صعوبات التعلم ليست ضعفاً أكاديمياً يقتصر على ذوي الاحتياجات الخاصة بل يشمل الأطفال الأسوياء الذين يعانون عسراً في القراءة والكتابة والإدراك والعمليات الحسابية، وبالتالي يؤدي ذلك إلى انخفاض في التحصيل الدراسي سواء إن كانت معدلات ذكائهم متوسطة أو عالية. وكثير من العظماء المعروفين كانوا يعانون صعوبات التعلم، فالعالم المعروف ألبرت إينتشتاين ﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟﻜﻼم ﻓﻲ ﺳﻦ اﻟﺮاﺑﻌﺔ ﻛﻤﺎ أﻧﻪ لم ﻳﺘﻌﻠﻢ اﻟﻘﺮاءة ﺣﺘﻰ بلغ ﺳﻦ اﻟﺘﺎﺳﻌﺔ، وﻣﺪرﺳوه وصفوه بأنه ﺑﻄﻲء اﻟﺘﻌﻠﻢ وﻣﻨﻄﻮ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ، ﻛﻤﺎ أﻧﻪ رﺳﺐ ﻓﻲ اﻣﺘﺤﺎن اﻟﺘﺄﻫﻴﻞ ﻟﺪﺧﻮل اﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﺛﻢ ﺗﺠﺎوزه ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ وﻛﺎﻧﺖ ﺑﺪاﻳﺔ ﺣﻴﺎﺗﻪ اﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻓﺎﺷﻠﺔ ﻓﻘﺪ ﻛﺎن ﻣﻮظفاً ﻋﺎدياً ﻓﻲ إحدى اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ.
أما العالم المعروف توماس أديسون لم ينجح كثيراً في دراسته نظراً لضعف ذاكرته، وتشتت ذهنه، و ضعفه في مادة الرياضيات، فكان دائماً ما يثير تساؤلات بعيدة عن الموضوع الذي يدرسه، مما جعل المدرسين يستاؤون منه ليحكموا عليه بأنه طالب فاشل ولا فائدة من تلقيه العلم، كما قال عنه الأطباء إنه مصاب بمرض ما، نظراً لحجم رأسه الكبير الغريب في شكله، كانت والدته هي عامل الدعم الأساسي في حياته إذ أعانته كثيراً، فقامت بتعليمه في المنزل، ووفرت له مكتبة ضخمة، ليتمكن من مطالعة الكتب المختلفة لرفد ثقافته والنواحي العلمية لديه، وكذلك عانى الممثل السينمائي توم كروز صعوبات التعلم إﻻ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﺘﻌﻠﻢ ﻓﻘﻂ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺷﺮاﺋﻂ اﻟﻜﺎﺳﻴﺖ، أﻣﺎ اﻟﻜﺎﺗﺒﺔ اﻟﻤﻌﺮوﻓﺔ أﺟﺎﺛﺎ ﻛﺮﻳﺴﺘﻲ اﻟﺘﻲ اﺷﺘﻬﺮت ﺑﺘﺄﻟﻴﻒ قصص اﻟﺮﻋﺐ اﻟﺒﻮﻟﻴﺴﻴﺔ ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﺑﻴﺪﻫﺎ وﻫﺬه الحالة ﺗﺴﻤﻰ «ﺗﻌﺴﺮ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ» أو «اﻟﺪﻳﺴﺠﺮاﻓﻴﺎ» ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﺖ ﺗُﻤلي ﻣﺆﻟﻔﺎﺗﻬﺎ ﻟﻜﺎﺗﺐ ﻳﻘﻮم ﻫﻮ ﺑﻜﺘﺎﺑﺘﻬﺎ ﺑﻴﺪه أو ﻋﻠﻰ اﻵﻟﺔ اﻟﻜﺎﺗﺒﺔ.
اضطراب عصبي
فصعوبات التعلم هي اﺿﻄﺮاب ﻋﺼﺒﻲ ذو ﻣﻨﺸﺄ لغوي ﻧﺎتج ﻋﻦ أسباب ﺟﻴﻨﻴﺔ وراﺛﻴﺔ ﺗﺆﺛﺮ ﻓﻲ ﻣﻬﺎرات أكاديمية تعليمية ﻣﺨﺘﺼﺔ ﺑﺠﺎﻧﺐ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ والقراءة وعسر الرياضيات، ويجب أن نعلم جميعاً أنه ليس هناك علاقة بين الذكاء و صعوبات التعلم، وعلى العكس فإن بعض الطلبة ممن يعانون هذه المشكلة أذكياء جداً، و معظمها تكون نتيجة لعوامل وراثية تظهر لدى الأولاد بنسبة أكبر من البنات، لذلك تعتبر صعوبات التعلم همّ يؤرق العملية التعليمية برمته بدءاً من البيت والمدرسة والمجتمع، ولا يخلو بيت وإلا فيه طفل يعاني بصمت عسر القراءة والكتابة وضعف الحوار بينه وبين أبوية وزملائه وصعوبة التركيز عليه في الصف، ولانعدام المتخصصين في هذا المجال الحيوي والمهم برزت هذه الظاهرة.
حالات واقعية
«الخليج» التقت عدداً من أولياء الأمور والمتخصصين لتسليط الضوء على هذه الظاهرة والسعي لإيجاد الحلول الناجعة لها.
قالت عزة محمد أحمد «ربة منزل» إن ابنتي وعمرها 10 سنة في الصف الخامس الابتدائي تعاني صعوبات التعلم، واكتشفت ذلك من خلال المعلمة التي كانت تدرسها في الروضة حيث لاحظت أنها مشتتة الذهن ولا تركز، وكثيرة الحركة ولديها عسر في القراءة والكتابة، فهي تعرف الحروف منفردة أما حين تبدأ القراءة والتشكيل وربط الحروف مع بعضها تجد الصعوبة، وكذلك ينطبق الأمر في العمليات الحسابية مثل الجمع والطرح، مشيرة إلى أنها في البداية كانت تجبرها على الدراسة ولكن بعد أن عرفت المشكلة حرصت على مساعدتها بالتدريس بتأنٍ وتكرار الفقرة عدة مرات حتى تجيدها وأقوم بتشجيعها مما مهد أن تفهم قليلاً وتحفظ.
وطالبت الجهات المختصة بتوفير منهج دراسي لطلبة ذوي صعوبات التعلم وفقاً لإمكاناتهم و قدراتهم التعليمية، أو إنشاء مدرسة خاصة لهم أو تكوين فصول خاصة بهم ومساعدتهم في اندماجهم اجتماعياً مع زملائهم.
تأخر في النطق
وقالت حورية محمد «ربة منزل» إن ابنتها مريم 11 سنة، في الصف الخامس، تعاني تأخراً في النطق وعسراً في القراءة والكتابة ونقصاً في التركيز بالرغم أنها تساعدها على المذاكرة واستيعاب الدروس، لضعفها في التركيز مشيرة إلى ضرورة توفير أخصائيين في مجال صعوبات التعلم بالمدارس لتسهيل عملية الدراسة وتذليل الصعاب للأطفال الذين يعانون ذلك لفك طلاسم عسر القراءة والكتابة لديهم.
فيما قالت شيرين جاسم النويس «موظفة»: اكتشفت أن ابني يعاني عسراً في القراءة والكتابة متأخراً وهو بالصف الخامس الابتدائي وعمره كان آنذاك 11 سنة، فعندما كنت أساعده في المذاكرة يأخذ مني وقتاً طويلاً في القراءة والكتابة وبالأخص في الإملاء مع أن معدل ذكائه جيد جداً، ولكنني لاحظت أن نتائج امتحاناته ضعيفة، مما جعلني أنقله 4 مرات إلى مدارس خاصة، وقد لاحظت مدرسته في الصف الخامس أن أداء ابني الأكاديمي ضعيف مقارنة بعمره الصفي، فأول ما قمت به هو فحص النظر والأذن، حيث كانت النتيجة أن ابني مصاب بازدواجية في الرؤية فوفرنا له نظارة طبية.
وأضافت سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لعلاج ابني بمركز متخصص بصعوبات التعلم «الديسليكسيا» وقاموا بتشخيص حالته وركزوا على تحديد نقاط القوة والضعف لديه وعلى ضوء النتائج قدموا لي بعض المقترحات التطبيقية في طرق التعامل والعلاج مع ابني حتى يتحسن أداءه الأكاديمي، أو ما يطلق عليه الإعاقة الأكاديمية وهي عبارة عن ضعف أكاديمي أقل من عمره الصفي، فمثلاً إذا كان الطالب في الصف السادس يكون مستوى القراءة وكتابته للإملاء و كأنه في الصف الأول الابتدائي.
وقالت شيرين النويس خلال تجربتي مع معاناة ابني الأكاديمي قررت أن أسهم في إيجاد حل لذوي صعوبات التعلم من خلال إنشاء مركز تعليم متخصص لعلاج عسر القراءة والكتابة والرياضيات لدى الطلاب وتوعية أولياء الأمور حول صعوبات التعلم.
7% لديهم المشكلة
وكشف الدكتور أحمد الألمعي استشاري و رئيس قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بمدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي أن 7% من المراجعين من الأطفال شخصوا على أنهم لديهم عسر في القراءة والكتابة والرياضيات من مجموع المراجعين في عام واحد الذين يقدر عددهم ب 4000 مراجع، موضحاً أن المراجعين الذين يأتون إلى جناح العلوم السلوكية قليلون، وشيء لا يذكر من الأعداد الفعلية الموجودة في المدارس الذين يواجهون صعوبات التعلم، وللأسف أن بعض أولياء الأمور لا يحبذون إحضار أطفالهم لدينا كون العيادة طباً نفسياً للأطفال والمراهقين.
وأوضح أن هناك علاقة بين الأطفال الذين لديهم عسر في القراءة و الكتابة و التأخر في النطق أو اللغة و هذه الملاحظة لاحظتها عندما عملت بالقسم، وتوضح إحدى الدراسات التي قمنا بها، أن نسبة الأطفال الذين لديهم تأخر في النطق و مشاكل في اللغة مرتفعة، وهي من أكثر النسب التي شاهدتها، ولذلك أسباب مختلفة سواء كانت وراثية، أو لكثرة استعمال الإلكترونيات، حيث تكون مهارات الطفل وحياته الاجتماعية متأخرة وتقدر نسبتهم نحو 13% من المرضى المراجعين لعيادة الأطفال، لافتاً أن الذين تكون لديهم إعاقة لغوية تكون لديهم مشاكل في التعلم خاصة القراءة والكتابة وهي مشكلة كبيرة لابد من التركيز عليها، وللأسف الشديد أعتقد أنه لا يوجد دعم كاف من المدارس سواءً كانت حكومية أو خاصة لمواجهة هذه المشكلة، وأن كثيراً من الأطفال يكون مستوى الذكاء لديهم متوسطاً، ولا تقدم لهم خدمات لرفع مستواهم.
خدمات تعليمية
وأكد الدكتور أحمد الألمعي أن العلاج الرئيسي لصعوبات التعلم ليس علاجاً نفسياًَ أو دوائياً بل هو تقديم الخدمات التعليمية والدعم الاجتماعي حيث كانت تسمى سابقاً «فصول تربوية خاصة» ، فكانت مناسبة لهم، وبالتالي كانت تؤدي في نهاية الأمر إلى تحسن حالة هؤلاء الأطفال بالنسبة لعسر القراءة، مؤكداً أن المتخصصين في مجال صعوبات التعلم قليلون، والاختبارات لتحديد مستوى عسر القراءة وعسر الكتابة متوفرة فقط باللغة الإنجليزية، فلا بد من السعي لتقنينها إلى اللغة العربية، لذلك يجب البحث عن طرق لتوفير الأخصائيين في مجال صعوبات التعلم وعلى الجامعات والكليات الجامعية استحداث قسم لتدريس علم صعوبات التعلم، مضيفاً أن المدارس هي التي من الواجب أن تتكفل بعمل اختبارات عسر القراءة والكتابة، فبعض المدارس توفر غرف المصادر وفصول تربية خاصة وبعض المدارس لا توجد فيها هذه الوسائل وبصفة عامة نرى أن المدارس الخاصة لا توجد فيها فصول تربية خاصة وإذا كانت متوفرة فهي قليلة جداً.
ودعا الألمعي أولياء الأمور إلى ضرورة تقديم الدعم الكافي للأبناء والبنات مما يخلق فرقاً كبيراً في حياتهم وهي ليست إعاقة أبدية ويمكن علاجها وقد تتطور بحيث تصبح غير ملحوظة بعد العلاج، وكثير من العظماء والمفكرين كانت لديهم عسر في القراءة والكتابة مشيراً إلى أهمية عرض حالات صعوبات التعليم على المختصين في جناح العلوم السلوكية بمدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي حتى يجدوا العلاج المناسب لأبنائهم.
اختبار القدرات
وأشارت أمل الشحي أخصائية نفسية بقسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بمدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي إلى أن 50 طفلاً يتابعون في قسم الطب النفسي للأطفال من أجل إجراء اختبار القدرات لديهم ويتم إجراء الاختبارات ل 8 أطفال في الشهر، مضيفةً أن نوعية الاختبارات المناسبة تحدد وفقاً لطبيعة المعلومات المتوفرة من قبل أولياء الأمور بدءاً من مدة الحمل وحتى الولادة سواء إن كانت طبيعية أم قيصرية، وأن الأطفال الذين لديهم فرط الحركة وتشتت الانتباه تحدد لهم اختبارات لقياس معدلات الذكاء، تنقسم إلى أكثر من مستوى بينما الأطفال الذين لديهم تأخر في النطق تحدد لهم اختبارات غير لفظية، كما أن هناك اختبارات للأطفال الذين ليس لديهم مشاكل في الكلام.
وعزت الزيادة في ذلك إلى أن بعض الأطفال لديهم مشاكل في الفهم اللفظي ومخزونهم اللفظي بسيط لضعف التواصل مع الوالدين وزملائهم الأطفال كونهم يجلسون لساعات طويلة يشاهدون الرسوم المتحركة وهي رسوم غير ناطقة وصامتة وليس بها حوار ومحادثة، ما يؤثر في مخزونه اللفظي وكذلك ضعف الحوار داخل الأسرة، كما أنهم لا يقرأون القصص لذا نجد لديهم صعوبات في الجهة اللفظية.
وأوضحت أن جناح العلوم السلوكية لا يتوفر لديه اختبارات عسر القراءة والكتابة وأن هناك أطفالاً ليست لديهم مشاكل في النطق ولكن لديهم مشكلة في الجزء العملي أي القدرة على التركيز ونقص الانتباه لذلك نقوم على تشجيع الأهل على تدريب أبنائهم على استخدام العجين والرسم والكروت والمقص البلاستيكي.
ودعت أولياء الأمور إلى الجلوس مع الطفل والقراءة له وتدريبه على ذلك والذهاب به إلى متخصص في صعوبات التعلم يساعده على إنهاء مشكلة عسر القراءة والكتابة.
مشكلة عالمية
وقالت الدكتورة جيني جويس المتخصصة في التقييم النفسي لطلاب صعوبات التعلم في استكلندا خلال زيارة لها إلى أبوظبي، إن صعوبات التعلم (الديسيلكسيا) تعتبر مشكلة عالمية وتقدر نسبة من يعاني هذه المشكلة 10% من مجموع السكان على مستوى العالم، ولتحديد طبيعة صعوبة القراءة والكتابة والرياضيات لابد من إجراء اختبارات معرفية لفظية وبصرية والذاكرة والتعبير الكتابي، واختبار الذكاء من أجل معرفة نقاط القوة والضعف لدى الطفل وتوجيه الطفل وفق بعض التوصيات مستندة الى نتائج التقييم لمساعدة الطالب حول كيفية تحسين وتطوير مهارة القراءة والكتابة لديه وأيضاً في مجال الرياضيات.
ضعف إدراكي
لفت يونس قطيط متخصص في صعوبات التعلم بمركز تعليم لتشخيص صعوبات التعلم بأبوظبي إلى أن الأطفال الذين لديهم عسر في القراءة والكتابة تكون نسبة ذكائهم بين المتوسط والعالي وفق قياس معدل الذكاء إلا أنهم لديهم ضعف إدراكي في بعض المجالات وعملية اكتساب المعلومات تختلف عن الأطفال العاديين موضحاً أنه يتم توظيف المهارات التي يكتسبها الطالب بطريقة أخرى ويعاني الطالب ضعف الإدراك السمعي أو البصري أو اللمسي فنسعى إلى تقويتها عن طريق استعمال الجهة الأقوى لديه حتى يكتسب المعلومة واستخدام عدة طرق لذلك منها أسلوب تعددية الحواس ومن خلال استغلال جميع حواس الجسم، ولا نكتفي بحاستي السمع والبصر بل نضيف حاسة اللمس والشم وأغلب الحواس الموجودة حتى تصل المعلومة بشكل مناسب ويتم تأهيل الطالب بعدها لمرحلة لاستخدام جميع حواسه.