في الحادي والعشرين من يونيو/ حزيران الجاري، كانت ذكرى غياب السندريلا الراحلة سعاد حسني، وسط شعور عميق شديد التأثر بافتقادها، رغم اعتزالها التمثيل والمجتمع كله قبل سنوات طويلة من رحيلها. رحلت وتركت إرثا زاخرا بالإنجازات الفنية، تاركة الجميع في حيرة وجدل حول سر رحيلها، ولتجعل من مأساة رحيلها مارلين مونرو عربية، حيث فقدت السينما المصرية والعربية بشكل عام، فنانة نادرة لم ولن تتكرر. ممثلة غير عادية، تعطي في كل الأدوار بدون افتعال، تصل إلى القلوب بسرعة لافتة، تتمتع بعبقرية حقيقية في الوصول لأعمق المعاني.
طفولتها خلت من الراحة، مما نتج عنها شخصية ذات تركيبة شديدة الخصوصية، تمتلك قدرة نادرة على الإضحاك رغم أنها أقرب إلى الحزن، وبنفس القدرة تبكيك، بعطاء صادق متدفق، لتصبح علامة فارقة في تاريخ السينما العربية.
مشوار سعاد حسني، مشوق وله سحر خاص، حيث هذا الوجود الفني الطاغي والأداء المذهل والخاص لكل شخصية قدمتها، ما جعل منها ممثلة موهوبة فوق العادة في كل مرحلة عاشتها، من خلال مشوار طويل مليء بالحواجز والآمال العريضة والأحلام الكبيرة.
حسن ونعيمة، بركات، محمد عبدالوهاب، وعبدالرحمن الخميسي، مجموعة من الأسماء كان لها عظيم الأثر في تكوين لحظة البداية لميلاد أسطورة السندريلا، فقد اشتركوا جميعا في خلق بداية نجمة براقة تضيء السينما المصرية بنعومة مفرطة، حيث كانت الوجه الجديد والبطلة في الوقت نفسه في فيلم حسن ونعيمة عام 1959 أمام الصوت الشاب محرم فؤاد.
كانت سعاد وقتها تملأ استوديوهات الإذاعة شقاوة، منذ طفولتها في برامج الأطفال، وجاء اليوم لتقف الفتاة النحيلة، ذات العيون الذكية البراقة، ابنة الرابعة عشرة، لتواجه كاميرات السينما للمرة الأولى، بثبات وقدرة فائقة على التعلم والتأقلم.
تتذكر الراحلة سعاد حسني هذه اللحظات قائلة: يومها لم أخف من الكاميرا، ولم أشعر بتلك الرهبة التي كانوا يتحدثون عنها حينما يقف الممثل لأول مرة أمام الكاميرا، فقط سؤال واحد كان يتردد في ذهني ويلح عليّ: هل سأنجح وأستمر في عملي هذا أم لا؟.
وهكذا كان الخوف والقلق طوال الوقت مفتاح شخصيتها، ولولاهما لما استطاعت الوصول إلى القمة، فقد ولدت نجمة احتلت مكانها في القلوب، كنموذج للفتاة العصرية الطموحة المنطلقة والمنفتحة على الحياة والعمل والحب، بعيدة تماما عن كل النماذج التي كانت تسبقها، بل وتعاصرها أيضا، وبرزت سعاد حسني كممثلة جديدة تفوق ممثلات جيلها موهبة وحضورا وقدرة على التعبير، واستطاعت أن تخطو نحو الشهرة والنجومية لتترشح كنجمة أولى عبر أدوار عدة، وتنوع كبير في أداء الشخصيات.
بعد البطولة في فيلمها الأول، ظهرت سعاد حسني في دورين صغيرين في فيلمين، الأول كان بعنوان ثلاثة رجال وامرأة، ولم ينس عبدالحليم حافظ مشاهدتها الأولى في حسن ونعيمة مع الصوت الشاب الجديد محرم فؤاد، فطلب أن تشاركه في دور شقيقته في فيلم البنات والصيف، ثم انتقلت سريعا إلى الأدوار الأولى، في أفلام لاقت نجاحا كبيرا، مثل مال ونساء، السبع بنات، إشاعة حب، وغيرها، لتدخل في مرحلة ما يسمى بالانتشار الفني، وتقدم كماً هائلاً من الأفلام، وصارت تقبل الاشتراك في أفلام، ليس لأجل قيمتها الفنية وإنما بقصد الشهرة والرواج لدرجة أنها كانت تقوم ببطولة خمسة أو ستة أفلام كل عام، حتى إنها بعد عامين من ظهورها قدمت في عام 1961 وحده ستة أفلام، وفي عام 1962 قدمت خمسة أفلام، وفي عام 1964 قامت ببطولة سبعة أفلام، وأصبحت وقتها تميمة الحظ للمنتجين والمخرجين، فنجحت بشكل كبير في أفلام مثل السفيرة عزيزة، الأشقياء الثلاثة، شقاوة بنات، عائلة زيزي، الساحرة الصغيرة، للرجال فقط، جناب السفير، حلوة وشقية، وغيرها، وإن كانت جميعها تؤكد شخصية سعاد حسني الحقيقية.
ورغم أن هذه الأفلام حققت لها الشهرة وكرستها كنجمة شباك أولى، إلا أنها لم تخدم طموحها، ولم تحقق ذاتها، فكان لا بد أن تتجه إلى انتقاء الأدوار والدقة والتنوع، فكان دورها الأصعب والمهم في فيلم القاهرة 30 بداية لمرحلة فنية جديدة، تميزت بالجد والنضج، وتبعه العديد من الأدوار المتميزة الناضجة مثل: الزوجة الثانية، شيء من العذاب، نادية، الحب الضائع وغيرها.
لتأتي مرحلة السبعينات وحتى منتصف الثمانينات لتكون من أخصب المراحل الفنية التي مرت بها، حيث قدمت فيها أدوارا مهمة ومتميزة لمخرجين كبار، فقدمت مع كمال الشيخ: بئر الحرمان، غروب وشروق، على من نطلق الرصاص؟، ومع يوسف شاهين قدمت فيلمين هما: الاختيار، الناس والنيل ومع سعيد مرزوق قدمت زوجتي والكلب، الخوف ومع علي بدرخان، قدمت الحب الذي كان، الكرنك، شفيقة ومتولي، أهل القمة، الجوع.
رفضت سعاد حسني أن تُسجن داخل قالب ثابت ومحدد، وهذا ما جعلها تخوض مختلف المجالات، ومن بينها الفيلم الاستعراضي، وكانت أولى تجاربها الاستعراضية في فيلم صغيرة على الحب عام ،1966 أمام رشدي أباظة، ومن إخراج نيازي مصطفى، أما التجربة الثانية، فكانت الأهم في تاريخها، بل وفي تاريخ الفيلم الاستعراضي المصري والعربي، من خلال فيلم خللي بالك من زوزو عام ،1972 مع المخرج حسن الإمام، والذي حطم الأرقام القياسية في مدة العرض، حيث استمر عرضه عاما كاملا، لينافس فيلم العندليب عبدالحليم حافظ أبي فوق الشجرة الذي استمر نفس الوقت تقريبا، وإن زاد عليه زوزو بأسبوع واحد، حيث استمر فيلم أبي فوق الشجرة لمدة 52 أسبوعا، بينما زوزو 53 أسبوعا.
وقد حاول حسن الإمام استثمار هذا النجاح الذي حققه، فقدم نسخة مكررة من زوزو في فيلم أميرة حبي أنا غير أنه لم يلق نفس النجاح، ثم جاءت تجربتها التالية مع الفيلم الاستعراضي المتوحشة عام 1979 للمخرج سمير سيف، وكان أول إنتاج لسعاد حسني مع رأفت الميهي وصلاح جاهين، إلا أن الفيلم فشل فنيا بسبب ضعف السيناريو، وظروف أخرى.
ومع بداية الثمانينات، بدأت سعاد حسني في الإقلال من الظهور على الشاشة بشكل ملحوظ، فبعد أن بدأت بخمسة أو ستة أفلام في العام الواحد، أصبح من الممكن ألا يراها الجمهور على شاشة السينما لمدة عامين أو ثلاثة، حيث كانت ترفض العديد من السيناريوهات لعدم اقتناعها بالأدوار المعروضة عليها، وعن هذه المرحلة قالت سعاد حسني، في لحظة مواجهة مع النفس: لا أريد أن يأتي الخريف، فلا أجد ما يبعث الدفء في مشاعري، وأحس بأنني نسيت في غمرة كل ما قدمت، أن أقدم الذي كان يجب أن أقدمه، لا أريد أن تسرقني دوامة العمل، فيفقد العمل معناه، أريد أن أحقق في الفترة القادمة أشياء محددة بعينها، وأشعر بالرضا عنها، فأنا عندي من الثقة ما يجعلني أتطور باستمرار، وروح التغيير متأججة بداخلي، ولكن هل الجو العام يساعد على تحقيق هذا؟ أنا أصطدم بأشياء كثيرة تعوق هذا الاندفاع، بل توقفه، فالمستوى العام للسينما في هبوط، رغم وجود بوادر أمل، ومؤشر لتغيير جديد في رغبات المتفرج، فقد راودتني فكرة الكبر والزمن والشيخوخة منذ عام ،1981 فاهتززت بشكل هائل، إلا أنني تمكنت من السيطرة على نفسي، لأن هذا الإحساس لو تمكن مني فمعناه النهاية.
في السنوات العشر الأخيرة قبل الاعتزال بلا عودة، استطاعت سعاد حسني بفضل الرقيب الذي بداخلها، أن تقدم أدوارا متميزة ومهمة، فقد أصبحت البطولة لا تهمها، بقدر ما تهمها قوة الدور طال أو قصر، فهي في فيلم عصفور من الشرق تقدم دورا قصيرا وصامتا، وهي في فيلم الجوع تكتفي بدور ثانٍ مهم، لتأتي تجربة فيلم الدرجة الثالثة وتكون في أشد وأقسى إحساس يراودها عن قدوم الخريف، فقد كان من المفترض أن تقدم فيه استعراضات غنائية، لولا وفاة الفنان صلاح جاهين، وهو كان من كان بالنسبة لها، وغيابه أشعرها بالضياع فبدت مترددة وغير واثقة بنفسها، لتكون التجربة بداية مرحلة استمرت من الأزمات النفسية القاسية، لم تنقذها منها إلا آخر تجاربها مع السينما، فيلم الراعي والنساء لتعود إلى تألقها، ولكنه تألق من نوع جديد، كان من المفترض أن يضع سعاد حسني على طريق جديد من الأدوار، حيث قدمت درسا بليغا في الأداء الرصين، وأمتعت جمهورها بلحظات من العذوبة والدفء والشجن ولكن يبدو أن روح السندريلا بداخلها لم تتحمل ذلك، وأعلنت تمردها، بل وفضلت الانسحاب من اللعبة بهدوء، حتى انسحبت من الحياة بأكملها.