يقول جمال الغيطاني في رواية رنّ الجزء السادس من ملحمته دفاتر التدوين التي فازت بجائزة الشيخ زايد للآداب في دورتها الماضية: لطول ما تقلبت بين الأزمنة والبقاع اكتسبت أموراً وفارقت أخرى. الرواية رحلة رمزية بامتياز تذكرنا بحي بن يقظان لابن طفيل وإن كانت تختلف عنها في الانفتاح على أسئلة مغايرة وأمكنة مختلفة وتراث طويل يركن اليه الغيطاني يتقاطع بداخله الفلسفي بالجمالي بالجغرافي والمعماري بالسينمائي لينفتح أمامنا عالم متعدد الثقافات يبوح بأسئلته الخاصة.

هكذا يظهر السؤال ويحل، غرض الغيطاني من روايته/رحلته السعي الى اكتمال السؤال، أي سؤال، يقول كل تحقق يتبعه شك، هكذا يظهر السؤال ويحل، السؤال كيان مكتمل، الجواب أياً كان ناقصاً، إنه مفتتح طريق، بداية سعي. الرواية رحلة لراوٍ يتجول بين المدن، مسعاه الأساسي مدينة أخميم في صعيد مصر، الهدف غير واضح، ربما للتعرف على معنى كلم رن والتي لا يفصح عنها أبداً، كلما يقترب القارئ من تحقق المعنى تتكاثر الدلالات وتتزايد علامات الاستفهام.

الراوي/الغيطاني، الصوت المتكلم في الرواية بضمير المتكلم ربما لتحقيق تقنية كلاسيكية في السرد ونعني بها خلق حميمية خاصة بين القارئ ونصه أو ربما ليعبر السارد عن اشواقه وهواتفه والمطلع على إبداع الغيطاني خلال السنوات الماضية سيلاحظ تلك اللغة المغرقة في تراث التصوف الإسلامي والتي تكتسب تناصاتها مع الثقافات الأخرى عبر انفتاح هذا التصوف نفسه على مدارات أخرى وآفاق عدة.

المتكلم في رن يتحول كثيراً خلال السرد الى الغيطاني نفسه وبإفصاح صريح عن نفسه يقول عن نفسه أماكن شتى حللت بها، عبرت بعضها، لم أمكث بها إلا الوقت اليسير اللازم لعبورها، أقمت في بعضها مدداً انقضت عني، فارقت أخرى بلا أي أمل في عودة، لكن كلها لزمتني بدرجة ما، بقي منها عندي جزء من طريق أو ناصية، مدخل مؤد، جزء من درج، لون طلي به باب، لافتة لمحطة قطار، بقايا ظل، أعمدة برق.. إلخ نحن أمام سرد المنمنمات المكثف الذي لا يختصر العبارة للتعبير عن المكان ومفرداته فحسب بل يطرح أفكاره الكبرى في عبارات اشكالية. تعلق في الذاكرة.

رحلة اخميم الملغزة الهادفة الى التعرف الى منطلق الديانات والمعارف القديمة يتقاطع بداخلها الماضي بالحاضر، الراوي يرصد تغيرات المدينة في مصر المعاصرة، يقف أمام البيوت والحجارة، تعبر ذاكرته معلومات عن الحجاج المغاربة والذين كانوا يتوقفون في المدينة أثناء رحلتهم الى مكة المكرمة، أثناء العودة ربما يكملون الرحلة الى المغرب الأقصى أو يستقرون في المدينة، الكثير منهم من المتصوفة، يبنون الخانقاوات وأماكن التعبد ويصنعون سيراً خاصة بهم يختلط فيها الحقيقي بالأسطوري.

ولكن لماذا اخميم بالذات؟ يخبرنا الراوي أنها تحوي المدونات الأخميمية وبها الاسماء الحاوية، المتضمنة لنصوص المعارف والأحوال والوقائع السارية من عصر الى عصر ومن موضع الى موضع نصوص يوردها الغيطاني كسارد تتحدث عن ايزيس واوزوريس وست، هرمس مثلث العظمة، ذو النون المصري، محيي الدين ابن عربي.. الخ، اشارات الى أزمنة سحيقة أحياناً ووسطى في أحيان أخرى، ما من حدود بين هذه المعارف يقول في لغة اشارية ما من قياس، الشيء مثل الشيء، الأمر جلي انتفاء الاسماء. من لا اسم له، لا حضور له، عبارة اينما وليت الوجه تقتفيني، تتكرر مرات، أحياناً تبدو مفردة، قبلها فراغ، يليها خواء، أطالعها في فراغات اخميم، على أبواب البيوت، في سدى ولحمة الحرير الشهير الذي حيرني ويثير عندي السؤال تلو الآخر، من أتى بدود القز الى أخميم، متى؟ ايهما اسبق؟ الصين أم أخميم؟.

سيمائيات

الهدف ليس ميتافيزيقياً وحسب ولكنه معرفي ايضاً، بخلاف وحدة الروح والمعتقدات الإنسانية هناك معرفة مشتركة في اللاوعي بين البشر. هل يقصد الغيطاني اللاوعي الجمعي كما ذهب يونج؟ من أخميم الى حضرموت الى بلاد بونت مروراً بسوقطرة ونيسابور وبخاري.. الخ يتوقف الغيطاني أمام النمط المعماري ويقرأه كنص مكتمل الشفرات يذكر واقعه لشخص غريب زار القاهرة رسم لوحة تعبر عن تجليات غامضة لم تكشف أسرارها حتى الآن، في كل تلك المدن وعبر تقاطع الجغرافي بالتاريخي يلحظ الراوي أن هناك ومن خلال سيمائية المعمار رغبة انسانية دفينة للعروج الى الأعلى يقول ما من عمارة إلا وتتضمن مناجاة لا تبين، تنتقل من عصر الى عصر، من وقت الى وقت، من بشر الى بشر، ما ينقص فقط اكتشافها أو ما يطلق عليه معراج الحجر.

يخبرنا مسار الرواية أن النصوص المكتوبة على شاكلة رن تخرج بين مسارات عدة، وتصوغ جمالياتها ليس عبر تقنيات اللغة واللعب عليها أو تداخل الزمان والمكان فحسب ولكن ايضاً عبر هدف لا يفصح عن نفسه أبداً وفي هذا الإطار نلمح شخصيات غرائبية لا تقتصر في رواية الغيطاني على حكايا المتصوفة ولكنها تمتد كذلك الى شخصيات أخرى.

الغيطاني نفسه في الرواية شخصية غرائبية تسير الى اخميم على القدمين يلزم البر الغربي للنيل، يتأمل الصحراء، يورد حكايات عن الأديرة والرهبان في الصحراء الغربية، يتجول في لحظات تأمله في المدن الفرعونية المطمورة تحت الرمال، تحدوه الرغبة في ازاحة هذه الرمال للكشف عن مسلات التوحيد المصرية القديمة، ينتقل الى الحاضر يبصر بوعيه الصحراء ومخاطرها، الجبل في الصعيد والذي يمثل في الذاكرة الشعبية في مصر مأوى للمجرمين المطاريد، الهاربين من الشرطة أو الثأر أو الاحتلال الانجليزي، في النصف الأول من القرن العشرين، لا يصحبه أحد في السير يتمنى التقشف، يتذكر الزهاد في اسمالهم البالية، يحلم أحياناً بلدغة ثعبان.

يصنع الراوي من نفسه شخصية تكابد الهواتف على مستوى الحلم، وتعاني مخاطر الصحراء في الواقع، العالم كله يمر إلينا من خلال بصيرة الراوي يستعيد مقولة جلال الدين الرومي لا تسأل عن المركز، أنت المركز. شخصية أخرى لامرأة غجرية سكنت في زمان غير محدد مع قومها بجوار اخميم فجأة تترك زوجها وطفليها وتغيب لتعاود الظهور وهي تتحدث باللغة الهيروغليفية.

لا يبقى للسارد في النهاية عبر التجوال ومتعة أسطرة مدارات التاريخ والجغرافيا إلا التماس مع هدفه الأساسي المعارف القديمة الحاوية لكل الاسماء، كل الاسماء كانت عند علماء مصر القديمة، عندما تعرضت مصر لأبشع عملية غزو وتدمير على أيدي الفارسي قمبيز جمع الحكماء اللفائف والتماثيل والتفاصيل والاشارات ووضعوا كل هذا في صندوق ضخم وقاموا بإخفائه ونظموا لذلك ليلة مكرسة لايزيس.

يحضر الراوي هذه الليلة ويقول في ختام سعيه تلك الليلة احضرها راقداً رغم الفارق الزمني، يداي على صدري، علامة التسليم، منها تفرقت الحروف والألوان وسائر المكونات، في أي لغة أو منطوق، أي لغة أو لهجة، أو نظرة أو إعادة، في كل وتر يرف، في تفرقها عدمي وفي التئامها اكتمال الاسم، أي سعيي.

تنتهي الرواية بما يشبه الموت غير المؤكد، رحلتها الرمزية ومنمنماتها تفضي إلى هدف يؤكد اضطراب الروح أحياناً أو اشواقها لاكتمال السعي في أحيان أخرى، البحث عن مراقد واضرحة المتصوفة والزهاد. وتأملات السارد حولها يفرض علينا إعادة مقولة سقراط: الفلسفة انشغال بالموت وتذكرنا ربما كل أعمال الغيطاني الأخيرة بمقولة لابن طفيل في حي بن يقظان: ومازال حي يطلب الفناء عن نفسه والاخلاص في مشاهدة الحق، حتى تأتى له ذلك.

إبداع الغيطاني مربك ويحتاج لأكثر من قراءة خاصة ونحن نلاحظ أنه الأكثر اخلاصاً للتراث العربي والإسلامي بين الحداثيين العرب، هذا التماهي مع التراث لا يتوقف على مستوى اللغة والموضوع وحسب، وانما بإمكاننا أن نلمح مدارات هي اشبه بأسلوب زخرفي يعتمد عى وحدات صغرى تتكامل في تكوين متناغم، كثيراً ما نصادف مقتحمات سردية تتكون من نصوص تنتمي لفضاءات كثيرة، نصوص ذات دلالة كأنها وحدات متناثرة على لوحة النص بينها انفصال واتصال في الوقت ذاته أو روح تبحث عن خلاصها أو اكتمال رحلتها كما عبر هو في نهاية رن.