أصلح النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر بين الأوس والخزرج من أهل المدينة ووحد بينهم وسماهم (الأنصار) بعدما ناصروه في الإسلام . ثم وحد بين المهاجرين من أهل مكة المكرمة . وأخيراً وحد بين الأنصار والمهاجرين . وكان ذلك تأكيداً للوحدة السياسية والنظامية بين العرب المسلمين في المدينة وأصبح الإخاء في الإسلام هو الرابطة التي تجمع بينهم مكان رابطة الدم والنسب والعصبية القبلية .
التآخي في الله
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة عندما قال للمهاجرين والأنصار: تآخوا في الله أخوين وعلى هذا الأساس تآخى أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع خارجة بن زهير الأنصاري، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه مع عتبان بن مالك الأنصاري سيد بني سالم الخزرجي، وعثمان بن عفان رضي الله عنه مع أوس بن ثابت النجاري، وأبو عبيدة بن الجراح مع سعد بن معاذ سيد الأوس وعالمهم، وقيل مع أبي طلحة، وعبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع الخزرجي الأنصاري، والزبير بن العوام مع سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري وقيل مع عبد الله بن مسعود، وطلحة بن عبيد الله مع كعب بن مالك الأنصاري، وأبو الدرداء مع سلمان الفارسي، وجعفر بن أبي طالب (وكان في الحبشة غائباً) مع معاذ بن جبل، وسعيد بن زيد مع أُبي بن كعب، ومصعب بن عمير مع أبي أيوب .
وبذلك تآخى كل مهاجر مع أنصاري، أي اتخذ له أخاً في الله تعالى من الأنصار . فتم بذلك الدمج الاجتماعي بين المهاجرين والأنصار بعد أن اندمجوا دينياً، فكان ذلك نواة المجتمع الإسلامي الواحد .
وتأقلم المهاجرون بسرعة في حياتهم الجديدة، فرغم ما أظهره الأنصار من كرم وضيافة لهم، فإنهم بدأوا العمل في الزراعة والتجارة حتى لا يعيشوا عالة على غيرهم .
وبهذه المؤاخاة توثقت وحدة العرب المسلمين في المدينة لتشكل قوة عظيمة خاصة بعد وضع الصحيفة .
أول معاهدة مع اليهود
والصحيفة عبارة عن كتاب وثيقة سياسية كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين من المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود المدينة وعاهدهم . وعرف هذا الكتاب بالصحيفة التي تنقسم إلى قسمين، قسم ينظم علاقة المسلمين بعضهم ببعض وقسم ينظم علاقة المسلمين كأمة باليهود كأمة تدليلاً على أنه عقد جوار دائم بين أمتين . فكان بمثابة أول معاهدة مع اليهود تعقد في الإسلام رغم عدم توقيع يهود المدينة من بني قريظة والنضير وقينقاع الذين وقعوا فيما بعد صحفاً مثلها .
ومما جاء في الصحيفة: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب محمد النبي صلى الله عليه وسلم الأمي بين المؤمنين والمسلمين من قريش والمدينة، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم . إنهم أمة واحدة من دون الناس . . إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دبيعة (عطية) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم . وإن كل غازية غزت معنا يعقب (يتناوب) بعضها بعضاً، وإن المؤمنين يبئ (يكف أو يمنع) بعضهم على بعض . بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط (قتل بلا سبب) مؤمناً قتلاً عن بيتة، فإنه قود به (قتل النفس بالنفس) إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثاً (مرتكب جناية) ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف (التوبة)، ولا عدل (الفداء)، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأموالهم وأنفسهم إلا من ظلم وإثم، فإنه لا يوتغ (لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته . . إلخ .