لطالما شكلت الأمومة ببعديها الواقعي والرمزي عنصراً أساسياً من عناصر الإلهام لدى الشعراء والفنانين . فالأم لا تكتفي بمنح الحياة وتركها إلى مصيرها المجهول بعد لحظة الولادة، بل هي ترعى بدأب وتفانٍ مثيرين للدهشة وجود مولودها منذ أن كان بذرة غير مرئية في ظلام الرحم وحتى نقطة الضوء الأخيرة التي تطبق فوقها عينيها المتعبتين . كأنها بذلك تجسد البعد النهائي للتضحية كما للحب النقي والمجرد والخالص من أية شائبة . لا عجب تبعاً لذلك أن يقام للأم عيد سنوي تحتفل به البشرية بأسرها، وأن يتوافق هذا العيد مع مطلع فصل الربيع الذي يرمز إلى الولادة والخصب وتجديد العقد مع الحياة، فالاحتفاء بالأم وصولاً إلى تقديسها ليس عادة مستحدثة بأي حال، لا بل هو سابق على الأديان السماوية، حيث ظهرت عبادة إنانا في بلاد الرافدين وعبادة إيزيس في مصر الفرعونية .

تغص الأدبيات القديمة والحديثة، وبخاصة الشعر، بصور الأمومة ووجوهها ودلالاتها المختلفة، فالأم بالنسبة للشعراء هي الرحم والمخاض الصعب والكنف والمهد والغذاء واليد الحانية والأجفان المسهدة بقدر ما هي الأرض ومسقط الرأس والتراب الأول والمستوى الأخير، واللافت في هذا السياق أن مؤسس الحداثة العربية بدر شاكر السياب لا يكاد يأتي في شعره على ذكر أبيه في حين أن صورة أمه وملامحها يترددان في الكثير من القصائد، سواء عبر حضورها الشخصي المباشر أو عبر اتحادها بصورة الأرض ممثلة بقريته جيكور التي لا بديل من العودة إليها في نهاية المطاف، فهو في قصيدته جيكور أمي يعلن بوضوح تلك أمي وإن أجئها كسيحاً/ لاثماً أزهارها والماء فيها والترابا . وهو في قصيدة أخرى بعنوان نداء الموت يتخيل أمه المتوفاة وهي تتهيأ لاستقباله لحظة العودة إلى حضنها الترابي وتهتف به بني احتضني فبرد الردى في عروقي/ ودفء عظامي بما قد كسوت ذراعيك والصدر/ واحم الجراح/ جراحي بقلبك أو مقلتيك ولا تحرفن الخطى عن طريقي .

لم تكف الأمومة بمعنييها الواقعي والرمزي عن رفد الشعراء بالكثير من الأخيلة والمشاعر والترجيحات، وقد حفلت الأدبيات العربية المدرسية بعدد من القصائد التي تتفاوت قيمتها الإبداعية بين التقريري والوصفي كقول حافظ إبراهيم الأم مدرسة إذا أعددتها/ أعددت شعباً طيب الأعراق/ الأم أستاذ الأساتذة الألى/ شغلت مآثرهم مدى الآفاق . .، وبين الرومانسي العاطفي كما في قصيدة سعيد عقل أمي يا ملاكي/ يا حبي الباقي إلى الأبد/ ولم تزل يداك/ تشدني ولم أزل ولد، وفي أحيان كثيرة تجيء صورة الأم مرتبطة بصورة الأرض التي هي المهد واللحد والوعاء الذي يحتضن البشر والتاريخ، فأبو القاسم الشابي في قصيدته الشهيرة إرادة الحياة يشير إليها بهذه الصفة في قوله وقالت لي الأرض لما تساءلت: يا أم هل تكرهين البشر؟/ أبارك في الناس أهل الطموح/ ومن يستلذ ركوب الخطر . وكذلك الأمر بالنسبة للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي تعقد مقارنة جوهرية بين المرأة والأرض هذه الأرض امرأة/ في الأخاديد وفي الأرحام سر الخصب واحد، وعند محمود درويش يتكرر حضور الأم وطيفها المبتعد في غير قصيدة من قصائده التي حول مرسيل خليفة بعضها إلى أغنيات مترعة بالشجن الشفاف أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي/ وتكبر في الطفولة يوماً على صدر يوم/ وأعشق عمري لأني/ إذا مت أخجل من دمع أمي، أو قوله في قصيدة أخرى لديني لأعرف في أرض أموت/ وفي أي أرضٍ سأبعث حيا . ./ لديني لأشرب منك حليب البلاد/ وأبقى صبياً على ساعديك/ وأبقى صبيا .

على أن الأمومة بالمقابل ليس مجرد مصدر لإلهام الرجال الشعراء أو محفز لهم على الكتابة، بل هي تجربة إنسانية فذة تنقل الأنوثة إلى بعد آخر متصل بتعهد الحياة وحراستها وتمكينها من التجدد والاستمرار عبر نقل الجسد الأنثوي إلى خانة الأمومة المنذورة للبذل والعطاء، وإذا كان ثمة نساء شاعرات قد جعلن من تجربة الحمل والإنجاب موضوعاً لقصائدهن فإن تجربة الشاعرة التشيلية غابرييلا ميسترال الحائزة على جائزة نوبل للآداب، هي من التجارب الرائدة والفريدة في هذا المجال . ذلك أن صاحبة ألحان الوجود، التي وقعت في غرام رجل لم يبادلها الحب ثم قضى نحبه في عمر مبكر، نذرت القسم الأكبر من قصائدها للكتابة عن الطفل الذي لم تنجبه مطلقاً، والذي تمنت لو منحها إياه الرجل الوحيد الذي أحبته في حياتها، في قصيدة ألم دائم تتحدث عن أعراض الحمل من دون أن تكون حاملاً، ولكنها تفعل ذلك بصدق وحرارة لا يضاهيان تخالون أني لن احتمله/ وأنه سيظل ملتصقاً بي كعادته/ وحين ألده فمهما أوغلت في دربي/ فإن الريح التي تحمله ستمزق جلدي/ ويبلغ صراخه حلقي/ إن نحيبي وبسمتي يرتسمان على محياك يا ولدي، الطريف في الأمر أن مسيترال التي لم يُتح لها أن تنجب طفلاً حقيقياً من لحم ودم تمكنت من كتابة عشرات المقطوعات التي ترددها الأمهات أثناء هدهدة أطفالهن، والتي لا قبل للكثيرات من الأمهات الحقيقيات بمجاراتها في العذوبة والصدق والتعبير عن لذة الإنجاب، تقول في إحدى هدهداتها: نم يا زغبا من لحمي/ فلقد نسجتك في حشاي/ نم مشدوداً إلي/ إن طائر الحجل يغفو في العشب/ فلتتوقف عن إزعاجك خفقات أنفاسي/ إيه أيتها العشبة المرتعشة/ يا من تتولاك الدهشة من بقائك حياً/ إياك أن تفلت من يدي/ نم مشدوداً إلي .