من هنا ندرك أن المفهوم الأدق للحداثة الفنية يستند إلى كونها (العمل الفني المكتمل والمفتوح) على احتمالات التفاسير، وهذه بالمفهوم المطاطي للمعنى، قابلية استنتاجية تجعل العمل طاقة متحوّلة باستمرار، ومتطابقة في حالات كثيرة مع العالم المتسارع الذي يعيشه الإبداع بأشكاله العديدة، سواء أكان إبداعاً هندسياً أم سينوغرافياً أو متعلقاً بأنظمة الكمبيوتر وبرامجها، ناهيك عن إبداعات النحت والرسم والتكوين .
هنا نحيل أو نرجع الأمور التفسيرية للحداثة بالذات، إلى المتلقي، لكننا يجب ألا نهمل طرفين آخرين هما الأساس في هذه المعادلة، ونقصد بهما مبتكر العمل الفني المفتوح أي الفنان، والعمل الفني المفتوح ذاته .
يرتطم وعي الفنان المشحون بنية الخلق الإبداعي، ببياض إيجابي رهيب هو مسطح العمل الذي ينوي تحويله إلى سطح تصويري متشكل بما لم يسبق أن شكّله واحد من قبل، وهنا ستكون المعادلة قائمة على (بياض إيجابي) مقابل (نية مضمرة) لاغتيال هذا البياض بواسطة قوى لونية أو خامات تأليفية .
وغالباً ما تتجلى النوايا وينكشف القصد بالحركة الأولى أو بالخطوة الأولى (فما بين النية والتوجه ينكشف القصد) كما يقول أهل التصوف أيضاً .
الحركة الأولى على البياض هي بداية المشروع التنفيذي للعمل الفني، حيث تتشعب طرق لا حصر لها، وتتموضع خيارات كثيرة للغاية . ولكن فرادة المبدع الذي يشتغل منذ الوهلة الأولى على قاعدة العمل الإبداعي المفتوح، تتجلّى بأن يؤلف ما ليس له سابق، وليس له من شبيه، إنه ليس مشروع رسم وتشكيلاً وصفياً، بل هو تعبيري حاذق يتخطى باتجاه حالة اختراع الجديد، وليس (كشط) جلد الزمان عن المضمور وكشفه، أو إعادة تكوين وتجميل ما سبق وكونته الطبيعة .
يسعى الفنان وهو يجتهد لينجز العمل الفني أن يدهش المتلقي، أن يدفعه إلى شتى التفاسير والتأويلات، فالرهان الآن اصبح (مضموراً) في صلب العمل الفني المفتوح الجديد، ومعلقاً بتعدد وعمق الاستنتاجات التي يقدمها المتلقي .
ينجح (صياد الدهشة) كما ينجح كاتب النص المدهش عندما يتحدث عن قراصنة متوحشون يعتدون في هذا العصر على زرقة البحر وحركة أمواجه . التشكيل والفن العالمي بأوشامهم الخاصة، بقي مقتصراً على عمل فني أُحادي مثير، فيما القلة هي التي قدمت مشروعاً فنياً مفتوحاً، أسس أبعاداً جمالية لا يزال العديد من المفسرين الجماليين يطبقونها على مسيرة حياتهم .
إن الذهاب بالعمل الإبداعي المفتوح إلى الجانب (التجريدي) من المعالجة الفنية المعاصرة، إنما يهدف إثارة قراءات جديدة ومغايرة للمشهد الخارجي عبر العمل الفني، ولكن شريطة انطلاق هذه القراءات من أفكارنا المعمقة لعالم الصورة . والانتهاء بهذا البحث المعمق إلى عالم الأفكار بتفسيراته العديدة والمتشعبة .
لهذا ستبدو حاجة القرن الحادي والعشرين إلى التجريد عبر العمل الفني المفتوح مرتبطة بالظاهرة المميزة للنشاط الإبداعي المتصاعد الذي انطلق في القرن العشرين، علماً ان التجريد لم يكن أصلاً ذلك البرنامج الخاص لجماعة معينة، بل هو تعبير عن اتجاه عام، وعامل مشترك لمحاولات خاصة قام بها عدد كبير من الفنانين، وقد تهيأت لهذه المحاولات ظروف اجتماعية محدودة ونمط جديد من التفكير وتبدّل عميق في الرؤية الفنية، يضاف إلى ذلك التطور الفني الكبير الذي سبق وأسهمت فيه اتجاهات فنية كبيرة مهدت السبيل للوصول إليه، كالانطباعية والوحشية والتكعيبية والدادائية والسوريالية وغيرها .
لقد بزغ زمان اللوحة المفتوحة وتجلّى الاتجاه التجريدي في اللوحة المفتوحة عبر تيارات واجتهادات عديدة، كان القاسم المشترك بينها هو منح العمل الفني تفسيرات لا تحصى، وإقامة حوار مفتوح بين الفنان والمتلقي، وقد عملت وفقاً لهذا الاتجاه مدارس تجريدية عديدة كالمستقبلية والتشكيلية الجديدة عند بت موندريان، والبناءوية الروسية، والتفوقية مع مالفيتش، وحركة دوستايل الهولندية ودراسات كاندينسكي، وحركة جماعة كوبرا الهولندية، والأوب آرب والفنون الحركية وغيرها .
إن اللوحة المفتوحة التجريدية هي البوابة التي تمرّ منها حركة التطور الإبداعي الفني التشكيلي، لذلك أُعلن اختلافي مع الذين يرون التجريد معزولاً عن اللوحة المفتوحة، ويصغرونه إلى مستوى الظاهرة، فيما هو تيار الضرورة، وهو مرتبط بتطور عالم الحركة والسرعة واتساع المسافات التي يسيطر عليها الكائن الإنساني اليوم، حيث هذا الكائن المفسر يتعامل مع فضائه الخارجي كما يتعامل مع كتاب مفتوح قابل للقراءة، لأن العالم بات قابلاً للكشف، والعمل الإبداعي المفتوح يبقى مفتوحاً على شتى التفسيرات .