الإساءة اللفظية للأطفال أقوى من العقاب الجسدي، لما تتضمنه من سخرية واستهزاء وأكدت دراسات أنها تحدد ملامح شخصية الطفل، وتؤثر في تنشئته النفسية والاجتماعية، وتولد لديه الحقد والكراهية، ويتحول إلى شخص غير سوي، خطر على نفسه وعلى المجتمع .
أحمد الشيبة المستشار النفسي والتربوي ورئيس مركز الخليج العربي للاستشارات التربوية يؤكد أن الاعتداء الجسدي على الأطفال سرعان ما يذهب أثره، في حين أن السب يعتبر جرحاً للروح، من الصعب أن يلتئم، لافتاً إلى أن الكلمات السيئة أثرها سلبي دائماً لأنها مباشرة وتؤثر في الحالة النفسية .
وأوضح الشيبة أن العدوان اللفظي من أفظع الأمور ويجعل الطفل يرى صورته مشوهة ما يدفعه لأخذ صورة سلبية من والديه، وهي صورة يعتبرها مشوهة لذاته، مما ينعكس على سلوكه، فنجده مع الآخرين كما يتصرف معه الأهل .
وأكد الشيبة أن العدوان اللفظي يفقد الطفل الإيجابية، ويجعله يتساءل ما الذي يحدث معه بالضبط، لأنه يركز على السب والشتم ولا يفهم السب ولا العيب الموجود عنده، ويجعله غير قادر على التركيز، ويحوله إلى عدواني، مشيراً إلى أن الأهالي الذين يشتكون دائماً من شقاوة أولادهم سلوكهم في الأصل يعتمد على الضرب والسب .
وعن أهمية ثقافة الوالدين وتأثيرها على أسلوب التربية أوضح أن ليس لها دور لأن المتعلمين لا يتعلمون كيف يكون تعاملهم مع أولادهم، مشيراً إلى أن الأمر يعتمد على الثقافة المجتمعية .
وأضاف أن ضغوط الحياة ليست السبب في تحول الأهل إلى شتامين لأطفالهم لأن الجميع يتعرض لذلك، وتكمن المشكلة في كيفية التعامل مع أطفالنا، وليست البيئة هي التي تضغط علينا، والإنسان هو الذي يقرر هل هو قادر على التعامل مع هذه الضغوط الحياتية أم لا؟ لافتاً إلى أن الإيجابية تكون في التعامل الذي يخفف ضغوط الحياة .
وقال الشيبة إن معظم الآباء يصنعون أنفسهم مختارين في قائمة الناقدين للأطفال ويرددون عبارات مثل لا أحب ذلك أو يجب أن تتصرف على هذا النحو، مشيراً إلى أن هذه المواقف تكشف عن تشبث الطفل بطريقته الخاصة في الحياة، ما يسبب للآباء خيبة أمل، ويعتقدون أن الطفل عنيد لدرجة لا يصدقها أحد، وإذا ما طلبت منه عمل شيء فإنه يفعل العكس تماماً، ومع ذلك فإن استحسان الشخص المحبوب لشيء ما من حين لآخر مثل هذا جيد، أو هذا لطيف يعد مكافأة لا يستطيع طفل أن يقاومها، وتؤثر تلك اللهجة في تبديد القنوط والكدر، لافتاً إلى أن الطفل محل سلوكه الأصلي وهنا ندفع للطفل ضريبة قولنا إنه يتعلم آداب السلوك وسيتحسن في المستقبل ومع ذلك فإن قيمة الحب في هذا التعليم أعمق من ذلك لأن الطفل لا يتعلم فقط ولكنه يتعلم عن حب .
إيمان عبدالله المرشدة النفسية بجامعة الشارقة تقول الإساءة اللفظية عبارة عن تدمير للطفل وقدراته الكامنة دون أن نشعر، لأنه يعتمد على شخصيته وسلوكه ويستقرئ وجهة نظر الآخرين عن كل شيء يفعله، مشيرة إلى أنه إذا كان رد الفعل عليه سيئاً فإنه لن يتوقف عن فعل الشيء نفسه، أما إذا كان فعله للشيء جيداً وكان رد الفعل جيداً فإن الطفل ينجذب للأسرة التي تستطيع في تلك الحالة تعديل سلوكه .
وأضافت: الطفل دائماً لا يخبر الوالدين بأنه سيفعل سلوكاً خاصاً به عند قيامه بفعله، وينتظر رد الفعل وتكون قدراته كلها يقظة لأنها تمكنه من استقرار تعبيرات الوجه عند الأب والأم مثل تلك الحالات، موضحة أن استمراره في فعل الشيء نفسه، غير المرغوب فيه من قبل الأسرة قد يرجع إلى المعاندة أو الجهل أو الطيش، وقد يكون حباً في فعله، بغض النظر عن وجهة نظره في ذلك، لكنه يتوقف عن فعل هذا الشيء بالحب الذي يجد عند والديه، في حين أن تخويفه ونعته بألفاظ نابية لن يثنيه عن التوقف . ولفتت إلى أنه كلما كانت الأم والأب بالقرب من الطفل يشعر بالطمأنينة ويخشى من اتيانه بسلوك يغضبهما لأنهما يتبعان معه أسلوب الحياة والتلطف مع الإقناع ويخاف أن يفقد هذا الحب، موضحة أنه إذا كان الطفل أكثر ميلاً للقناعة العقلية على الأبوين أن يزيد من الإقناع، وإن كان يميل إلى العاطفة يفعلان الشيء نفسه .
د . أسامة عبدالباري أستاذ علم الاجتماع المشارك بجامعة الشارقة يرى أن تكرار جمل وعبارات تحمل الإساءة للأطفال داخل الأسرة، وأخطر ما في تلك الجمل ما يقال دون وعي بآثارها السلبية التي تقع على الأبناء والتي قد تكون سبباً من أسباب انحرافهم أو أمراضهم النفسية، أو فشلهم في حياتهم وقلة ثقتهم بأنفسهم، مشيراً إلى أن تلك الجمل محصورة في غبي وكذاب وحيوان، بجانب إطلاق ألقاب لا تليق بالطفل .
ونوه بأن الأسر تلجأ إلى ذلك للتخفيف من غضبهم وتوترهم وأحياناً تخرج منهم الألفاظ كردة فعل مباشرة على سلوك الطفل متجاهلين تأثيرها الخطير عليه، متفقاً على أن الإساءة اللفظية تحمل إهانة للصغير وتجعله يتصرف مع الآخرين خاصة رفاقه بالطريقة نفسها، مما يجعلهم يرفضونه، ويبقى وحيداً في عزلته، وهي العزلة التي تفقد الشعور بالانتماء إلى الأسرة والمجتمع .
د . فاطمة العامري تخصص علم نفس إرشادي في جامعة الإمارات تؤكد ضرورة معرفة الآباء والأمهات بالعبارات الممنوعة التي يستخدمها معظمهم مع الأطفال وتضر بنموهم النفسي والاجتماعي، كأن يقول أحد الأبوين لطفله لم أعد أحب أو أنا أكرهك ما يترك مدلولاً نفسياً خطيراً على الطفل .
ولفتت إلى ضرورة عدم تكرار فلان أفضل منك أو يجب عليك أن تطيع الأكبر منك أو أنت كسول أو إن لم تنم فسأحضر الطبيب يعطيك حقنة أو إن لم تهدأ سآتيك بحيوان ليأكلك، موضحة أن الأسرة تقضي بذلك على طفلها دون أن تشعر .
العقاب مطلوب بشروط
د . هالة فخري استشارية الطب النفسي تؤكد أن الإساءة اللفظية تتوقف على من يقولها، وعلى الموقف الذي يأتيه الطفل مثل الفعل العابر في حالات المزاح، مشيرة إلى أن الخطورة تكون في الفجائية التي يوصف فيها الطفل بأنه غبي، أو حيوان، إلا أن ذلك يعتمد على شخصية الطفل، وهي هو مهيأ لقبول الإهانة أم لا؟ موضحة أن الإهانة اللفظية لا يظهر تأثيرها إلا متأخراً، لكن للأسف الشديد لا أحد من الوالدين يلتفت إلى ذلك أبداً، بدليل وجود حالات عديدة تعاني من تلك الإساءة حتى ولو كانت إيجابية .
وتضيف: التشجيع في حالات الدراسة سواء كان من المعلم أو أحد الوالدين يكون له تأثيره الإيجابي في شخصية الطفل، ويساعده في تحقيق طموحه، لافتة إلى أن ذلك يكون خطوة إيجابية في مرحلة المراهقة .
وتفرق فخري بين الأسرة محدودة الثقافة والمثقفة، مؤكدة أن الأسرة محدودة الثقافة أهدأ في تربية الأولاد، لأن مسؤولياتهم أقل ولديهم الوقت، بخلاف المثقفين أصحاب الأعمال العديدة الذين يصابون بالقلق والتوتر ويكون طلبتهم مع أولادهم النجاح فقط، على اعتبار أن الطفل خلق للعلم، وهي حالة لا بد من التوقف عندها، ونسأل تلك الأسرة: هل استطاعت أن تصل بالطفل إلى النجاح بإمكاناته فقط، أم أن هناك عوامل أخرى؟
ولفتت إلى ضرورة تحديد الأسرة أولويات خاصة بالطفل، من بينها إلى أي مدى تريده أن يصل، رافضة أسلوب عدم ضرب الطفل أو عقابه لأن هناك أطفالاً يتعلمون بالنصيحة أو الكلام، بل يعتمدون على التعليم الشرطي، مشيرة إلى أن تربية الطفل بالضرب أو الكلام في بعض الحالات ليس فيها إهانة بشرط عدم ضربه على وجهه، والاكتفاء بالضرب الخفيف على ظهر اليد .
وطالبت بضرورة وضع خطوط حمر إذا كنا جادين في تنشئة أطفال أسوياء عن طريق الوضوح في الأمور مثل عدم تعليم الطفل الكذب بطريقة غير مقصودة، تحت زعم أنها كذبة بيضاء .