شجرة العائلة

شجرة الزيتون في فلسطين هي شجرة العائلة، ليست بمعنى النسب العائلي وأصوله وفروعه، بل بمعنى معيشي أو حياتي يومي، فمن هذه الشجرة التي تتعرض لحرب إبادة منظّمة، تمارسه الآلة العسكرية الصهيونية يومياً بأدوات التجريف والاقتلاع والتسميم، تأكل العائلة الفلسطينية زيتونها الأخضر والأسود، ومن هذه الشجرة تستخرج الزيت وتخزّنه مؤونة للصيف والشتاء، ومن خشب هذه الشجرة اخترع الفلسطيني جمالياته ورموزه الثقافية الشعبية، وتحت ظل هذه الشجرة ينام الفلسطيني ويحلم بحقل أكثر كثافة من الاخضرار الدائم والظلال الدائمة، كذلك، أعطى الفلسطيني لهذه الشجرة رمزية ثقافية وتاريخية بل سياسية . . غصن الزيتون في يد، والبندقية في يد، هكذا، مثلاً، كان الخطاب الفلسطيني السياسي يطرح أدبياته الواثقة والمتوازنة في مرحلة من مراحل نضاله عبر أكثر من ستين عاماً، إلى أن جاء من ألقى بغصن الزيتون وألقى أيضاً قبل ذلك بالبندقية، فتحوّلت هذه الشجرة من منظور سياسي إلى طلل أو فولكلور .

شجرة الزيتون هي شجرة العائلة بذلك الحنوّ المتأصل في الوجدان الفلسطيني تجاه شجرة يكاد زيتها يضيء، أما خارج الوجدان، أي على نحو واقعي تماماً، فالفلسطيني يحمل زيتونه معه في كل خروج من بلاده، وفي كل هجرة ونزوح، يحملها كما يحمل أولاده، ويحملها كما حمل مفاتيح بيوته لعلّه يعود إلى الوطن بين ليلة وضحاها، وعندما كان الفلسطيني يجد أن الوقت سيطول عليه في المنفى، كان يزرع أول ما يزرع شجرة زيتون أمام منزله في المخيم، وفيما هو ينتظر العودة، كانت أشجار الزيتون في المخيمات تبدو هي الأخرى وكأنها تنتظر العودة، كأنما الفلسطيني يؤنسن الشجرة، ويعتبرها أخته أو جارته أو إشارته الخضراء التي تعني، بينه وبين نفسه، صلة أرضية بالوطن المفقود الذي يتحول مع الزمن إلى فردوس مفقود، ولكن بحالة أندلسية جديدة .

شجرة الزيتون هي شجرة العائلة أو شجرة العائلات . . كأنها قاسم مشترك بين الناس، وكأنها أيضاً حبل المودة وحبل القرابة بين الناس، هكذا تبدو أسراب أشجار الزيتون وهي تمتد من بيت إلى آخر في المخيمات الفلسطينية، وأينما كانت هذه المخيمات في الأردن، في سوريا، في لبنان، في فلسطين نفسها التي قطع ظهرها الاحتلال فجعل منها فلسطين 48 وفلسطين ،67 ثم جعل منها أيضاً بالتعاون مع أهل الأرض فلسطين غزة، وفلسطين رام الله، وفيما كانت هذه التحولات التراجيدية تغيّر لون السياسة وطعمها، كانت شجرة الزيتون هي شجرة الزيتون في أي مكان . . في المخيم، في المنفى، في الشتات، في حيفا أو في أريحا، في غزة أو في رام . بقيت شجرة واحدة، بقيت شجرة العائلة، ولم تفقد هذه الشجرة رمزيتها مهما تلوّنت الحالة الفلسطينية بأكثر من لون . بقيت الشجرة الدائمة الاخضرار، بقيت سرّة من سرر الوطن الفلسطيني، وبقيت واقفة أمام الغول الإسرائيلي، وبقيت صورة غصن الزيتون في الأمم المتحدة بيد ياسر عرفات هي الصورة التي من الصعب إزالتها من الأرشيف الأممي، وربما لهذا السبب، ولأسباب تاريخية ودينية وثقافية، يحقد الكيان العنصري الإسرائيلي على الزيتونة ويقتلها كما يقتل المرأة والطفل والعصفور . إن العدوّ الإسرائيلي في إجرامه المنتظم ضد الزيتون، لا يقتلع مجرد شجرة، فالزيتون موجود في كل العالم، ولكنه هنا، هنا تحديداً في فلسطين إنما يقتلع، أو يحاول اقتلاع التاريخ والرمز والذاكرة، وهي أقانيم ثلاثة تزعج هذا الكيان الذي لا يرتبط ثقافياً وتاريخياً ورمزياً بأي كينونة حيّة حتى ولو كانت شجرة .

بهذا المعنى، ليس لدى الكيان الإسرائيلي شجرة عائلة كالزيتونة الفلسطينية، وليس لديه ثقافة شجرة بعينها، ومن هنا، يوجّه يومياً آلته الحديدية القبيحة نحو الزيتون، نحو أي شجر له صلة بالذاكرة الفلسطينية، وأي نبات أو زهر برّي، هكذا راح هذا العدوّ قبل سنوات قليلة يعطي بعض الأعشاب والنباتات والزهور البرية الفلسطينية أسماء عبرية . غيّر هذا العدو اسم الزعتر والدحنون والطرفاء معتقداً أن الاسم العبري يمكن أن يزيح تاريخ الأشجار من الذاكرة ومن الأرض أيضاً، وهو سلوك له أكثر من تحليل وأكثر من تفسير، أقلّها هو الحنق والغلّ على الأرض الفلسطينية وإنسانها ونباتها وحجارتها، وعلى ذكر الحجارة، فإن المعالم الآثارية التاريخية لم تسلم هي الأخرى في فلسطين من التجريف والتفريغ والإبادة .

شجرة الزيتون هي شجرة العائلة الفلسطينية، هي الأخت الكبرى دائماً التي تصبر على الزمن، ولم يأتها فارس أحلامها البطل الذي يحمل بيده بندقية عز الدين القسام، ولكن على رغم طول صبر هذه الأخت الكبرى، فإنها لم تعنس ولم يحدودب ظهرها ولم تشب ضفائرها الخضراء، فهي شجرة دائمة الاخضراء، ومنذ فجر التاريخ لم تسقط أوراقها ولا في أي خريف .

الشجرة الابنة

صورة المرأة الفلسطينية التي راحت تحتضن شجرة كما لو أنها تحتضن ابنتها، قام بالتقاطها مصوّر فوتوغرافي قبل سنوات، عندما اقترب بلدوزر إسرائيلي من المرأة ومن الشجرة، حيث كانت تتماهى أمومة الكائن البشري مع أمومة الكائن الزراعي الأرضي، والأمومتان ترمزان إلى الخصب والنماء والعطاء وديمومة الحياة في أبهى صورها الخضراء .

ولكن لم يخطر في بال المرأة الفلسطينية التي اشتهرت صورتها هي والشجرة هذا التفسير الذي نقدّمه الآن بهذه الصورة الثقافية الاجتهادية، وإنما كانت تلك السيدة المتقدمة في العمر تقوم فعلاً بحماية واحدة من بناتها، حتى لو كانت هذه الابنة على صورة شجرة . . وهنا بعض التداعيات التي يمكن اشتقاقها من هذا المشهد المؤثر .

يرى الشاعر، مثلاً، أن هذه المرأة تقوم أيضاً بحماية ذاتها الأمومية هي، فإذا تم اقتلاع شجرة من مكانها، فكما لو أن المرأة نفسها هي الأخرى في طريقها إلى الاقتلاع، وهكذا، كان لا بد من الاستماتة في الدفاع عن هذه الذات وبكل قوة، حتى لو كانت قوة امرأة ضعيفة متقدمة في العمر .

يرى الرسام، أيضاً، أن الصورة الفوتوغرافية قد أدّت دورها ووظيفتها من ناحية صحفية أو توثيقية، وسوف تنتهي هذه الصورة إلى أرشيف مهما كانت صورة حارّة، ولكن لكي لا تبرد حرارة الصورة يبني الرسام رواية تشكيلية أخرى على هذا المشهد، فيضيف إلى المرأة التي تدافع عن ابنتها نساء أخريات من فلسطين ومن بلدان أخرى من العالم، هنّ في مجموعهن البشري ضد أي طغيان وضد أي اقتلاع، أي أن الصورة الفوتوغرافية تحوّلت إلى عمل فني يتجاوز الأرشفة والتوثيق إلى خطاب إدانة للقوة الغاشمة التي تفتك بالأمومة في أي مكان في العالم .

الموسيقي، المسرحي، الروائي . . إلخ من شجرة الإبداع الإنساني هم الآخرون معنيون بهذا المشهد الذي صنعته المرأة بهذه الفطرية، وبهذا النزوع الآدمي نحو البقاء ومن أجل الحياة، وهؤلاء كلهم هؤلاء المنشغلون بالفن الإنساني، يضيفون إلى الصورة الفوتوغرافية وظائف أخرى غير الأرشفة وغير التوثيق، وبكلمة ثانية تصبح الصورة أو يصبح مجموع الصور الفنية المشتقة من صورة المرأة التي تدافع عن ابنتها الشجرة شهادة إثبات فنية إبداعية واقعية على ممارسة إجرامية، هي ممارسة لا أخلاقية قبل وبعد أي شيء .

مع ذلك يدير الإسرائيلي ظهره الغليظ لكل هذه التداعيات، وكل هذه اللغة العالمية التي سرت في كل وسائل الإعلام بعد مشاهدة المرأة وهي تحضن ابنتها الشجرة، وبدلاً من أن يخجل العدو من سلوكه الهمجي اللاأخلاقي هذا، راح في اليوم التالي وفي الأعوام التالية ينقضّ بصورة سادية على الأشجار مرة ثانية، وفي كل مرة أو في كل حرب ضد الأشجار كانت شجرة الزيتون هي رأس أهداف هذه الحرب .

الشجرة الطفلة

تنمو بعض الشجيرات الصغيرة في ظلال أشجار أكبر منها، وتحت الأشجار المعمّرة نلاحظ بعض الحشائش والنبات، بل هناك شجيرات في منتهى الخفّة والهشاشة تنمو في السيقان الثقيلة الغليظة للأشجار الكبيرة التي تبدو بلغة فنية جمالية مثل الأمهات اللواتي يحدبن على طفولة البنات وهشاشته الخضراء .

على الجانب الإسرائيلي هناك أشجار أيضاً . أشجار مثمرة وأشجار معمّرة، وأشجار تتساقط أوراقها في الخريف، وأشجار للزينة . . إلخ من أشجار هي كلها أشجار واقفة على التراب الفلسطيني . هي أشجار الفلسطيني أولاً وأخيراً سطا عليها الإسرائيلي، وزاد عليها أشجاراً أخرى في مستعمراته التي تبدو في الصورة التلفزيونية مسقوفة بالقرميد الأحمر، وبصورة تقريبية لهذا المشهد الزراعي الذي يعكف عليه الإسرائيلي ويحرص عليه، يصاب المرء بالجنون من هذه المفارقة العجيبة، فطالما أن الأشجار هي جزء من اهتمام الإسرائيلي، وهي أيضاً مظهر جمالي بالنسبة إليه فلماذا كراهية الأشجار ذاتها عندما يتعلق الأمر بملكيتها الأبدية والتاريخية للفلسطيني الذي تعلّم من ثقافته الفطرية الأولى عدم قطع الأشجار، وحتى إن حطب الفلسطيني هو ذلك الهشيم النباتي اليابس الذي تجففه الطبيعة بعيداً عن أعين المزارعين والحطّابين .

بصورة سوداء، لنقل إن حجم هذا الشرّ الإسرائيلي تجاه الأشجار يعني بصورة ما أنه يزرع الأشجار، ولكن ليصنع منها الهراوة والتابوت، أو كي يلقي بضلوع هذه الأشجار في موقده عندما تنخفض درجة حرارة قلبه إلى ما دون الصفر . فمن يحب شجرة أمام منزله عليه أن يحب كل أشجار الآخرين، غير أن هذه الفكرة هي عديمة الجدوى في الثقافة الإسرائيلية، وهي ثقافة نفعية في الدرجة الأولى، تكرّس القوّة وتبرر استخدامها بمئات الذرائع ومن خلال هذه الذرائعية إن جازت العبارة، فلا فرق بين موت طفلة حقيقية مازالت تتلقى وجبة الرضاعة من والدتها، كما لا فرق بين موت شجرة طفلة أيضاً طالما أن الشجر الفلسطيني لا يكثر فقط في البلاد التي تستلقي على خصر البحر الأبيض المتوسط، بل تكثر الأشجار أيضاً في الشعر، وفي اللوحات، وفي البهجة الشعبية التي توصف باللغة عندما تعود الأشجار في الربيع الفلسطيني إلى اكتسائها باللون الأخضر والأبيض والأحمر بتلك القناديل البرتقالية والتفاحية في أرض يركض فوق وجهها الغيم باسم الشعر .

الشجرة العطشى

لواحد من قادة الكيان الصهيوني هو بن غوريون عبارة نكاد نسمعها بوضوح الآن بعدما كان قالها قبل أكثر من نصف قرن من الزمان قال حربنا القادمة مع العرب هي حرب المياه، واليوم بعد هذه السنوات نبحث عن بحيرة الحولة وبحيرة طبريا فلا نجدهما على الخريطة الفلسطينية .

المياه، في العرف الإسرائيلي، ليست كالأشجار، فالسعي الإسرائيلي ضد الزيتونة وضد أخواتها هو تصحير الأرض وإخلاؤها من الشجر والبشر أيضاً، ومنع الماء عن الإنسان وعن الحيوان، والشجرة التي تمد جذورها في التراب وتمتص الماء يجب تحويلها إلى جثة، وذلك للمزيد من توجيه الماء تحت الأرض وفوقها نحو تلك الفضاءات الاستيطانية التي يجب أن تشرب الماء الفلسطيني والدم الفلسطيني أيضاً حتى الثمالة .

لقد أصاب العطش الكثير من الحقول الفلسطينية . زراعات بأكملها، إن لم تكن قد اختفت من على وجه الأرض، فهي تحوّلت إلى زراعات فقيرة لا تكاد تكفي متطلبات حياة مُحاصَرة بالكامل ليس فقط بالسلاح، وإنما أيضاً بالعطش .

حاصر العدو الإسرائيلي حقولاً فلسطينية بالعطش، وذلك عن طريق سرقة الينابيع أو وضع اليد عليها . وهو بذلك يقتل عصفورين بحجر واحد كما يقال، يقتل بهذا العطش المنظّم الأشجار، كما يقتل بالعطش أيضاً آلاف المزارعين الذين لا يعرفون مهنة في هذه الحياة سوى الفلاحة وحرث الأرض .

عقاب جماعي يقوم به الكيان الصهيوني ضد الأشجار وضدّ الناس، باستخدام حرب المياه التي أشار إليها بن غوريون، وفي غمرة طغيان القوة الإسرائيلية في الجوّ وفي الأرض، راحت صورة هذا العقاب المدمّر تختفي من الإعلام العربي بشكل عام، والإعلام الفلسطيني على وجه الخصوص، ف إخوة التراب مازالوا منشغلين بمواصلة تراجيديا عض الأصابع والعناد والغرور الكاذب، وهم يخوضون حربهم البائسة هذه على أرض تخلو شيئاً فشيئاً وبالتدريج من الأشجار ومن المياه . . إلى جانب خلوّها التدريجي من البشر، سواء بالحروب المباشرة أو بحرب الترانسفير التي إن نامت بعض الوقت فإنها لا تنام كل الوقت، ثم أيضاً بحرب الجراثيم الموجهة إلى النساء لإبقائهن في حالات إجهاض .

الصورة كليّة في الكيان الإسرائيلي، فإجهاض المرأة يقابله إجهاض الشجرة، وسفك الدم بالطائرة أو بالصاروخ يقابله سفك الماء بالسلب أو بالسطو أو بالتحويل أو بالتجفيف أو بالتلويث .

في هذا المناخ التراجيدي الذي يبسطه برنامج الموت الإسرائيلي تعطش الأشجار الفلسطينية، والشجرة التي لها بعض الحظ في الماء ومازالت أوراقها خضراء، تتوجه إليها أسنان البلدوزر لمحوها من الوجود .

في مناخ الترميل هذا، أي تحويل الحقول إلى رمل، والحجر إلى رمل، والإنسان إلى رمل، كما تحويل المرأة إلى أرملة، والشجرة إلى أرملة . . في هذا المناخ الجنائزي الإسرائيلي ترفع شجرة الزيتون رأسها إلى الشمس . . وترفض الموت .