الدكتور سيف محمد البدواوي خبير الأنساب وأستاذ التاريخ بجامعة الشارقة رحالة تجول في معظم قارات العالم واكتسب مهارات وعلوماً عاد ليسخرها في خدمة الدولة وهو الآن يتطلع لإعداد عدد من المؤلفات التي تؤرخ للدولة ومراحل الاتحاد وكيف نجح الشيخ زايد رحمة الله عليه في تحويل الإمارات من صحراء جرداء إلى بلد رخاء محل حديث واهتمام الخبراء والمحللين، التقيناه وكان هذا الحوار.

حدثنا عن نشأتك ومولدك؟

كان مولدي في قرية مصفوت وتمت تسميتي على جد العائلة سيف. وهكذا ولدت في القرية حيث لا يوجد مستشفيات، ولا شهادة ميلاد وبالتالي عدم معرفة دقيقة لتاريخ الولادة. ولقد اهتمت بي والدتي حيث إن والدي سافر للعمل في الكويت، ولكنها هي الأخرى مرضت فكانت المسؤولية على أختي الكبيرة حيث كانت تدور بي على المرضعات، وهكذا ومنذ الصغر واجهت التحديات مما أدى إلى الاعتماد على النفس ومواجهة الحياة بقوة وعدم الانتظار لمن يساعدني.

كيف كانت مراحلك التعليمية الأولى؟

تلقيت تعليمي الأول في مصفوت حيث تم تأسيس أول مدرسة في مصفوت عام ،1964 وكان المدير من الحيرة بالشارقة جاء به المغفور له الشيخ راشد بن حميد النعيمي حاكم عجمان (1928 1981)، لكي يعلمنا أمور ديننا، ورغم كثرة عدد الطلبة والطالبات إلا أن الشيخ علي بن حمد بن غانم الشامسي استطاع السيطرة على الكل في فصل كبير ولكنه كان يقدر المتفوقين.

بم تميزت حياة القرية في مصفوت؟

لقد تميزت حياة القرية بالبساطة وكل واحد فينا يعرف الثاني وتاريخه، وكانت مصفوت مقسمة حسب المزارع حيث نخيل الورعة غالبيتها لقبيلة البدوات، بينما المزارع في شرقي مصفوت غالبيتها لبني كعب وبني كتب والجوابر، وبما أن والدتي فاطمة بنت شخبوط كعبية ووالدي من البدوات، هذا زاد من أصدقائي من الفريقين وأصبح لدي أصدقاء كثر تعلمت منهم الكثير. وفي عام 1966 تركت مدرسة القرية ودخلت مدرسة قوة ساحل عمان بالمرقاب بالشارقة، وهكذا حصلت على أول راتب في حياتي وكان 99 روبية. وفي مدرسة المرقاب واجهت عالماً جديداً آخر يختلف عن القرية وفيه أناس من شتى الإمارات ولكن ولله الحمد استطعت التفوق عليهم حيث كان ترتيبي دائماً الأول، ورغم هزال جسدي، إلا أن الطلبة والمدرسة كانوا يحترمون المتفوقين.

ما اكثر المواقف تأثيرا في حياتك؟

لقد أثر في حياتي موقف مهم في عام 1969 عندما زار المدرسة الشيخ زايد بن سلطان، ولقد دخل صفنا الصف الرابع الابتدائي، وكم كانت دهشتي عندما وقف أمامي بشخصه الفارع والابتسامة على محياه وكأنه يقول لنا: اطلبوا العلم واجتهدوا فإنني أقدر أهل العلم.

وكان الشيخ زايد رحمة الله عليه يسعى في تلك السنوات لقيام الاتحاد، ولله الحمد، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر ،1971 وخلال تلك السنة التحقت بمدرسة الثانوية التجارية بدبي. كان الأمر نقلة نوعية حيث فتحت الثانوية آفاق عالم جديد تعرفت خلالها إلى البنوك والأمور المالية وعالم التجارة، ورغم تفوقي وحصولي على الترتيب الأول في الثانوية العامة عام 1974 ومن ثم الحصول على بعثة إلى جامعة بيروت العربية لبدء المرحلة الجامعية، إلا أنني لم أحب التجارة.

لماذا لم تكمل دراستك الجامعية في بيروت؟

بسبب الحرب الأهلية التي اجتاحت لبنان في العام ،1975 وكانت فاجعة في بيروت تسببت في حرماننا من مواصلة التعليم في لبنان الجمال والعلم والتعليم وعدنا للإمارات وبعد انتظار لفترة وجيزة جاءت التعليمات من وزارة التربية والتعليم بأن على طلبة جامعة بيروت الانتقال إلى جامعة الإسكندرية. وهكذا لأول مرة أرى أرض الكنانة. والأهرامات وقلعة محمد علي. وكان عدد طلاب الإمارات في الإسكندرية 18 طالباً، تم تحويل معظمهم لأمريكا، وبالتالي تم الانتقال إلى عالم جديد مختلف جداً. من مصفوت إلى كاليفورنيا، وكم كانت المشقة حيث بدأنا مشواراً آخر من الحياة. كل شيء في أمريكا ينصب على الشخص نفسه ثم واجهنا صعوبة اللغة، وعدم وجود الطعام العربي، والبعد عن الأهل، ولكني مازلت أحتفظ بذكرياتي هناك.

كيف نجحت في انهاء دراستك للماجستير؟

في عام 1982 حصلت على بعثة لإكمال الماجستير في كاليفورنيا، مدينة شيكو. وهي قرية صغيرة في شمال كاليفورنيا.

متى بدأت العمل في مجال التعليم؟

في عام ،1985 بدأت التدريس في مدرسة راشد الثانوية بحتا ولكن لم يطب لي القرار فقررت الاستقالة وسافرت لبريطانيا لدراسة الدكتوراة وهكذا طرأ قليل على تخصصي من علوم سياسية بحتة إلى تاريخ الخليج العربي السياسي. لأنني اكتشفت صعوبة الدخول إلى عالم السياسة لابن قرية مثلي. لان السياسة عالم الكبار وعالم الصراعات ولم أجد في السياسة وعلومها إلا الحيل والتضليل و كان الأستاذ يقول لنا من يرد الدبلوماسية يجب أن يكون كذاباً كبيراً. وعندما اعترضت عليه موضحاً أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم كان رأس الدولة وكان نبياً، قال ذلك أمر لا يتكرر.

كيف ولجت الخدمة العسكرية؟

بعد حصولي على الدكتوراة عام ،1992 عدت للإمارات حيث واجهت صعوبة في الحصول على عمل ولمدة سنة ونصف السنة. الامر الذي جعلني أفضل العودة للقوات المسلحة التحقت بكلية زايد الثاني العسكرية كمحاضر في العلوم الأكاديمية. وتدرجت في الرتب الى ان تقاعدت برتبة مقدم ثم انضممت للحياة الأكاديمية المدنية، ومنذ أربع سنوات وأنا أدرس تاريخ الخليج العربي المعاصر في جامعة الشارقة حفظ الله راعيها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد بن صقر بن خالد بن سلطان بن صقر بن راشد بن رحمة القاسمي حيث بعض المراجع تشير إلى القواسم عيال رحمة أي نسبة إلى جدهم رحمة الذي يبدو أنه أسس إمبراطورية القواسم الكبرى والتي امتدت على جانبي الخليج العربي ولعدة قرون.

كيف تعمل على توثيق تاريخ الإمارات؟

لدي ميول قوية لمعرفة التفاصيل الدقيقة للحياة في الإمارات خلال القرن العشرين وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى قيام الاتحاد. من أجل ذلك أنكب الآن على كتابة كتاب عن مجلس حكام الإمارات المتصالحة: 1952 ،1971 وهو ملخص لاجتماعات حكام الإمارات خلال تلك الفترة. هناك كتاب آخر أعمل عليه منذ سنتين وهو عبارة عن تأريخ للعائلات في مصفوت. والسبب الذي دفعني لذلك أن الحياة التي نعيشها في ظل الاتحاد والخير الذي عم الدولة جعل الناس تنشغل في أمورهم الخاصة ومنهم من يعمل بعيداً عن القرية وبالتالي قلت الصلات وصار الصغار لا يعرفون الكبار. فقلت لنفسي كيف سيكون الوضع بعد سنوات من الآن؟ الناس لن تتعارف! ولذلك بدأت أولاً بتعداد العوائل في قرية مصفوت ومن ثم أفصل كل عائلة تفصيلاً دقيقاً من حيث سلسلة العائلة ودور كل فرد وصفاته.

ما هواياتك الرئيسة؟

هواياتي الرئيسة هي الدراسة، ومطالعة الكتب، حيث أعتبر نفسي طالب علم محترفاً لا أستطيع أن أعيش بعيداً عن الكتب والوثائق والمطالعة. ثم هناك هواية أحاول الحفاظ عليها وهي الترحال حيث سافرت لمعظم قارات العالم ما عدا أمريكا اللاتينية، والسياحة في الأرض لها معان وفوائد جمة منها أنك ترجع وتشكر الله على نعمة الأمان في الإمارات وتقول رحمة الله على زايد الذي حول الإمارات من قرى متنازعة إلى دولة آمنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان.

مشاريع كثر

لدي مشاريع كثر ولكنها تحتاج لطاقم وليس لشخص، وتحتاج لدعم مادي، منها على سبيل المثال موسوعة عجمان وقد عرضت ذلك على الدائرة الثقافية في عجمان ولم أجد منهم التجاوب المطلوب لكني ماض في المشروع إلى أن يرى النور، وكذلك موسوعة أخرى عن جزر وموانئ الخليج العربي، حيث يفوق عدد الجزر في الخليج العربي خمسمائة جزيرة تقريباً منها العامر، ومنها غير المسكون وعبارة عن حالة نتوء صغير. أما البحث الثالث عن مجتمع الإمارات وأتمنى أن أكتبه باللغة الإنجليزية ككتاب أكاديمي للجامعات في الإمارات، ولقد بدأت ثم توقفت وآمل أن أتحمس مرة أخرى لمواصلة العمل فيه.