين عام ،1192 وقد استمرت في القيام بوظائف التصوف والتدريس حتى القرن الثاني عشر الهجري.
يتوسط بناء الزاوية صحن مكشوف حوله اربعة اضلاع من البناء بها مجموعة من الغرف، واكبرها تلك التي تضم ضريح المنشئ. اضيف للزاوية مسجد صغير من ايوان واحد نمطي بسقف مسطح، وهو من مساحة مستطيلة يقع بابها في الضلع الشمالي في مواجهة المحراب بتجويفه المتوج بعقد نصف دائري يحمله زوج من الأعمدة الرخامية، وقد فتحت في كل من جدرانه الغربية والشرقية والجنوبية نافذتان معقودتان، في الوقت نفسه زودت بمئذنة في الركن الشمالي الغربي من الناحية الغربية للمصلى، وهي تمتاز بالجمع بين شكل المآذن الشامية في طابقها الأول المتعامد الاضلاع وبين شكل المآذن المملوكية في طابقها الثاني الثماني الاضلاع.
أما زاوية الهنود، فانشئت في القرن العاشر الهجري (16م) من قبل بابا مزيد شكر كنك، وهو من مسلمي الهند المتصوفة، وتقع قرب سور القدس الشمالي أمام باب الساهرة.
كانت زاوية لمتصوفي الطريقة الرفاعية في العصر المملوكي الى أن جاء بابا شكر من الهند لينقطع للعبادة في القدس، وقام بتجديد زاوية الرفاعية وإعادة تشييدها حتى عرفت باسم الزاوية الهندية. وفي عام 1870 ميلادي اعيد تجديد بناء الزاوية بسبب دمار جزئي اثناء عدوان ،67 وما تبقى منها توزع بين مكاتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ومدرسة الاقصى الاسلامية ومقر سكن لإحدى العائلات.
الزاوية الكبكية انشأها الأمير علاء الدين ايدغدي عبدالله الكبكي أحد امراء المماليك البحرية في عهد المنصور قلاوون في عام 1290م، وهي مخصصة لوظيفة التصوف بالإضافة لكونها مدفناً لمنشئها.
تقع عند فتحة المدخل في الضلع الشمالي، وهي عبارة عن دخلة غير عميقة متوجة بعقد حجري مدبب بداخله عقد مدايني، وقد اغلقت الآن بجدار حديث البناء. أما الزاوية المهمازية فتقع على مقربة من السور الشمالي للحرم القدسي، وانشأها الملك الصالح اسماعيل بن الناصر بن قلاوون في عام 1354م.
يقع مدخلها الرئيسي في الواجهة الجنوبية، وهو مملوكي الطراز إذ يقع في دخلة عميقة على جانبيها مسلتان حجريتان، وقد توجت بعقد مدايني ثلاثي الفصوص ويؤدي المدخل الى دركاه تسبق داخل الزاوية. أعيد تجديد هذه الزاوية في العصر العثماني.
الزاوية الأدهمية وتقع خارج السور الشمالي للقدس بين بابي الساهرة والعمود، انشأها الأمير سيف الدين منجك اليوسفي نائب الشام في عصر السلطان الناصر حسن بن قلاوون في سنة 1361 ميلادية. خصصت لفقراء الأدهمية وهم المتصوفة من اتباع الزاهد ابراهيم بن ادهم، وخصص الأمير لهم ريع أوقاف متعددة في صفد والرملة وغزة والقدس وبيت صفافا.
من جهة أخرى تقع الزاوية البسطامية في حارة السعدية الواقعة بين باب الساهرة والسور الشمالي للحرم القدسي، وانشأها الشيخ عبدالله بن خليل بن علي الأسد البسطامي في عام 1368 ميلادية.
خصصت للفقراء من اتباع الشيخ عبدالله وجعل لها اوقافاً، ودفن بها بعد وفاته عام 1391.
أما الزاوية اللؤلؤية فتقع عند باب العمود في السور القدسي الجنوبي، وقد انشأها بدر الدين لؤلؤ غازي عتيق السلطان المملوكي الاشرف شعبان بن حسين سنة 1373م وكانت مخصصة للتصوف من الفقراء المنقطعين في مدينة القدس، وهي تعرف اليوم باسم جامع الشيخ لؤلؤ. وهناك الزاوية التي تعرف باسم الزاوية القرمية التي تقع غربي الحرم القدسي الشريف على الطريق بين باب خان الزيت والحرم، انشأها ناصر الدين محمد بن علاء الدين شاه الجبلي عام 1368م، خصصت هذه الزاوية بالإضافة الى ثلث ريع منشئها لاتباع الشيخ شمس الدين أبي عبدالله بن احمد بن عثمان التركماني المعروف بالقرمي الذي جاء الى القدس واشتغل هو واتباعه بتدريس الحديث الشريف. زاوية الشيخ أحمد المثبت وتقع على بعد امتار من الزاوية القرمية، وانشأها الشيخ بدرالدين احمد بن علي بن مثبت الانصاري المقدسي المالكي في عام 1410 ميلادية، فخصصت مثلها مثل باقي الزوايا للتصوف، وهي تتألف من صحن أوسط مكشوف يحيط به عدد من الغرف والخلاوى، وفي الغرفة الجنوبية الشرقية يوجد ضريح الشيخ أحمد المثبت، وهي مغطاة بقبو متقاطع، وقد جعل بها محراب مجوف بسيط جرياً على عادة اضرحة العصر المملوكي، ويقع الضريح اسفل الغرفة حيث ينزل إليه بدرجات سلم معدودة.
أما الزاوية الوفائية فتقع على مقربة من باب الناظر أحد ابواب الحرم القدسي من ناحية الغرب ومنشئها هو تاج الدين ابو الوفا محمد عام 1380 ميلادية. تحولت الآن الى دار سكن تعرف بدار البديري. مدخلها بسيط وتتوج بعقد حجري مدبب، وتتألف من طابقين بهما مجموعة من الغرف موزعة حول فناء مكشوف، وقد الحق بها ضريح، ويبدو أنها كانت بالأصل داراً سكنية قبل أن يشتريها ابو الوفا محمد في عام 782ه، إذ عرفت بدار معاوية، لاعتقاد ساد بين أهل القدس بأن الخليفة الأموي سكن في موقعها عند إقامته في القدس، كما عرفت ايضاً بدار الهائم وهو احد شيوخ المدرسة الصلاحية المعروفين بتدريس علم الرياضيات وكان يسكن فيها.
وهناك الزاوية الظاهرية، وزاوية الشيخ يعقوب العجمي والزاوية النقشبندية التي تقع في حارة باب الواد بالقرب من باب الفواغة، وأخيراً الزاوية الافغانية التي تقع غربي الحرم القدسي على طريق الوادي المؤدي الى باب الفواغة وانشأها أحد اتباع الطريقة القادرية وشيدت في العام 1633 ميلادية.
منمنمات
الزاوية الأدهمية وتقع خارج السور الشمالي للقدس بين بابي الساهرة والعمود، انشأها الأمير سيف الدين منجك اليوسفي نائب الشام في عصر السلطان الناصر حسن بن قلاوون في سنة 1361 ميلادية. خصصت لفقراء الأدهمية وهم المتصوفة من اتباع الزاهد ابراهيم بن ادهم، وخصص الأمير لهم ريع أوقاف متعددة في صفد والرملة وغزة والقدس وبيت صفافا.
من جهة أخرى تقع الزاوية البسطامية في حارة السعدية الواقعة بين باب الساهرة والسور الشمالي للحرم القدسي، وانشأها الشيخ عبدالله بن خليل بن علي الأسد البسطامي في عام 1368 ميلادية.
خصصت للفقراء من اتباع الشيخ عبدالله وجعل لها اوقافاً،
ودفن بها بعد وفاته عام 1391.