كان السؤال واضحاً وجميع الإجابات كذلك: ما أكثر ما يربطك بوطنك الأصلي فلسطين؟ أكاديميون ومثقفون ومؤرخون وسياسيون وحتى أهل دين وتراث وعامة الناس حددوا ضمن أبرز الركائز شجرة الزيتون، هي هكذا شجرة الزيتون، ثقافة شعب وحكاية وطن بدءاً من المنشأ والأصالة حتى الصمود وما بينهما النزوح والهجرة واللجوء، حيث يروي المغادرون قصراً أنهم حملوا أغراضهم الخفيفة وبعض أحجار منازلهم وجذوع من زيتون مزارعهم، وهذا ما رافق دروب أدب أبناء الشتات شعراً ورواية وقصة ومقالة .

شجرة الزيتون المعمّرة دائمة الخضرة المستمرة في إعطاء ثمارها أكثر من ألفي عام والتي أقسم الله تعالى بها والتين والزيتون، وذكرت سبع مرات في القرآن الكريم وأوصى النبي، صلى الله عليه وسلم، أمته بزيتها طعاماً وعلاجاً، وتناولتها مختلف الدراسات المنصفة، وفي ذلك يعلق أستاذ التاريخ الإسلامي والمقارن والدراسات الفلسطينية د . سلامة علوان: علاقتها مع الفلسطينيين من المهد إلى اللحد يولدون بين ربوعها ويفضلون الدفن تحتها أو معها، وهناك مؤشرات تدل على أن الشجرة الموجودة في قرية الولجة غرب مدينة بيت لحم الأقدم والأكبر بين سواها عالمياً وربما تعود إلى ما يزيد على أربعة آلاف عام وتغطي مساحة تناهز سبعين متراً وثمة مخاوف من استيلاء المستوطنين عليها .

الاستيلاء وحده ليس آخر ممارسات التنكيل على أشجار الزيتون في الداخل، ففي أوج موسم قطف الثمار حالياً أوعز الجيش الإسرائيلي لرعاع الصهاينة بإحراق أكثر من 60 شجرة في أراضي بيت حنينا، واجتثاث المئات في الضفة الغربية، ويتجاوز إجمالي الأشجار المدمرة منذ بداية الانتفاضة حتى الآن ما يوازي المليون ولا تزال أيادي المستوطنين تعبث انتقاماً بما يمثل رمز البقاء من دون استسلام العجائز قبل الشباب حتى أن صورة شهيرة أظهرت سيدة مسنة تحتضن الجذع وسط شد وجذب أصحاب الهروات الغاشمة .

ولكن ما جذور الرمزية التاريخية والثقافية لشجرة الزيتون؟ وما سر علاقة الفلسطيني بها؟ وما مخاوف العدو منها وسبب سعيه الدؤوب جهة طمسها؟ وما نتيجة ذلك؟

يقول د . سلامة علوان: اختلفت الدراسات حول منشئها الأصلي، ولكنها تميل إلى فلسطين حيث وجدت حفريات قديمة تدل عليها في مناطق عديدة بينها بيسان، وتطرقت الكتب اليونانية إلى بذل جهد كبير في زراعتها في عهد الملك ثلمي فيادلفوس عام 270 قبل الميلاد، واجتزت معظم أشجار الزيتون من جبال القدس في عصر الرومان لبناء الحصون والقلاع أما البيزنطيون فاهتموا بها، وكذلك الأسباط قدروها كثيراً، واستعرض الجغرافي المقدسي تفاصيل بذرها وحصادها في عكا ومناطق مجاورة وكانت إحدى مصادر الدخل في فترة الحكم العثماني .

ويتابع علوان: جميع الكتب السماوية ذكرت شجرة الزيتون، وتعد قصة النبي نوح عليه السلام في مواجهة الطوفان وإرساله حمامة عادت وبفمها غصن زيتون رمزاً لانتهاء غضب الله وحلول السلام، وهذه الشجرة تتميز بطول عمرها وقدرتها على النمو في أفقر الأراضي وتجديد نفسها واستخدام جميع أجزائها بما يفيد البشر فضلاً عن جدواها غذائياً وعلاجياً أما ارتفاعها فيصل إلى 15 متراً، وثبت علمياً أن زيتها يساعد على تحمل الضغوط النفسية، وربما يعتبر ذلك أحد دوافع صمود الشعب الأبي .

ويفسر علوان العلاقة الوطيدة بين الفلسطيني وشجر الزيتون قائلا: تنفرد على مساحة تقدر بنحو 50% من الأراضي المزروعة في الضفة الغربية بعدد يقارب 9 ملايين شجرة وتسهم في تأمين دخل 10 آلاف عائلة فلسطينية فهي مصدر طعامهم وكسوتهم وأثاث بيوتهم ومبيتهم وسكنهم وعلاجهم من أعراض طارئة ووقود تدفئتهم، وفي موسم قطاف الغلة تتقابل الأسر سنوياً وفق مراحل تسجل رحلة رمزية في التعاضد والتكاتف بدءاً من جمع الحبات المتساقطة والفرش تحت الأوراق الوارفة وهز الأغصان وسواها يداً بيد بلا كلل أو تراجع، وهناك أهازيج باتت جزءاً من تراث الدلعونا، يأتي ضمن مقاطعها زيتون بلادي أجمل ما يكون . . زيتون بلادي واللوز الأخضر .

ويسترسل علوان: ثمة فتوى أصدرها حاخام صهيوني تحث على سرقة محصول الزيتون الفلسطيني، في ما صرح الجيش الإسرائيلي للمستوطنين ضمناً بإتلاف الأشجار لأنها توأم الهوية والرغبة بالبقاء والنضال وممارسة ثقافة الحفاظ على التاريخ والتراث والمستقبل من الجد إلى الأب حتى الابن فالحفيد وفق موروث متناقل، ولا تخلو قرية من هذه الشجرة المباركة وتعتبر بمثابة تعريف ولادة وجسر يربط بين أهل الشتات وخيرات أراضيهم ورمزاً للتقارب والتعاون والتضامن بما يشبه وحدة تلتقي عليها فوارق الفصائل وشاهد دائم على عروبة الأرض .

أما في الأدب فلازمت شجرة الزيتون الحديث عن رمز ثقافة أهل البلد وفي رواية أم سعد لصاحبها غسان كنفاني فإن الشخصية الواقعية للسيدة الريفية ترتكز على انفعالات وجدانية تحركها العلاقة مع الأرض ورحلة الغرس والقطف، وفي رواية رشاد أبو شاور العشّاق تبدو شجرة الزيتون عنصراً دائم الحضور في الأحداث ومرافقاً يلازم أبو خليل، وعن ذلك يعلق أبو شاور: الفلاح الفلسطيني وشجر الزيتون وجهان لشيء واحد، وهي بالنسبة له حقيقة كفيلة بمناهضة مزاعم صهيونية باطلة تريد اقتلاعها، وبذلك يشعر أنها تقتلعه ويرى في زوالها نهائياً زوال وطن .

ويلخّص أبو شاور وصف نمو شجرة الزيتون في عمق الفلاح الفلسطيني من خلاله وصفه حال سلمان بطل روايته أيام الحب والموت بأنه ظل متشبثاً بالبقاء فوق أرضه كأنه شجرة قدماه في التراب بدنه مثل جذع زيتونة، وعندما اشتد حصار المستوطنين الصهاينة للقرية حدّث حفيده الصغير محمود بعد أن قرّرت أمّه اللجوء إلى قرية أخرى اتقاء لوحشية أولئك المستوطنين، قائلا: شايف ها لشجر هالتين والزيتون والعنب هالأرض اللّي مثل الحنّون . هاذي إلك يوم ما ترجع إلها اتذكرني . اتطلع مليح فيها . . شم ريحة التراب خليها ما تروح من بالك خليك ما تنساها خلي ريحتها تذكرك فيها وفي عظامي اللي بدها تذوب فيها .

وحول الرمزية الثقافية لشجرة الزيتون يقول الشاعر موسى حوامدة: تلقائياً ترعرع الفلسطينيون على التعامل معها بوصفها أحد أفراد الأسرة وفقدانها يوازي خسارة أحدهم وربما يفوق أحياناً، لأنها مصدر حياة كاملة وحكاياتها وجبة رئيسية في يومياتهم وزيتها يرافق الصباح والظهيرة والمساء وتفاصيل الزرع والقطاف جزء من تكوينهم .

ويستطرد حوامدة: يفطم المولود الفلسطيني على حب الزيتون ويفهم منذ البداية أنها من أهم أولويات معيشته وتصبح لصيقة بثقافته الوجدانية وحتى الدراسية ومنها تبدأ وتنتهي أمور كثيرة منذ الفجر حتى المبيت، وحتى من هم في الشتات ثمة رابط فطري ومتسلسل من العائلة ولا شعورياً تجد حنيناً دافئاً جهة المحاصيل الآتية من الداخل .

ويضيف حوامدة: لن تنجح أيادي الاغتصاب في القضاء على غرس أصيل في الأراضي المحتلة ولاشك أن شجرة الزيتون مبعث مقاومة ودفاع، تبدو الزيتونة حاضرة بقوة في الشعر العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً لأنها رمز للمكان والزمان، وفي آخر ما كتبت قبل أيام تحت عنوان انشغالات أقول:

أحلم ببلاد من فراش

بجنة من أنهار وطيور

بمرج واسع من خضرة

بوطن بلا حواجز أو طرق التفافية

بجبال بلا مستوطنات

وبأعداء لا يريقون دم الزيتون

ولا يخلعون جذور الكبرياء .

وتعلق الأكاديمية والمخرجة والباحثة أروى صوان: عندما حملت الكاميرا وسجلت علاقة المواطنين بأراضيهم توقفت مبهورة أمام مشهدين، الأول ترك مسن في القدس لمنزله ومكوثه في كهف قريب مطل على أشجار الزيتون في مزرعته التي نهشها جنود الاحتلال ومروره إلى جانبها واشتمامه رائحة أوراقها، والثاني تشبث مخضرم فلسطيني بشجرة زيتون أراد اليهود اقتلاعها فقال لهم اجرفوني معها، ولم يتحرك من مكانه إطلاقاً لقناعته بأنها فصل رئيسي في تاريخ ومسيرة التشبث بالوطن .

قصيدة "شجرة الزيتون الثانية" لمحمود درويش

شجرة الزيتون لا تبكي ولا تضحك . هي

سيدة السفوح المحتشمة . بظلها تغطي

ساقها، ولا تخلع أوراقها أمام عاصفة .

تقف كأنها جالسة، وتجلس كأنها واقفة .

تحيا أختاً لأبدية أليفة وجارة لزمن

يعيها على تخزين الزيت النوراني وعلى

نسيان أسماء الغزاة، ما خلا الرومان

الذين عاصروها واستعاروا بعض أغصانها

لضفر الأكاليل . لم يعاملوها كأسيرة حرب،

بل كجدة محترمة ينكسر السيف أمام

وقارها النبيل . في فضة حضرتها المتقشفة

خفر اللون من الإفصاح، والنظر إلى ما

وراء الوصف، فلا هي خضراء ولا فضية .

هي لون السلام إذا احتاج السلام إلى فصيلة

لون . لا يقول لها أحد: كم أنتِ جميلة!

لكنه يقول: كم أنت نبيلة وجليلة . وهي

هي التي تدرّب الجنود على نزع البنادق،

وتمرنهم على الحنين والتواضع: عودوا إلى

بيوتكم، وأضيئوا بزيتي القناديل . لكن

هؤلاء الجنود، هؤلاء الجنود الجدد،

يحاصرونها بالجرّافات ويجتثونها من سلالة

الأرض . . ينتصرون على جدتنا التي انقلبت

وصار فرعها في الأرض وجذورها في السماء .

لم تبك ولم تصرخ . إلا أن أحد

أحفادها ممن شاهدوا عملية الإعدام، رمى

جندياً بحجر، واستشهد معها، وعندما مضى

الجنود منتصرين، دفناه هناك: في الحفرة

العميقة مهد الجدة . ولسبب ما، كنا

متأكدين من أنه سيصبح، بعد قليل، شجرة

زيتون . . شجرة زيتون شائكة . . وخضراء!