من بين الشعراء النبطيين الإماراتيين الذين أثبتوا أن الإبداع يتحقق في الثقافة الشعبية كما يتحقق في الثقافة الفصيحة، الشاعر سعيد محمد بن غماض الراشدي، الذي كان عضواً بمجلس الشعر في المنطقة الغربية في أبوظبي، ومشرفاً على صفحة الشعر النبطي في جريدة الفجر، وصفحة أقلام المشاعر في مجلة درة الإمارات، ومدير مكتب مجلة قطوف الكويتية في الإمارات .
كتب الراشدي العديد من القصائد المتنوعة التي راوح فيها بين الغزل والرثاء والمدح، كما مزجها بروح وطنية وثابة تخللت شعره، وطبعته بطابعها الخاص . وحيثما اتجه الراشدي تلازمه تلك النظرة العميقة، والرؤية المتكاملة للشعر والإبداع، ورغم حضوره القليل على الساحة الإعلامية، فإن بصمته تبقى شاهداً حاضراً يحيل إلى ذاته وفكره وعطائه المتميز .
عن بداياته الأولى ومسار تجربته الشعرية والإبداعية يتحدث الراشدي قائلاً:
ارتبطت بداياتي الأولى بمجلس الشعر الذي أسسه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في المنطقة الغربية ضمن مجالس شعرية أخرى توزعت في العين وأبوظبي وغيرهما . وإن كنت أرى أنه من الصعوبة بمكان العودة إلى البدايات الأولى والتأريخ لها كأساس لبداية تجربتي الشعرية، لأن التجربة الإبداعية لا يمكن حدّها أو قصرها على فترة معينة، أو لحظة ما، لأنها كتلة من التراكم والتجارب المتتابعة، كالسيل المتدفق الذي لا حد له، ومع ذلك أتذكر أول قصيدة كتبتها، وهي قصيدة غزلية أقول فيها:
أنا ونيت ونات الخفايا
أجر النوح ودموعي ذرايف
سبايب ريم خذ زين الصبايا
حسين العود مملاي الطرايف
وعن الأغراض الشعرية التي عني بها الراشدي وكتب فيها يقول: كتبت في العديد من الأغراض الشعرية منها الغزل والمدح والرثاء، كما تغنيت بالوطن في العديد من المناسبات الرسمية المخلدة لذكرى قيام اتحاد الإمارات، وقد نشرت العديد من هذه القصائد في دواوين مشتركة مع كوكبة من الشعراء في الخليج والوطن العربي، من ضمنها مختارات شعرية، عبارة عن قصائد وطنية وغزلية، ورثائية، من بينها فقيد الأمة التي رثيت بها الشيخ زايد رحمه الله، ونشرت في ديوان مرثيات زايد، في ذكرى وفاته، وهي قصيدة مملوءة بالحزن، ولوعة الفراق، وفداحة الخطب، وعظم الفجيعة حيث أقول فيها:
جانا خبر عاجل نعم ضيّق البال
أنا أشهد إنه ظلم الكون كله
وارتجت العالم فجيعة بها اخبال
من العلم يلّي صاب لقلوب علّه
حتى كبار السن يبكون عقال
فرقاه زايد كل مسلم حزنله
أكبر مصيبة ثقلها ثقل الأجبال
يا ثقلها ثقل الجبل من يشله
إلى أن أقول:
زايد ما مات من خلف أشبال
كنه معانا دوم بالحيل والله
خليفة شبه زايد صدق كل من قال
وكل من رقا له فوق مجدٍ وصله
وعما إذا كانت القصائد الوطنية قد شكلت علامة فارقة في تجربته الشعرية يقول الراشدي:
لا شك أن الوطن ملهم للشاعر في ابداعاته، ويمنح شعره وهجاً وألقاً مميزاً، ففيه تكون للكلمة معنى عميق، صادق، منبعث من خلجات النفس، لذلك كتبت العديد من القصائد الشعرية الوطنية في الأعياد والمناسبات الوطنية احتفاءً بالوطن وتغنياً بأمجاده وتاريخه وأصالته من بينها قصيدة بلاد العز التي أقول فيها:
مطبوع شعري برسله صوب الأمجاد
زين المعاني هيّصت من سمعها
فيها تهاني قلتها بيوم الأعياد
بعيد التوحد أشرقت في شععها
إلى أن أقول:
وتوحدوا توحيد حكام البلاد
هذه بلاد العز ربي رفعها
وعن نظرته وتقييمه لواقع الأمسيات الشعرية، أكد الراشدي أن ثمة عزوفاً واضحاً عن حضور الأمسيات الشعرية اليوم، وخاصة تلك التي يحييها شعراء الوطن، رغم أن الذائقة والطلب والتفاعل مع الشعر النبطي مايزال قائماً، لكن ربما يعود ذلك العزوف إلى أسباب منها قلة التواصل بين الجمهور والجهات المنظمة التي كثيراً ما تولي عناية أكبر للشعراء الآخرين المنتمين إلى دول الخليج الأخرى، بينما لا يحظى الشاعر المحلي بالزخم نفسه والدعاية والتنسيق والترتيب المطلوب لجذب جمهور كبير، لذلك أطالب هذه الجهات بإعادة النظر في القضية، وربط الجمهور بالشاعر من خلال الإشعار بأمسيته، والترويج لها لتحظى بحقها من الدعم والحضور . وإن كانت مسألة قلة الحضور في الأمسيات بشكل عام ظاهرة باتت منتشرة في المشهد الثقافي العربي بشكل عام . على أنني أذكر أنه خلال إحدى الأمسيات التي شاركت فيها وشهدت حضوراً مكثفاً للجمهور وتفاعلاً كبيراً مع الإلقاء الشعري، وكتبت قصيدة عبرت من خلالها عن تلك الصورة الجميلة التي استقرت في ذاكرتي عن الجمهور والتصفيق الحار والتي كانت تنم عن مدى تفاعله معي حيث أقول:
صفق لي الجمهور قبل القصيدة
وشاعر بلا جمهور ما هو بشاعر
ما هي مهمة صورتها بالجريدة
ما دام شعرها ما يهز المشاعر
وعن توقف المجالس الشعرية التي كانت الحضن الدافئ الذي احتوى الكثير من شعراء الإمارات رأى الراشدي أن توقف مثل هذه المجالس أثر كثيراً في التجربة الشعرية لدى الكثير من شعراء النبط، حيث كانت تلك المجالس بمثابة منتديات ثقافية للتبادل والتفاعل والتواصل بين مختلف الشعراء، كما كانت تحظى بجمهور واسع من المتابعين الذين كانوا ينتظرون بلهفة وشوق انعقادها، ويتابعون حلقاتها بشكل مستمر . كما خلقت فراغاً كبيراً لدى جمهور الشعر النبطي الذي كان مسكوناً بحب التواصل مع شعراء المجالس . ويضاف إلى غياب المجالس الشعرية كذلك توقف بث البرامج التراثية التي كانت تقدمها إذاعة أبوظبي، وكان لها هي الأخرى جمهور واسع، وانتشار كبير في عموم تراب الوطن، لذلك أتمنى أن تعود مثل هذه البرامج وتلك المجالس لما لها من قيمة تراثية وثقافية تعمل على نشر الوعي الثقافي في البلاد .
وعن مشاركاته الشعرية خارج الدولة، ومدى إسهامها في انتشار تجربته وتفاعل الجمهور معها، أكد الراشدي أن المشاركة الخارجية للشاعر تجعله ينفتح على عوالم وفضاءات واسعة، وتجارب متنوعة، تعمل، بلا شك، على تطور تجربته، وصقل موهبته، واطلاعه على تجارب الآخرين والاستفادة منها، والتواصل معهم، وهي لذلك مهمة جداً للشاعر، وقد استفاد منها كثيراً، كما أدت إلى نشر تجربته خارج الإمارات، وهذا ما يشعره بالزهو والافتخار .
ويقيّم الراشدي تجربته الشعرية والإعلامية بأنها كانت تجربة مهمة، وتركت بصمات مميزة في المشهد الثقافي الإماراتي، سواء من خلال الصفحات الشعرية التي كانت يشرف عليها، أو من خلال عضويته في مجلس الشعر في المنطقة الغربية، لذلك يرى الراشدي أن حضور الإعلام في تجربة الشاعر أمر ضروري ومميز، لمواكبة عطائه وإبراز تجربته، وإن كان يصرح بأنه غاب عن الإعلام حيناً من الزمن، لكنه لا يلقي باللائمة في ذلك على الإعلام بقدر ما يحمل نفسه القسط الأكبر من أسباب ذلك الغياب الذي يعود إلى تغير النظرة الشعرية في تنظيم الأمسيات والمشاركة فيها .
وفي ما يتعلق باهتمام الشاعر بالنشر الذي كثيراً ما يشكل هاجسه الأول، ووسائل ذلك النشر يرى الراشدي أن العصر اليوم قد أتاح الكثير من الوسائل الحديثة التي ينبغي استخدامها وتوظيفها في نهضة الشعر، سواء أكان ذلك من خلال شبكة الإنترنت وما يوفره عالمها من قنوات للتواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك، وتويتر، والمنتديات الثقافية التي تعتبر ذات حركية كبيرة، وسرعة هائلة في نشر المعلومة حول العالم، أو من خلال النشر الورقي في الصحف والمجلات والمنشورات الثقافية وغيرها .
وعن رؤيته للشعر ومستقبله يؤكد الراشدي أنه خلال الآونة الأخيرة ظهر الكثير من ادعياء الشعر الذين يستسهلون قوله وكتابته، وينتحلون شخصية الشاعر من دون إدراك منهم لما تعنيه هذه الصفة، وقد ضاعف من حدة هذا الموضوع انتشار الألقاب، هنا وهناك، بشكل جزافي لا يخضع لمقياس محدد، ومع ذلك يبقى الشاعر الحق حاضراً بصوته وكلمته ورؤيته ومعبراً عن نفسه من خلال نتاجه المتميز عن غيره .
وعن رأيه في الإبداع في الثقافة الشعبية وفي الشعر النبطي على وجه الخصوص يرى الراشدي أن الإبداع يتحقق في الثقافة الشعبية كما يتحقق في الثقافة النخبوية، فلكل منهما فضاءاته ومجالاته المتعددة، التي يمكن للمتعاطي معها أن يقدم إبداعاً مهماً، وذا ميزات خاصة، كما أن عوامل الإخفاق والنكوص تسري على الثقافتين، ولا تخص واحدة بعينها، ولعل أكبر مثال على ذلك ما قدمه الشعراء النبطيون الفطاحل القداماء من أمثال ابن ظاهر وسعيد بن عتيج الهاملي وغيرهما، وما يقدمه الشعراء المعاصرون من نتاجات شعرية مبدعة تستحق الإشادة والتقدير . وعمّا إذا كان قد أصدر دواوين شعرية أو ينوي القيام بذلك، قال الراشدي إنه يرى أن الواقع اليوم أصبح يفرض الصوت أكثر من الكلمة المقروءة التي كثيراً ما تكون محصورة النطاق، لذلك فإنه يفكر في إصدار ديوان صوتي يجمع فيه عدداً من قصائده المتنوعة .
وينظر الراشدي إلى واقع الساحة الثقافية الإماراتية كما ينظر إليها أي مثقف أو مبدع آخر مستهجناً ما يطبعها من مجاملات أفسدت الذائقة الأدبية، وأساءت إلى الثقافة والإبداع من حيث أرادت الإصلاح، فمن الغريب، والمجافي للعلم والمنطق، أن يتم إطلاق كلمة مبدع على كل من أنتج نصاً بغض النظر عما يحمله من ومضات جمالية وصور فنية، ما يجعل التمييز بين الشعراء المبدعيين والمبتدئين مجرد صفة تفتقر إلى الكثير من التمحيص والتدقيق، ما يعني أن مقاييس الإبداع في ثقافتنا اليوم ماتزال تفتقر إلى إعادة النظر والمراجعة .