في يوم جيد كان في العام الماضي، سقط البريطاني راي نيند خمس مرات على الارض، وفي كل مرة كان ينقل فيها الى المستشفى لمعالجته من الكدمات والجروح التي كان يصاب بها في كل سقطة، والتي حدث معظمها خلف الرأس وتطلب خياطة للجروح . ويقول راي (56 عاما) عندما بدأت اسقط، كان الناس يعتقدون باني مخمور، حتى زوجتي، والتي كانت تظل تلح في السؤال عما اذا تناولت بضعة اقداح، ولكني بصدق لم اكن افعل، ولم اكن اعلم لماذا كنت اسقط، اما الآن، فقد اصبح الجميع يعرفون بانني اسقط لاني مريض .
حتى وقت قريب، كان راي يدير شركة للبناء يعمل فيها حوالي 20 موظفاً، اما الآن، فانه يظل حبيس المنزل جالسا طوال الوقت لمشاهدة التلفزيون، وهذا كل ما يستطيع ان يفعله .
ويقول الاطباء إن راي يعاني من حالة شلل جيني نادرة اسمها المرضي (progressive Suprancular Palsy)، ويرمز له اختصارا PSP، وهو مرض لا علاج له .
وبينما يعرف بأن حوالي 4 آلاف بريطاني يعانون من هذا المرض، فان الخبراء يعتقدون بوجود حوالي 10 آلاف شخص مريض بذات الخلل الجيني الذي يعاني منه راي نيند .
وتصيب هذه الحالة الاشخاص فوق الاربعين من العمر وتتساوى نسبة النساء والرجال في الاصابة .
وذكرت صحيفة ديلي ميل البريطانية التي نشرت حكاية راي نيند ان احد العاملين لديها توفي في يوليو/ تموز عام 2007 بنفس المرض وكان عمره 56 عاما، كما ان الممثل الكوميدي دودلي مور توفي ايضا للسبب ذاته في مارس/ آذار عام 2002 عن عمر 66 عاما .
ولا تعرف أسباب هذا المرض حتى الآن بالضبط - رغم الاعتقاد بان انتفاخ الرأس والسموم البيئية قد تكون مثيرات محتملة- لكن آلية هذا المرض مفهومة .
ويقول الاطباء إن خلايا الدماغ تفرز الكثير من بروتين محدد اسمه تاو (Tau)، وهذا البروتين يسبب موت الخلايا العصبية، وبالتالي يحدث تلفا في الخلايا العصبية تجعل الدماغ عاجزا عن إرسال الرسائل إلى مجموعة محددة من العضلات، وخاصة تلك التي تؤثر على الساقين والنطق والابتلاع والبصر .
كما ان جزء الدماغ المسؤول عن السيطرة والتحكم والشخصية قد يحدث به تلف ايضا، وهو ما يدفع المريض عادة للشعور بالاكتئاب والانسحاب من الحياة الاجتماعية ويصبح غير مبال، او عدواني وكثير المطالب . غير ان هذه الحالة لا تؤثر على الذكاء او الذاكرة .
مرض قاس بلا علاج
يصف الاطباء مرض PSP بانه قاس لدرجة الوحشية، ويقدر بان متوسط ما يمكن ان يعيشه المصاب به يتراوح بين 5-8 سنوات بعد الاصابة .
ورغم عدم وجود علاج لهذه الحالة المرضية، فانه يمكن اعطاء ادوية لتخفيف اعراض معينة عند المريض نفسه .
وتقول المسؤولة التنفيذية في جمعية بريطانية للمصابين بهذا المرض ان هذه الحالة تدمر شبكة الجهاز العصبي، حيث تسلب من الشخص أولا توازنه، ثم تسلب منه بالتدريج القدرة على المشي، ثم الحديث، ثم تناول الطعام، والشراب، واخيرا تسلب منه القدرة على الابصار . ومع ذلك يظل المرضى واعين عقليا، وافضل وصف يمكن اطلاقه على هذه الحالة هو حياة في جهنم الارض .
وتضيف ان معظم الناس ربما لم يسمعوا عن هذا المرض من قبل، وبالتالي لا يعرفون اعراضه، حتى في الوسط الطبي المتخصص، ولكن في المراحل الاولى من هذا المرض، يشعر المريض بالكسل والخمول، وقد يعطيه الاطباء بالخطأ مضادات للاكتئاب، وهذه الادوية قد تساعد بعض المرضى، لكن التأثيرات الجانبية قد تجعل الامر اسوأ عند غيرهم .
وتوضح في واحدة من كل ثلاث حالات من التشخيص الخاطئ، يقال للناس بانهم مصابون بالباركنسون، ويعطون الادوية التي لا تساعدهم، والتي يكون لها تاثيرات جانبية لا تسر مثل الهلوسة والهذيان .
تغيير في الشخصية
استغرق الامر 18 شهرا حتى تم تشخيص حالة راي بشكل صحيح، ولكن مبدئيا، كان طبيب الاعصاب قد شخص الاعراض بانها جلطة دماغية .
وعندما ساءت الاعراض عند راي، ظلت زوجته جيني تقول ان حالته لا يمكن ان تكون جلطة، اما هو فكان يعارضها مؤكدا ان الاستشاريين يفترض بهم ان يعرفوا افضل مما تعرفه هي .
وفي الحقيقة، كانت جيني هي اول من اكتشف ان في الامر شيئا ما خطأ، وذلك في عام ،2001 عندما لاحظت ان راي يتعثر وهو يمشي في الشارع او على درج البيت لدونما سبب واضح .
وكان والدها قد توفي قبل ذلك نتيجة الافراط الشديد في السكر لنسيان احزانه، ومع ذلك كان يصر امامها بانه لا يشرب، وقد ظنت ان زوجها يفعل ما كان يفعله والدها .
ولكن التغيير الذي طرأ على شخصيته هو الذي اثار انتباهها اكثر من اي شيء آخر . فقد كان راي بطبعه اجتماعيا، لكنه اصبح يريد ان يمضي معظم الوقت لوحده، كما قلت رغبته في الخروج من المنزل، وصار كل ما يرده هو مشاهدة التلفزيون فقط طوال اليوم .
وتضيف جيني حتى اختياره للبرامج تغير، فقد صار يشاهد البرامج الساقطة، وبالتدريج اصبح عصبيا .
تغيير في السلوك
بعد ثلاث سنوات، صحت جيني من نومها في الخامسة والنصف صباحا لتجد ان راي قد اختفى، وقد اخذ السيارة، وهو ما اقلقها جدا، اذ لم يكن ذلك من الامور التي يفعلها، وعندما لم يعد في السادسة صباحا اتصلت به في مكان عمله، وقد رد عليها، واوضح انه نهض في الثانية والنصف صباحا، ولم يكن يدري بالوقت، وخرج الى العمل، وقد اوقفته الشرطة ووجهت له تهمة السياقة من دون وعي، ولاقتناعهم بانه كان مخمورا، فقد اقتاده رجال الشرطة الى المخفر حيث امضى ساعتين قبل اطلاق سراحه ومن ثم ذهب الى العمل .
ولم يقتنع راي بان شيئا ما خطأ في حالته الا عندما كرر زملاؤه في العمل مخاوف زوجته بهذا الشأن .
وفي عام 2005 قام باستشارة طبيب اعصاب آخر أيد ظنون زوجته، لكن الحالة كانت مربكة الى حد ما لأن مسح الدماغ اظهر ان كل شيء على ما يرام، وانه لا يوجد شيء غير طبيعي .
وهذا ليس بالامر الغريب، فهذه الحالة المرضية لا يمكن اكتشافها عن طريق مسح الدماغ (سكانر)، وحتى بعد بضعة اشهر عندما بدأ يظهر شلل خفيف عند راي وبدأ يتلعثم في الكلام، فقد وضع اللوم على الجلطة .
ضعف جسماني
ظل راي يعمل بدوام جزئي، ولكن شركته اصبحت تخسر لانه كان مريضا ولا يستطيع اعطاء الاهتمام الكافي للعمل من جهة، كما ان سقطاته على الارض اصبحت تتكرر يوميا من جهة اخرى .
وتتذكر جيني قائلة كان يسقط عندما يخرج من السيارة، او عندما يربط حذاءه، ودائما الى الخلف او على جانبه، كما ان عينيه تكونان مختلفتين، كما لو انه ينظر نحو السقف بدلا من النظر إلي مباشرة .
وقد تسبب مرض راي باحداث اضرار خطيرة في جسمه بشكل متزايد، فقد وقع ذات مرة عن بضعة سلالم فانكسرت احدى فقراته العظمية، وذات مرة حرق نفسه وهو يحاول ملء زجاجة من الماء الساخن لتخفيف ألمه وكان بحاجة الى اخصائي في معالجة الحروق .
وفي سبتمبر/ ايلول ،2009 وبعد ان سقط على طاولة القهوة في غرفة المعيشة بشكل فظيع احتاج الى عدة غرز، وهو ما جعله يقتنع برأي زوجته بانه لا علاقة للجلطة في حالته .
وفي اقرب مستشفى حكومي من المنزل، فحص طبيب الاعصاب عددا من صور المسح الدماغي، وملاحظات عن الشهور القليلة السابقة، وقد طلب من راي ان ينظر للاعلى وللاسفل، وان يعد اصابعه، وان يمشي في خط مستقيم، وسأله عن قدراته الجسمانية .
القبول بالأمر الواقع
نظرا لأن الحالة المرضية التي يعاني منها راي لا تظهر في مسوحات الدماغ، فقد لجأ الاستشاريون الى الاعراض مثل عدد مرات السقوط الى الخلف والتحديق نحو الاعلى، وفي النهاية، وبعد خمس سنوات من الاعراض الاولية وبعد 18 شهرا من رؤيته للطبيب، تم تشخيص راي بصورة صحيحة .
ويتذكر راي قائلا لم نسمع ابدا بمرض PSP، ولذلك بحثت جيني عنه في الانترنت بعد عودتنا الى المنزل، وبينما كنا نقرأ المعلومات، وجدت فجأة ان كل الاعراض موجودة عندي: السقوط للخلف او على الجانب، التلعثم في الكلام، التغيير في الشخصية والسلوك، وصعوبة الامساك بالاشياء وكل ما قرأناه عن اعراض اخرى .
لكن راي قرأ ايضا ان الحالة قد تسوء اكثر، فقد تجعل المريض ملازما للسرير وغير قادر على التكلم، ويسبب صعوبة في البلع، والتهاب ذات الرئة، وحرفيا، عندما ينزل الطعام في اتجاه خاطيء فان ذلك يمثل مشكلة كبيرة، ويمكن ان تسبب التهابات في الرئتين والتي غالبا ما تكون خطيرة .
ويقول راي كان انطباعي الاول ان ايامي في الحياة اصبحت معدودة جدا، وبعيدا عن ذلك، فقد صدمت جدا، وما عدت احس باي شيء ايضا، ولعدة اسابيع، رحنا نلبس ونأكل ونمارس حياتنا اليومية وكأنني سأموت بين لحظة واخرى، ولكن بالتدريج تقبلنا الامر وتعايشنا مع الحالة .
ومتحليا بالشجاعة والصبر، يقول راي انه بات مدركا لحقيقة انه يموت، فقد توفيت والدته عام 1994 بمرض حركي عصبي يشبه في بعض اعراضه المرض الذي اصابه، ولكن من دون اعتقاده بوجود رابط وراثي .
وقال اقتنعنا انا وجيني بانه لا مجال لانكار الحقيقة، فلم تكن هناك اية اشارة على ان حالتي سوف تتحسن، لانني لم اكن اريد ذلك، ولذلك واجهنا القدر، فقد كنا نعرف بانني سأموت، ولكننا حاولنا ان لا نفكر في ذلك .
وعلى اية حال، لم يكن الامر سهلا، فقد انتشر الالم في كل جزء من جسم راي، وبسبب ارتخاء العضلات، لم يعد قادرا على استعمالها بشكل طبيعي للامساك بالاشياء، وقد جفت عينيه وتقرحتا، وما عاد بمقدوره ان يرمش، وازدوجت الرؤية عنده لان عضلات عينيه لم تعد تستقبل اشارات من الدماغ .
ومع تلعثمه في الكلام، اصبح قول عدة كلمات زيادة امرا متعبا، وكان يكافح من اجل ان يمسك بملعقة الطعام، واحتاج الى كرسي متحرك للخروج .
ويقول انه امر مزعج للغاية ان تصبح غير قادر على فعل اي شيء من اجل نفسك .
التوعية بالمرض
مرت فترات نسي فيها راي كم كان عاجزا عن القيام باي شيء، وكم حاول ان يفعل شيئا، لكنه لا ينسى سقوطه المتكرر وايذاء نفسه . . وقبل شهرين شج رأسه مرة اخرى بعد ان خرج من المنزل بكرسيه الكهربائي من دون مرافقة احد وسقط .
وبالنسبة لجيني بالطبع، فان رعاية راي هو عمل يفجع القلب، فالرجل الذي يحب الخروج والذي تزوجته قبل 28 عاما يجب ان يلبس، وان يغتسل، وان يتناول الطعام .
ومع ذلك فما زالت ثرثارة بشكل كبير، لم يفارقها المرح، وما زالت تواقه في تصميمها على رؤية الجانب المشرق لكل شيء، حتى لو كانت تشعر بالاحباط داخل نفسها .
واثناء اللقاء معها قالت نكتة لم تحل علينا المصيبة حتى الآن هذا العام، وهذا شيء رائع .
ورغم انه لا يوجد علاج للحالة التي يعاني منها راي، فانه يتناول الادوية المضادة للاحباط والحبوب المنومة .
كما يحظى الزوجان بدعم من فريق متعدد الاختصاصات تم اختياره من قبل طبيب العائلة، ومن ضمنهم معالج إعاقة ونطق ولغة والاحتياجات الخاصة الاخرى، الى جانب مساعدة جيني في رعاية زوجها .
ويخطط الزوجان من اجل المستقبل بقدر ما يستطيعان .
وتقول جيني لقد تخلصنا من الديون وظل رهن المنزل، والشكر لطبيب العائلة، فقد حصلنا على الدعم الذي نحتاجه، وآمل فقط ان يكون في قصتنا درسا للآخرين الذين قد يصيبهم مرض PSP .
وتضيف اننا نريد ان يعي الناس هذه الحالة المرضية، فلا يسلكون الطريق الذي سلكناه خطأ في البداية، فقد امضينا شهورا ونحن نقاسي من دون اية مساعدة او دعم من احد لان حالة راي لم تشخص بشكل صحيح . ورغم ان هذا المرض لا علاج له، الا ان معرفة ما كان يعاني راي منه كان امرا مريحا، فقد كان يعني انه يمكننا ان نراقب الاعراض ونحصل على بعض المساعدة .
وبالنسبة لراي، فالامر ببساطة هو محاولة ان يظل قويا لاطول مدة ممكنة يستطيع فيها البقاء، ويقول انه امر محبط جدا، فقد تعودت ان اكون الشخص الذي يرعى شؤون الاسرة، والامر معكوس تماما الآن، وانا رجل من الطراز القديم، ويؤلمني جدا ان اتقبل ذلك، ولكن لا خيار لي إلا أن اتقبله .