إبراهيم اليوسف

تظلّ الحاجة إلى تطوير الأدوات الإبداعية، لدى المشتغلين، في مجالات الأدب والفنِّ، بشكل عام، وفي مجال كتابة الشعر، بشكل خاص، أحد أهمّ الهواجس لدى كل مبدع أصيل، يدرك أهمية خطابه الفني، انطلاقاً من الحساسية العالية التي يمتلكها، والحرص على واقع، ومستقبل خطابه الفني، بل لأن المبدع الحقيقي هو الناقد الأول لقصيدته، وهو ما يدفعه - عادة - للاشتغال على الأدوات الإبداعية، لئلا يكرر نفسه، لأن في أي تكرار للذات نسفاً للإبداع .
في ما يلي، سبرٌ لرؤى ومواقف عدد من الشاعرات والشعراء الإماراتيين، ومن أكثر من جيل شعري، إضافة إلى رأي نقدي، فيما يخص "أدوات الإبداع"، وكيفية تطويرها، حيث هناك ما يشبه الاتفاق- كما يقال- بخصوص دور أدوات محددة .
تقول الشاعرة الهنوف محمد: من المعروف أن تطويرأي شاعر لأدواته يكون عبر القراءة، والتأمل، وتعميق التجربة الشعورية، وهويتم تبعاً للعمر الزمني للمبدع، وأنا شخصياً أعيد النظر في كتاباتي بين فترة وأخرى، ويحدث لي أنني عندما أحس بالتكرار، فإني أتوقف إلى أجل غير مسمى، حتى أبدأ بشكل عفوي، وكانت تجربتي هذه مفيدة بالنسبة إليّ .
ويقول الشاعر عبدالله الهدية: إن الشاعر يطور أدواته على قدر قراءاته، وإن أية متابعة لأي شاعر، سواء في المدارس الأدبية العربية أو الغربية، فإنها تبين لنا أن بإمكان الشاعر أن يرى "أين هو من تطور الحراك الشعري؟"، ومن جانب آخر، فإن مشاركات أي شاعر، داخل وطنه، أو خارجه، تستفزه لأن يطور أدواته على صعيدي: الكتابة والإلقاء . وبرأيي: إن القراءة هي عامل التطوير الإبداعي، في الدرجة الأولى، ثم الاحتكاك، وأنا لا أغفر لأي شاعر يبقى جامداً في أسلوبه أو طرحه الإبداعي . وعن تجربتي الشخصية، في هذا المجال أقول: دائماً، يحدث لي أن أجلس بمفردي، وأطرح على نفسي السؤال التالي: ماذا قدمت؟، وماذا أقدم؟، وماذا علي أن أفعله من أجل قصيدتي المقبلة؟، وحقيقة، فإنه جميل أن يعبر الشاعر عن نفسه، والأجمل من كل ذلك ألا ينسى متلقيه، فنحن نكتب للعامة والخاصة، وليس لمجرد طرف واحد فقط .
وتقول الشاعرة شيخة المطيري: بداية يجب أن يدرك الشاعر أن أدواته الشعرية يجب ألا تكون مخبأة في محفظة أو حقيبة . لأنها لو كانت هكذا لما تطورت ولما تغيرت . عليها أن تطل دائماً من نافذة مشبعة بالنور حتى تخرج من شرنقة مرحلتها إلى فراشة مرحلة أخرى . الأدوات طين الشاعر تشكله أصابع الحياة، بما فيها من مشاهد وتجارب وأفراد . وعلى الشاعر أن يتقن فن الطين وتشكله، وأن لا يقتنع أبداً بما تنتجه الأصابع من صورة نهائية، وعليه أن يؤمن بنقاء شعره، ثم يبدأ بإضافة ما من شأنه أن يحيل الكلام سكراً . ومن أهم سبل تطوير الأدوات أن يقرأ الشاعر المشهد الثقافي بشتى ألوانه، وأن يتناول وجبات متنوعة من الشعر والنثر والقصة والرواية . وأن يفتح حواسه بشغف أمام لوحة فنية، أو عمل مسرحي، أو فيلم سينمائي . إضافة إلى البحث عن الآخر وثقافته، والإطلاع على ما ينتجه الآخر في الثقافات العالمية . أما لدي أنا فلا تتجدد أدواتي إلا بمداومة الرجوع إلى معين لا ينضب أبداً، وهو القرآن الكريم بقراءة متأملة متأنية في آياته ومفرداته وتعابيره ومعانيه . والركن الثاني عندي هو الشعر العربي القديم المتجدد بما فيه من مخزون لغوي وقوة سبك وبراعة استهلال .
ويقول الشاعر علي الشعالي: في رأيي، على الشاعر أن يبقى على الدوام مشتغلاً ببري مفرداته، وسن صوره، ونحت سهام لغته، لا يكل ولا يمل، وإلا تراكم على نصوصه الغبار وأصبحت نصوصه رثة ينخر فيها سوس الرجعية الفنية والفكرية . عليه أن يفرك مفرداته حتى تعود لامعة ويانعة، تسر القارئ وتجعل مهجة المتلقي غناء ذات عصافير وأنهر . عليه أيضا أن ينهل من موارد قليلة الزحام، أي أن يذهب إلى حيث لم يذهب غيره من الشعراء، يلتقط فكرة من عمق محيط أو من سفح جبل، لأن هذا العالم مملوء بالجمال والجلال، يبقى أن تمتد يد وتقطف بدراً وتذيبه عصيراً ملوناً .
ويضيف الشعالي: منتج الفن كائن يمتاز بالقلق، لا يتصالح مع الركود، فهو في حركة دائمة، يسعى في نزق إلى الأمام، إلى الأعلى، والباقون يحاولون اللحاق به في سباق ماتع، سعة رئتيه وصدره هما محل رهانه، رئتاه رهافة حسه ومخيلته الشاسعة، ورجلاه الثقافة والمعرفة .
الشاعر محمد البريكي يقول: لكي يكون الحديث مبسطاً وسهلاً في موضوع تطوير أدوات الشاعر، لابد من إشارة ولو سريعة إلى كلمة تطوير، فهي كما تعرفها بعض المعاجم "التعديل والتحسين إلى ما هو أفضل" وطالما أن هذا التطوير سيؤدي إلى الأفضل، لذلك فإنه يعتبر ضرورياً للشاعر حتى لا يبقى على خط سير واحد ورتم متكرر يجلب الرتابة والملل، وطالما وجد التطوير في كل مناحي الحياة مثل التطوير المعماري والإداري والتربوي والمؤسسي، فليس من المعقول ألا يكون هناك تطوير ثقافي أو شعري يوازي ويعايش هذه التطورات من حوله .
هناك بعض القوالب الأساسية التي اشتغل عليها الكثير من المفكرين، وأدخلت تلك القوالب على الكثير من التجارب لمعرفة مدى تأثيرها وتقبلها، ومن هذه القوالب ما هو مرتبط بالشكل والإيقاع الخارجي للنص الشعري، ولمحاولة التطوير في هذه القوالب لابد وأن يصل المجتهد فيها إلى معرفة حقيقية بما سبق، ثم التجريب الذي إن وجد أنه مقنع ومفيد أمضاه وعرضه على الغير، أما التطوير في الأدوات الأخرى التي أراها متحركة وبها مساحات شاسعة وضرورية للشاعر ليتحرك فيها كاللغة وأدوات التعبير والتصوير والإدهاش والخلق والابتكار، فهذه يجب أن تبقى حاضرة دائماً وبقوة لدى الشاعر .
ويقول الناقد د . صالح هويدي: كيف يعيد الشاعر النظر بأدواته الشعرية؟ سؤال حيوي ومهم . فالشاعر الحقيقي هو الشاعر الأكثر حرصاً على شاعريته من سواه، إذ لا ينتظر أحداً من القراء ليقول له يوماً: أرى أن نصوصك في المرحلة الأخيرة قد اختلفت عما كانت عليه سابقاً، أو أنت شاعر جميل، ولا سيما في قصائد المرحلة الأولى .
لقد أخلص الشاعر العربي لإبداعه منذ ما سمي بالعصر الجاهلي، حين توصل إلى القاعدة الذهبية التي تطلب من الشاعر الناشئ أن يحفظ آلافاً من الأبيات، ثم ينساها، من خلال استراحة لا يتعاطى فيها إنشاد الشعر، وليعاود بعدها العودة إلى نظمه، فلقد كان ذلك بمثابة الخزان الذي يفيض عليه لاحقاً، بفعل عمل الذاكرة وآليات اشتغالها .
كانت تلك منطلقات خبرة الشعراء قديماً، فما بالك اليوم وقد تبدل الحال، وتغير المآل مع الشاعر المعاصر؟
على الشاعر الحقيقي أن يضع التجارب الشعرية نصب عينيه، مع الحرص على الابتعاد عن الوقوع تحت ظل تجربة بعينها، بأن تكون له رؤيته النقدية . فالفن أو الإبداع ضد الجمود والغرور والتكلس . إنه لغة الإدهاش التي ينبغي للشاعر تعلمها، لتصبح هاجسه . فمن دونها يكف الشاعر عن أن يكون شاعراً متجدداً .
وقال الشاعر طلال سالم: الشاعر الفطن يستطيع أن يطور ما يبهره في الشعر، بشكل خاص، وأدواته الشعرية، بشكل عام، وذلك إما بينه ونفسه، أو أن يطورها من خلال مشاركاته مع الآخرين، في الملتقيات والندوات والأمسيات الشعرية، ويخيل إليّ أن بحث الشاعر عن خلق الدهشة هو هاجسه الدائم لتطوير أدواته الإبداعية، وهو لا يمكن أن يتحقق من دون تلك القراءات العميقة في المجالات الأدبية العامة، القصة، الرواية، النقد، المقال، إضافة إلى الشعر، لأن الأدب يتقاطع في النهاية مع بعضه بعضاً، بغض النظرعن أجناسه المختلفة، كما يجب معرفة أمر آخر، وهو أن العامل العمري له دور كبير في ذلك، حيث للخبرات والتجربة دورهما الكبير، وكلما نضج الشاعر أكثر كلما انتبه إلى أدواته أكثر، ولابد من معرفة أن الحياة تتطور، بوتائر عالية، ومن لايستفيد مما يجري سيخرج بروح خاسرة، لأن من لايطور نفسه سيختفي إبداعياً .