يقول العالم الأزهري الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق - رحمه الله - في كتابه «محمد - صلى الله عليه وسلم - لمحات من حياته، وأنوار من هديه»: «كان نبينا العابد هو النبي المكافح الشجاع الفارس في ميادين القتال، ونبي الرحمة، هو نبي الجهاد، وما كان جهاده عليه الصلاة والسلام إلا في سبيل الله، فهو لم يتراجع في غزوة قط وكان الأبطال يتراجعون، والصناديد من المهاجرين والأنصار يفرون أحياناً، ولكنه صلوات الله وسلامه عليه يثبت ثبات الجبال الراسيات، لا يتزحزح من موقفه، ولا يزول عن مكانه، وقد ثبت في مكانه في غزوة أحد التي غلب فيها المسلمون، وكان المشركون فيها يودون بكل ما استطاعوا أن يقضوا عليه».
ويضيف الشيخ عبد الحليم محمود في حديثه عن شجاعة رسولنا الأعظم - صلى الله عليه وسلم: «ووقف الرسول ثابتاً في غزوة حنين، وقد فر المسلمون على كثرتهم إذ ذاك، وكيف يمكن لأشجع وأكمل رجل في التاريخ أن يفر وأن يتراجع وهو أوثق الناس بالله وبرسالته؟».
لقد كان واضحاً فيه -صلوات الله وسلامه عليه -ما يقوله سيدنا علي - وهو من هو بطولية وفروسية: «كنا إذا حمى الوطيس - أي الحرب - اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أي احتمينا به)، فيكون أقربنا إلى العدو».
وكان - صلوات الله وسلامه عليه- مع التجائه إلى الله تعالى يدعوه ويستغيث به، ويستنجزه النصر، يحكم الأمر إحكاما بحيث لا يدع فيه ثغرة.. هكذا كان أمره في جميع الأمور، فقد نظم الجيش في غزوة بدر تنظيما محكما ثم اتجه إلى الله يدعوه، وكان دائما يتحلى بالشجاعة والإقدام واثقا من النصر حتى لو كان العدو عشرة أمثال المسلمين، كما حدث في غزو بدر، حيث كان المشركون ثلاثة أمثال المسلمين فهزمهم المسلمون بإذن الله وشجاعة الرسول ومن معه من المقاتلين.
فتح مكة
في فتح مكة يظهر حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على دين الله الذي أراده هداية لقومه وإنقاذا لهم من حياة الشرك والضلال التي يعيشونها، فقد خرج الرسول مهاجراً بدعوته إلى المدينة حيث سكنت محبته قلوب معظم أهلها، لكنه لحبه لموطنه الأصلي «مكة» ظل يراقب ويخطط لكي يصل بدعوة الحق إلى قلوب أهلها، ويحقق دعوة أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام- ، الذي قال في رحاب مكة مبتهلاً ضارعاً «ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم، يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم».
وها هو ذا الرسول قد بعثه الله إليهم بالهدي السماوي ولم تستجب قريش، وهذا هو البيت العتيق الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل قائلين: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم»، قد احتلته الأصنام والتفت حوله، ولا بد أن تسلم قريش وجهها لله رب العالمين، بعد تحطيم الأصنام وتطهير البيت ليكون متاحاً وخالصاً للطائفين والعاكفين والركع السجود.
هنا صمم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عزم لا يلين على أن يمحو الشرك وآثاره من معقله الحصين - مكة - وفشل «أبو سفيان» الذي أرسلته قريش سفيراً بينها وبين الرسول في أن يجدد العهد الذي نقضته قريش، ولم يجد عونا من أحد حتى من ابنته أم حبيبة، زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي طوت فراش رسول الله حتى لا يجلس عليه أبوها، لإصراره على الشرك.
وهيأ رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - القوى وخرج يوم الأربعاء بعد العصر في العاشر من رمضان سنة 8 هجرية، ولأنه القدوة والمثل في الرحمة والرفق أخذ إناء فشرب أمام قواته وقال: «أيها الناس من قَبِل الرخصة فإن رسول الله قد قبلها، ومن صام فإن رسول الله صام»، وظل مواصلاً سيره بكل صلابة حتى بلغ «مر الظهران» وهو مكان بالقرب من مكة، وهناك أمر الجيش بالإفطار لأنه استعد لخوض المعركة الفاصلة بين الشرك والإيمان.
يوم المرحمة
وهنا تظهر عبقرية القيادة في سلوك رسول الله، فهو لم يذهب على رأس جيش لكي ينتقم ويريق دماء أهله، بل ذهب لكي ينقذ رقابهم من عذاب الخالق، لذلك كان منهجه في الفتح واضحاً وهو دخول مكة وهداية أهلها إلى دين الحق من دون إراقة دماء وخلق عداوات، ولذلك توجه على رأس قواته إلى مكة محذراً من إراقة الدماء، ولما قال سعد بن عبادة، وهو أحد قادة جيش المسلمين: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة» عزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القيادة، حيث كان الرسول يخطط لأن يكون يوم فتح مكة هو «يوم المرحمة».
وهكذا تحقق للرسول ما خطط له، حيث دخل مكة من دون مشقة، وكان أول ما فعل أن طاف بالبيت سبعا، ودخل البيت فرأى فيه صور الملائكة بهيئة النساء، ورأى إبراهيم عليه السلام مصوراً في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: «قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم بالأزلام؟ وردد قول الحق سبحانه «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين». وأمر بطمس الصور كلها واتجه إلى الأصنام فحطمها مردداً قوله تعالى: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً».
وفي هذا الموقف تبرز كل ملامح القيادة الحقة في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحينما اجتمعت قريش إليه، نظر اليهم وقال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟، فقالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال وهو يبكي: اذهبوا فأنتم الطلقاء»، أقول لكم ما قاله أخي يوسف لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين».. فكان ذلك اليوم حقاً «يوم المرحمة».
غزوة الأحزاب
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في كل الغزوات والمواجهات العسكرية التي خاضها قائداً حكيماً لجيوش المسلمين كانت تظهر قوته وحنكته لأصحابه ولقادة جيوش المسلمين ومقاتليهم وللأعداء قبل ذلك، ولم يكن يخيفه جيش كثير العدد والعدة، بل كان شجاعاً مقداماً يثق أن الفئة القليلة المؤمنة تهزم الكبيرة الكافرة بإذن الله.
وغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب كانت أنموذجاً للإيمان القوي للقائد العسكري الذي يثق في قدراته وقدرات المقاتلين معه رغم عددهم، فقد كان جيش المشركين واليهود المتحالفين معهم أكثر من عشرة آلاف، وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف، وخرج المسلمون بقيادة الرسول للدفاع عن المدينة المنورة ولإحباط مؤامرة يهود «بني النضير» الذين حرضوا بعض القبائل العربية وتحالفوا معهم على قتال الرسول وأصحابه، فخرج المسلمون بقيادة الرسول للدفاع عن المدينة المنورة، وأشار عليهم سلمان الفارسي - رضي الله عنه- بحفر خندق شمال المدينة لمنع الأحزاب من دخولها، واقتنع الرسول ومن معه من قادة الجيش بالفكرة وبدؤوا في حفر الخندق، وأثناء الحفر تعرضوا لحجر ضخم أصابهم بالدهشة والذهول وجعل الإحباط يتسرب إلى نفوس بعضهم، لكن الرسول القائد تعامل مع هذا الحجر الضخم وكسره بثلاث ضربات.
وبعيدا عن القوة الجسمانية الخارقة التي بدا عليها الرسول وهو يحطم الحجر فإن أسلوب تعامله في الاستعداد لجيش الأحزاب الكبير يؤكد حنكته العسكرية وإمكاناته كقائد عسكري، إذ أطلق الاستخبارات لتتبع أخبار الأحزاب واستعداداتهم لاقتحام المدينة وإلحاق الأذى بأهلها وعلم بعملية الشحن الذي قام به يهود بنو النضير.