** القاهرة: «الخليج»

ما بين «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري و«الكوميديا الإلهية» للإيطالي دانتي اليجيري، صلات وثيقة، وعلى ضفاف الدرس الذي ينتمي إلى «الأدب المقارن»، تتناثر أسئلة من نوعية، هل سرق دانتي رسالة أبي العلاء المعري؟ وفي أحسن الأحوال يصاغ السؤال على هذا النحو: هل تأثر دانتي بالثقافة الإسلامية؟ وعلى هذا ينبغي أن نضع حدوداً للعلاقة بين هذين العملين، كل في ثقافته.
المعري صاحب «رسالة الغفران» شاعر وفيلسوف عباسي (973 -1057) والرسالة تصف الأحوال في الجنة والنار والشخصيات هناك، وتعد من أعظم كتب التراث العربي، وأجمل مؤلفات المعري، تبوح بالرغبة في الفضول، وقد كتبها ردا على رسالة ابن القارح، وهي رسالة ذات طابع روائي خيالي، يحاور فيها المعري الأدباء والشعراء واللغويين في العالم الآخر، فينتقل إلى الجنة، ويحاور عددا من الشعراء المشاهير في الأدب العربي، ثم يمر وهو في طريقه إلى النار بمدائن العفاريت، فيحاور شعراء الجن، ثم يعود من جديد إلى الجنة.
أملى «المعري» رسالة الغفران في أخريات الربع الأول من القرن الخامس الهجري، وكان يعيش في صميم عزلته بمعرة النعمان، بعد ما بلغ الستين من عمره، وقد أنضجته السنون، وأرهفت العزلة حدسه ووجدانه، وكان يمليها بعد أن قطع مراحل الصبا والشباب والكهولة، وأشرف على الشوط الأخير من رحلته في الدنيا.
يبدأ القسم الأول من «رسالة الغفران»، بخبر عن وصول رسالة ابن القارح، ومن التمجيد لله في مفتتح الرسالة، كان المنطلق إلى العالم الآخر، حيث اصطفى المعري من ندامى الفردوس علماء اللغة ورواة الشعر، والتقى الشعراء، ومنهم الأعشى، وكان قد مات مقراً على نفسه بالفاحشة، ويسأله: بم غفر له؟ فيجيب بأن قصيدته الدالية، التي نظمها في مدح النبي قد شفعت له، وهكذا نقرأ قصائد لزهير بن أبي سلمى وعبيد بن الأبرص وحسان بن ثابت بجانب نقاش حول هذه القصائد.
يروي المعري في الرسالة عن مشاهد الحشر، وكيف شق عليه وأرهقه، وقد عبر الصراط حتى وصل إلى باب الجنة، ويبدو للشيخ أن يطلع على أهل النار، ويلقى إبليس، ويدور بينهما حوار عنيف، يسأل فيه إبليس عن بشار بن برد، فإذا هو أمامهما، لكن هذا لم يصرف ابن القارح عن مناقشته في شعره، ويفعل ذلك مع من يلتقيه من الشعراء في النار.
أما الإيطالي «دانتي اليجيري» صاحب «الكوميديا الإلهية»، المولود في سنة 1265 فقد فارق الحياة عام 1321 وتعد الكوميديا الإلهية العمل الرئيسي له، وهي من أبرز الملاحم الشعرية في الأدب الإيطالي، وتحتوي على نظرة خيالية حول الآخرة، وتنقسم إلى ثلاثة أجزاء: الجحيم، المطهر، الجنة، ويعد الجحيم الأشهر في هذه الملحمة، و«الكوميديا الإلهية» رحلة خيالية قام به دانتي في الممالك الثلاث: «الجحيم والمطهر والجنة»، وبحسب أحداث الملحمة، فقد استغرقت أسبوعا، منها يومان في الجحيم، وأربعة في المطهر، ويوم في الجنة.
تبدأ القصة بدانتي المفقود في غابة مظلمة، ويمثل ذلك عنده إحساسه بتفاهة حياته، والشر الذي كان يراه في مجتمعه، وبعد ليلة من التجوال، يلتقي مع الشاعر الروماني فرجيل الذي يعده بأن يخرجه من تلك الغابة، ويقوده إلى رحلة في العالم الآخر، ويدخلان الجحيم، حيث يريان جموعا يعانون العذاب الذي تصبه فوق رؤوسهم الوحوش الخرافية، وهؤلاء المعذبون شخصيات تاريخية معروفة، بعضها من عصر سابق لدانتي، غير أن معظمهم من عصره.
يرحب هؤلاء بفرجيل ويقول دانتي: «وأنظر إلى أعلى فأرى سيد العارفين يجلس بين أسرة الفلاسفة» أي أرسطو، يحيط به سقراط، وأفلاطون، وديموقراطس، وديوجين، وأنبادقليس، وطاليس، وزنون، وشيشرون، وسنكا، وإقليدس، وبطليموس، وأبقراط، وجالينوس، وابن سينا، و«ابن رشد» الذي ألف «الشرح العظيم».
في معرض الحديث عن التأثيرات الإسلامية التي انتقلت إلى دانتي، فإن أولاها يبدأ من صقلية، التي شهدت حضورا باذخا للحضارة والثقافة الإسلامية، كما أن تصوير دانتي لله بأنه «الحب الذي يحرك الشمس وسائر النجوم» المستمد من أرسطو انتقل إليه عن طريق الفلسفة العربية، وكان يعرف شيئا عن الفارابي، وابن سينا، والغزالي؛ وابن رشد؛ ويضع ابن رشد في المحيط الخارجي للجحيم في «الكوميديا الإلهية».
تنفرد «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري بمكانة خاصة بين كتب الأدب العربي، نقلتها إلى النطاق العالمي، بينما كانت حتى القرن الثالث عشر الميلادي غير معروفة على نطاق كبير، لكن في القرن التاسع عشر بدأ اسمها يتردد في الأوساط الأدبية بأوروبا، مقترنا بالكوميديا الإلهية لدانتي، على سبيل المقارنة، ولم تكن هناك صورة محددة للرسالة حتى عام 1899 حين نشر أحد المستشرقين أنه ظفر بمخطوطات عربية أهمها «رسالة الغفران»، ثم قدم في عام 1900 وصفا للمخطوط، وترجمة ملخصة للجزء الأول من الرسالة، مع الأصل العربي لكثير من فقراته.
وكان ما نشره هذا المستشرق واسمه «نيكلسون»، هو النص الذي رجع إليه المستشرق الإسباني «أسين بلاسيوس» في دراسته لرسالة الغفران مع أصول إسلامية غيرها، وقد نشر هذه الدراسة في مدريد عام 1929، وعنوانه «الإسلام والكوميديا الإلهية»، وفي هذا الكتاب قرر بلاسيوس، بعد دراسة متخصصة، استغرقت ربع قرن أن أصولا إسلامية من بينها «رسالة الغفران»، قد كونت أسس «الكوميديا الإلهية»، وقد ترجم بلاسيوس فصولا من الرسالة، قابلها مع نصوص من الكوميديا الإلهية.
أحدث هذا الكتاب دويا في أوروبا وأخذت «رسالة الغفران» منذ ذلك الحين مكانها في دراسات المستشرقين، وتتابعت البحوث والمقالات الخاصة بها، تأييدا لنظرية بلاسيوس أو معارضة لها، وفي عام 1949 نشرت مكتبة الرسل بالفاتيكان في روما كتابا للمستشرق الإيطالي «تشيروللي» عنوانه «السلم ومسألة المنابع العربية الإسبانية للكوميديا الإلهية»، وفي هذا الكتاب فصل بعنوان «دانتي والإسلام»، تحدث فيه عن تأثر دانتي برسالة الغفران، وغيرها من الآثار الإسلامية التي نقلت إلى أوروبا عن طريق إسبانيا.
ونشر جورجي زيدان كتابه «تاريخ الآداب العربية» وفيه يقول عن أبي العلاء المعري: في «رسالة الغفران» تخيل رجلا صعد إلى السماء، ووصف ما شاهده هناك، كما فعل دانتي شاعر الطليان في الرواية الإلهية، وما فعل ملتون الإنجليزي في الفردوس المفقود، لكن أبا العلاء سبقهما ببضعة قرون، فلا بدع إذا قلنا باقتباس هذا الفكر عنه، وأقدمهما دانتي، لم يظهر إلا بعد احتكاك الإفرنج بالمسلمين، والإيطاليون أسبق الإفرنج إلى ذلك.
وقال طه حسين في رسالته عن أبي العلاء: والفرنج يشبهونها- رسالة الغفران- بكتاب دانتي الطلياني، وكتاب ملتون الإنجليزي الذي أسماه «الجنة الضائعة»، وقرر محمد كرد علي أن «أعمى المعرة كان معلما لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال».
تؤكد الدراسات الحديثة أن ما استمده دانتي من المصادر الشرقية، خاصة المصادر الإسلامية، كقصة تصف الصعود إلى السماء، ووصف الجحيم الوارد في القرآن، وقصة المعراج، ووصف الجنة والنار، كله موجود في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، ففي رسالة الغفران يصور المعري إبليس يعذب في الجحيم، وهو مقيد بالأغلال، كما يصور الشعراء يعذبون فيها.
يرى كثيرون أن مسألة تأثر دانتي بالتراث الإسلامي، تأكدت بعد أن قام المستشرق الإسباني «ساندينو»، والمستشرق الإيطالي «إنريكو تشيرولي»، بنشر الترجمات اللاتينية والفرنسية لمعراج النبي محمد(ص) في نفس الوقت عام 1949 وعدت هذه الوثيقة هي الدليل الحاسم، الذي كان ينقص نظرية (بلاسيوس) في تأثير التراث الإسلامي على دانتي، وإحدى هذه الترجمات كانت قد دخلت في كثير من المخطوطات التي انتشرت في أوروبا، وفي إيطاليا خاصة في تلك الفترة، وأنها كانت كفيلة بشيوع قصة الإسراء والمعراج في جميع الأوساط الثقافية الأوروبية في عهد دانتي.