إعداد: محمد هاني عطوي
يبدو المكان الذي تتدرب فيه جيسيكا ماير ،وآن ماكلين، وكريستينا كوش، ونيكول مان، شبيهاً بمسبح أولمبي، إلا أن في أعماقه التي تبلغ 10 أمتار، ترقد محطة فضاء، أو نسخة مصغرة منها. والمكان هو مركز «جونسون» للفضاء التابع لـ«ناسا»، حيث تتابع النساء الأربع تدريباتهن، بعد أن وقع الاختيار عليهن من قبل وكالة الفضاء المركزية الأمريكية، ليكنّ من بين المرشحين للانضمام إلى الرحلات الفضائية المقبلة. يجمع بين الشابات الثلاثينيات التفوق العقلي، والكفاءة الجسدية، والتعليم المتميز، والأهم أنه يجمع بينهن حلم اكتشاف الفضاء، وهو حلم قد يتحقق قريباً، مع احتمال أن يكنّ ضمن أول فوج ينطلق في أول رحلة مأهولة إلى كوكب المريخ.
نلمح أنبوب أوكسجين يطفو على سطح المسبح الأولمبي، وبعده تظهر غطاسة تعتمر خوذة، وترتدي زياً أبيض، إنها آن ماكلين، رائدة فضاء تعمل في وكالة «ناسا»، وتتدرب تحت المياه في بزة فضائية، كي تكون على استعداد لرحلتها التي ستشاركها فيها زميلاتها الثلاث. تتمثل المهمة اليومية لآن، التي ستؤديها عند انطلاق الرحلة، في تغيير الكاميرات المتوقفة، أو التي تعرضت لعطب ما، وإصلاح الأسلاك الكهربائية بين اثنتين من الوحدات الأسطوانية الضخمة المرتبطة بالقاعدة المركزية. ويتبع آن غطاسان يقومان بتصويرها من جميع الزوايا، وعلى بعد بضعة أمتار نحو الأعلى، يتم عرض الصور على شاشات عملاقة في غرفة التحكم، ليقوم بفحصها عشرات الخبراء بصمت.
الرواد الجدد
بعد 6 ساعات من التدريب تصعد آن إلى السطح، يساعدها آخرون على نزع خوذتها وقفازاتها، ثم لا تلبث أن تخرج من بزتها الفضائية التي يبلغ وزنها 200 كغم، وتقوم ببعض الحركات لإرخاء عضلات ذراعيها المنهكة.
وآن ماكلين هي واحدة من أحدث المجندات من قبل وكالة «ناسا»، فكل ثلاثة أو أربعة أعوام، تختار الوكالة رواد فضاء جدداً. وفي العام 2013، اختارت«ناسا» ثمانية رواد من أصل 6300 مرشح، كان منهم وللمرة الأولى أربع نساء، استطاعت مجلة «باري ماتش» مقابلتهن ومتابعتهن خلال التدريبات، وهن جيسيكا ماير، وآن ماكلين، وكريستينا كوش، ونيكول مان.
هؤلاء النسوة الثلاثينيات بينهن أمر مشترك، يتمثل في قدرتهن العقلية وكفاءتهن الجسدية، إلى جانب تعليمهن المتميز، فنيكول مان تخرجت في جامعة «ستانفورد» المرموقة، قبل أن تلتحق بالبحرية، وتشارك في بعض العمليات في العراق. أما جيسيكا ماير فهي باحثة في جامعة «هارفارد»، حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم الأحياء البحرية. في حين أن كريستينا كوش تحمل درجة الماجستير في تخصصات مختلفة: الهندسة الميكانيكية والكهربائية، والعلوم الفيزيائية، والرياضيات، من كلية «راليج» بولاية نورث كارولينا. وآن ماكلين طالبة سابقة في مدرسة «ويست بوينت» العسكرية، بالولايات المتحدة.
الفتيات يحلمن بالفضاء
ويتم اختيار الفائزين الذين تقبلهم وكالة «ناسا» كرواد فضاء، وفقاً لقدرتهم على العيش كفريق واحد، منقطعين عن عائلاتهم وأصدقائهم لمدة طويلة. ومنذ ثلاث سنوات تحلم آن بأن تكون رائدة فضاء، تقول: دائماً كنت أرى أنه قدري.
وتردف زميلتها جيسيكا: نحن لا نختار الذهاب إلى الفضاء، ولست أدري لماذا كانوا ينادونني «فتاة الفضاء» عندما كنت صغيرة. ولدت جيسيكا في كاريبو، وهي قرية في ولاية ماين شمال أمريكا، وكانت تمضي ساعات طويلة في حقل مفتوح تنظر إلى السماء، لا سيما في الليالي المعتمة. والدها طبيب محافظ نوعاً ما، ولذا كان يعتبرها فتاة حالمة.
أما عن كريستينا فكانت تعلق على جدار غرفتها سفن الفضاء، والملصقات جنباً إلى جنب مع فرقة الروك المفضلة لديها new kids on the block. وهي لا تنسى ذلك اليوم من شهر أغسطس/آب 2013، عندما رن هاتفها الساعة السادسة والربع صباحاً، وسمعت صوتاً يقول لــها إنه من وكالة «ناسا». في ذلك الوقت، كانت كريستينا تعيـــش في جزر الساموا في المحيط الهادئ، حيث كــانت تدير مرصداً تابعاً للوكالة الأمريكيـــة للمحيطات. كانت كريستينا مقتــنعــــة أثناء المكالمة الهاتفية، أن المرأة التي تخاطبها على وشك أن تقول لها إنها رفضت، فوجهت إليها الشكر على عناء الاتصـــال بها، ولكن صوت المرأة جاء ليقول: «انتظري يا سيدتي، أنت مدعوة للانضمام إلينا». وعندما أقفلت الهاتف، ظنت كريستينا أنها تحلم، تقول: استغرق الأمر مني ساعة قبل أن أدرك ما أنا فيه، وبدأت دموع الفرح تنهمر من عيني.
الأمازونيات الأربع
اليوم تسكن أمازونيات الفضاء الأربع بالقرب من مركز «جونسون» الضخم للفضاء، على بعد نحو ساعة من هيوستن، مع أزواجهن وأطفالهن. وهن يعملن معاً ويلتقين أيضاً في كثير من الأحيان في عطلة نهاية الأسبوع. وتشبه تجربة التدريب في مركز «جونسون»، تجربة العيش على كوكب آخر، وتبلغ مساحة المركز أكثر من 600 هكتار، وهناك على مساحات كبيرة حظائر للصواريخ، وسفن الفضاء، وغيرها من الأجهزة، مثل تلك المركبة ذات الاثنتي عشرة عجلة، التي تسير في جميع التضاريس وتدعى مركبة استكشاف الفضاء مع مقصورة الضغط، وهي قادرة على حمل اثنين من رواد الفضاء على متنها وتجاوز أي عقبة. وبمجرد ارتداء بزة الفضاء، يمكن للمتدربات الجدد اكتشاف مباهج الحياة في حالة انعدام الجاذبية، أثناء التحليق الدوراني الذي يحدث على متن طائرة كبيرة ترتفع عالياً في الهواء، وفي المقصورة الفارغة، تختفي الجاذبية خلال السقوط الحر للطائرة كما يحدث في الفضاء.
تقول نيكول: في المرة الأولى التي قمنا فيها بإجراء التجربة، كان شعوراً لا ينسى، فقد كنا نرتد مثل كرة التنس ونفقد السيطرة الكاملة. ولكن بعد ثلاثين ثانية، تعيد الطائرة تشغيل المحرك، وفي الداخل يحدث اهتزاز قوي، وتعاد التجربة عشرين مرة. إنه أمر مرهق بالفعل.
الاستعداد للرحيل
وتستعد كل من كريستينا وآن وجيسيكا ونيكول للرحيل إلى الفضاء قريباً، وفي العام المقبل، سوف يتم اختيار واحدة منهن للوصول إلى متن محطة الفضاء الدولية، لتحل محل واحد من اثنين من رواد الفضاء الأمريكيين اللذين يقيمان حالياً على متنها. لكن الحلم الذي يراود هؤلاء المجندات الشابات، هو المريخ، إنه المشروع الحالي الأكبر لوكالة «ناسا». فالروبوتات التي أرسلت قبل ذلك اكتشفت وجود الماء، وبالتالي فالحياة هناك ممكنة. وما يعزز ذلك الحلم لديهن، هو ما قاله لهن تشارلز بولدن، مدير وكالة «ناسا»: ربما تكنّ أول من يذهب إلى هناك. ويتوقع بولدن انطلاق الرحلة المأهولة الأولى خلال خمسة عشر عاماً، وهي فترة قريبة جداً على المستوى الفضائي؛ إذ تبلغ تكلفة أقل برنامج عشرات المليارات من الدولارات، ويستغرق عقوداً ليتحقق.
وبما أن هؤلاء النسوة لم يزلن في سن الشباب، فلديهن فرصة كبيرة ليكن جزءاً من المهمة الأولى التي ستتوجه نحو المريخ. وهن في الوقت الراهن، يساهمن في التطورات العلمية، التي من شأنها المساعدة كي يرى المشروع النور. تقول جيسيكا: العمل الذي نقوم به على متن المحطة الفضائية الدولية، هو جمع المعلومات التي ستسمح لنا غداً ببناء أجهزة أكثر قوة، ومتلائمة للغاية مع البعثات الفضائية على المدى الطويل. وتضيف: المريخ يبعد عن الأرض نحو 228 مليون كم، والذهاب إليه يستغرق ستة إلى تسعة أشهر، كما أن الإقامة عليه ستستمر إلى سنتين وربما ثلاث سنوات، في طقس بارد جداً يبلغ 60 درجة مئوية تحت الصفر. ولا شك في أن غزو «الكوكب الأحمر» هو مغامرة بعيدة بجميع المقاييس، مع كل ما تم عمله حتى الآن في مجال الفضاء.
أما آن، التي كانت خرجت للتو من تدريبها في الحوض الكبير في مركز «جونسون» للفضاء، فترى الأمر بشكل فلسفي، تقول: من الفضاء، تختفي الحدود، والشيء الوحيد الذي ترونه هو هذه الأرض الوحيدة التي تتلاشى فيها من بعيد جميع الأعراق والألوان والأديان، لذا آمل أن تساهم هذه المغامرة الإنسانية على سطح المريخ، في مساعدة أبناء الأرض على أن يفهموا بأنهم أقرب بكثير إلى بعضهم بعضاً مما يعتقدون.