انطلقت قبل أيام فعاليات المونديال العالمي التاسع عشر لكرة القدم في جنوب إفريقيا، وسط حماس جماهيري كبير لمشجعي اللعبة الأشهر عالمياً، واكتست شوارع المدن والقرى حول العالم بألوان وأعلام قمصان الفرق المشاركة، وعلى الرغم من أن الكثيرين يعتقدون أن صخب أصوات الفوفوزيلا العالية وانعدام الأمن وانتشار جرائم السرقة، أكثر
ما قد يهدد نجاح كأس العالم، فإن الباحثين ستيف هاكي وسايمون تشوبين من جامعة أكسفورد كتبا مقالاً بالعدد الأخير لمجلة نيو ساينتست العلمية، حددا فيه مخاطر أهم بكثير من السابقة، ومن المرجح أن تكون العامل الحاسم في تحديد البطل الذي سيتوج بالكأس ويتربع على عرش الكرة العالمية السنوات الأربع القادمة .
أعاد الباحثان طرح فكرة سابقة حول تأثير لعب المباريات بمناطق ترتفع كثيراً أعلى سطح البحر، وهو الأمر الذي حسمته الفيفا منذ عام 2007 عندما أقرت عدم أداء مباريات دولية بمناطق يزيد ارتفاعها على 2500 متر فوق سطح البحر، لكن الجديد الذي تم طرحه، هو ليس فقط التأثير الجسدي في اللاعبين الذي ينعكس بالإرهاق البدني السريع وبعض نوبات الصداع، وعدم القدرة على التنفس، لكن هذا التأثير سيمتد ليشمل سرعة الكرة التي ستتحرك بمعدل أسرع نتيجة انخفاض كثافة الهواء بالمناطق المرتفعة عنها بتلك التي على مستوى سطح البحر، وهو ما يستدعي تكتيكاً مختلفاً للفرق التي ستؤدي مبارياتها في استادات بمناطق مرتفعة، ويزيد الأمر أهمية إذا عرفنا أن أداء اللاعبين سيتعرض لبعض التراجع نتيجة لاختلاف المدن التي سيؤدون بها مبارياتهم ما بين مرتفعة ومناسبة لسطح البحر .
والأهم من ذلك كله أن هذا المونديال يأتي بعد 24 عاماً على مونديال المكسيك عام 1986 وهي آخر دولة استضافت كأس العالم وتماثل أجواؤها أجواء جنوب إفريقيا، من حيث الارتفاع عن سطح البحر، وكانت الدولة الفائزة به وقتها هي الأرجنتين، التي يمتاز لاعبوها باعتيادهم اللعب بهذه الأجواء، لذا رجح الباحثان أن يكون الفريق الفائز هذا العام من دول أمريكا الجنوبية التي لن تواجه فرقها المشكلة بالحدة نفسها التي قد تعترض أداء منتخبات أخرى مهمة، مثل ألمانيا وأسبانيا وإنجلترا .
كانت مشكلة اللعب على ارتفاعات كبرى فوق مستوى سطح البحر ثارت في فبراير/ شباط ،2007 عندما تقدم فريق فلامنجو البرازيلي بشكوى إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد مباراته بكأس أمريكا الجنوبية التي لعبها ضد ريال بوتوس على استاد الإنديز في بوليفيا، الذي يقع على ارتفاع 4000 متر فوق سطح البحر، ووسط أمطار غزيرة، تأثر بسببها أداء الفريق وانتابت لاعبيه حالات دوار وصعوبة بالتنفس، وعلى الرغم من نجاحه بالخروج متعادلاً بهدفين لكل فريق فإنه أعلن في شكواه للاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا عدم أدائه مباريات بهذا الاستاد مره أخرى .
وتعاملت الفيفا بجدية تامة مع شكوى الفريق البرازيلي الأشهر بين فرق أمريكا الجنوبية، وقامت باستدعاء عدد من الخبراء في مجال بيولوجيا الطب الرياضي إلى مؤتمر موسع عقد بمقر الاتحاد في مدينة زيورخ السويسرية، للتباحث في حقيقة وجود تأثير فسيولوجي في أداء الفرق التي تؤدي بمناطق مرتفعة عن سطح البحر، واستعان الخبراء بدراسات مماثلة أجريت بالسابق على رياضات أخرى مثل الركض والغطس وتسلق الجبال، واتجهت آراؤهم إلى أنه عند اللعب على ارتفاع 500 متر فوق سطح البحر تزيد ضربات القلب ويشعر اللاعب بصعوبة بالتنفس وتزداد مظاهر الإعياء تدريجياً كلما زاد الارتفاع، مع مراعاة الاختلافات والفروق الشخصية بين كل لاعب .
وحدد الخبراء الرياضيون مستوى 2000 متر فوق سطح البحر لبدء ظهور أعراض مرضية، وعند 3000 متر تزداد المخاطر الصحية التي تصبح حرجة عند أي ارتفاع أكثر من هذا، وهو ما جعل الفيفا تصدر قراراً بعدم مناسبة استاد الأنديز لأية مباريات دولية .
وأرجع الأطباء السبب في ذلك إلى نقص نسبة الأوكسجين بالهواء الذي ينخفض بالتالي مستواه بالدم ما يؤدي إلى الشعور بالتعب السريع والإجهاد، وهو ما يتم التعرف إليه بمقياس VO2 MAX وهو معدل الأوكسجين في كل لتر من الدماء لكل دقيقة لكل كيلوجرام، ويقل هذا المعدل عند الرياضيين على ارتفاع 300 متر بمعدل 6%، تزداد إلى 14% إذا وصل الارتفاع إلى 1000 متر فما فوق . وعلى الرغم من أن مدن جنوب إفريقيا لن يزيد ارتفاعها على 1750 متراً فوق سطح البحر، وبالتالي يستبعد إلى حد ما تأثير ذلك على الفرق المشاركة التي تغلبت معظمها على هذه المشكلة بقضاء عدة أيام قبل انطلاق المونديال للتكيف مع الأجواء المرتفعة، فإن المشكلة ليست في الارتفاع بقدر ما هي اختلاف الارتفاعات والانتقال من مدن فوق سطح البحر إلى أخرى تقع بمستواه .
وهذا الأمر لفت انتباه المهندس باتريك ماك شاري، المتخصص بالميكانيكا الرياضية، من جامعة أكسفورد، عندما أجرى دراسة مفصلة عبر فحص نتائج 1460 مباراة دولية أديت في أمريكا الجنوبية بين أعوام 1900 إلى ،2004 وخلص إلى أنه مع مراعاة الفروق في المهارات الفردية فإن المنتخبات المعتادة اللعب بمناطق ترتفع فوق سطح البحر تحرز نجاحاً وفوزاً إذا أدت مبارياتها بالأجواء نفسها، على حين يتغير أداؤها إذا أدت مباراة بمناطق أقل انخفاضاً، وتصبح حظوظها بالفوز أقل .
يزداد هذا الرأي أهمية عند الرجوع إلى جدول المباريات الحالي الذي حدد المدن التي ستقام بها الأدوار قبل النهائية وترتفع فوق سطح البحر، إذ تقام إحدى مباريات ربع النهائي في استاد يرتفع أعلى سطح البحر، وتؤدى المباراة الأخرى باستاد بمنطقة بمستوى سطح البحر . ولاختبار هذه الفرضية قام الباحث بدراسة 8 مباريات أداها منتخب المكسيك أثناء استعداده للتأهل للمونديال، أدى منها 4 على استاد أزتيكا في مدينة ميكسيكو سيتي على ارتفاع 2288 متراً فوق سطح البحر، فاز في أغلبها وجاءت معظم الأهداف من تسديدات سريعة من خارج منطقة الجزاء، وهو تكتيك يمتاز به عدد من المنتخبات لاستغلال حركة الكرة التي تكون سرعتها أعلى في ظل انخفاض كثافة الهواء، والاستفادة من إمكانية تحولها تأخذ شكل منحنى فتكون خادعة لحراس المرمى .
التكتيك نفسه يمكن اللجوء إليه بمباريات جنوب إفريقيا، إذا كانت المباراة على استاد فوق سطح البحر، أما إذا كانت باستاد بمستوى سطح البحر فلا يفضل ركلها مباشرة نحو المرمى بل الأفضل تمريرها إلى لاعب آخر، يقوم بخداع الحائط المشكل من لاعبي الفريق المنافس ويتولى هو تسديدها .
ولفت الباحثان هاكي وتشوبان النظر إلى أمر مهم حول ديناميكية حركة الكرة في الهواء التي ستؤثر في قدرة اللاعبين على التحكم بها خاصة في الهواء نتيجة انخفاض الضغط الجوي وبالتالي كثافة الهواء .
كذلك ستؤدي درجة الحرارة دورها، على الرغم من عدم وجود اختلافات كبرى بين مدن جنوب إفريقيا، فعندما تكون الحرارة في كيب تاون مثلاً 7 درجات مئوية مساء، سترتفع إلى 11 درجة مئوية ظهراً في جوهانسبرج، هذا الاختلاف سيؤثر في سرعة الكرة بمقدار أجزاء من الثانية . وحتى نتعرف بشكل أدق إلى معنى هذا الاختلاف تخيل الكرة وهي تسدد من أمام المرمى مباشره على بعد 18 متراً خارج منطقة الجزاء، متجهة نحو الجهة اليسرى من المرمى، إذا سددت باستاد على مستوى سطح البحر ستبلغ سرعتها 8 .22 متر بالثانية، أما على مستوى 1700 متر فوق سطح البحر التسديدة نفسها ستزيد سرعتها بنسبة 801 من الثانية، ما يستدعي تدريباً خاصاً لحراس المرمى على سرعة رد الفعل والاتجاه المتوقع للكرة . كما سيكون له تأثيره في التقليل من أهمية الكرات العرضية في إحراز أهداف في ظل انخفاض كثافة الهواء وسرعة الكرة .
الاستعانة بالأرصاد الجوية
اصطحب فابيو كابيلو مدرب منتخب إنجلترا خبراء أرصاد للمساعدة على إعداد اللاعبين . ولجأ كابيلو والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إلى مركز الأرصاد الجوية في لندن بالتعاون مع قسم العلوم الرياضية بجامعة إكستير لتدريب اللاعبين على كيفية الأداء في الظروف الجوية، التي تناسب الارتفاع فوق مستوى سطح البحر، ولكن المدرب الإيطالي الذي يخطط لكل شيء لم يقف عند مجرد تأثير هذه العوامل الجوية في اللاعبين ولكنه درس أيضاً كيفية تأثير الضغط الجوي في بعض العوامل الأخرى داخل المستطيل الأخضر أهمها كرة القدم الجديدة التي تؤدى بها المباريات والمثيرة لكثير من الجدل الذي سيتزايد مع سرعتها نتيجة انخفاض كثافة الهواء .