بيروت - رولا حميد:
تتعرض مهنة "المنجد" للتراجع السريع مثل بقية المهن التقليدية تحت تأثير مضاربة صناعة الفرش الحديثة، وبسبب عدم تجدد متعلميها فأغلبية الباحثين عن العمل، يتجهون إلى أعمال حديثة الطابع تتناسب مع ثقافة العصر، ويفترض أن تدر مالاً أكثر من الحرف التقليدية، في ظل الإهمال الكبير الذي تواجهه هذه الحرف، فليس هناك من يحميها من المنافسة، وليس هناك من يروج لأفضليتها الصحية، لتأمين السوق لتشجيع صناعتها .
تنقسم مهنة التنجيد إلى شقين: الأول ندف القطن أو الصوف، والثاني، التنجيد، أي تحويل المواد إلى فرشة أو مخدة أو لحاف .
في طرابلس اللبنانية وفي أسواقها التقليدية، لم يبق إلا منجد واحد، وآخر يعمل لكن خارج نطاق الأسواق التقليدية، بينما "كان عدد المنجدين حتى الثمانينات يزيد على 53 منجداً، وهم قلة مقارنة مع الفترات الزمنية الأكثر قدماً" بحسب ما أفاد آخر منجدي الأسواق الحاج فضل أسعد الذي يعمل على تحضير الفرش واللحف والمخدات بناء على توصية عدد قليل من الزبائن، الذين لا يزالون يفضلون الصناعة البلدية على الصناعة الحديثة، ويعمل في محله قرب سوق النحاسين منذ سنة ،1950 ويفيد الأسعد أن "عمله يشهد تراجعاً قوياً عن السابق بنسبة 57% لأن الناس يميلون إلى الفرش الحديثة، واللحف الخفيفة الخالصة"، ويقول: "نحن نحاول التخفيف من وزن اللحاف لكي نستطيع تحمل المنافسة، والطلب على اللحف القديمة هو أكثر من الطلب على الفرش مع بعض التخفيف في الوزن، لأن اللحف الحديثة لم تكن مريحة للناس" .
تتنوع أصناف القطن، ومن الناس من يميل إلى القطن البلدي الذي يزرع في الشرق، وتتكثف زراعته في سوريا ومصر، ومنهم من يميل إلى القطن المصنع الأكثر نعومة وطراوة . ويعتمد المنجدون مختلف الأصناف بناء على طلب الزبائن . يقول أسعد: "نستخدم القطن من مختلف الأصناف ومنه القطن المصنع، وحسب الطلب، لكن نحن المنجدين لا نجد قطناً أفضل من القطن الملكي (النباتي المنشأ) . إذا جرح أصبعك تضع له قطنة وهي تضمده" .
يفضل كثيرون الصوف على القطن، ومصدر الصوف هو الغنم، حيث يجز الرعاة ماشيتهم في مواسم تقلب الطقس، ويبيعون الصوف لاستعمالات شتى . يوضح أن "الطلب على الصوف قليل . وإن كان الصوف أفضل لأنه يعطي دفئاً أكثر، ولأن القطن على الساحل يمتص الرطوبة ويتلبد، ويتعذر بعد ذلك إدخال الأبرة فيه . وفي هذه الحالة علينا أن "نندفه" بالمحرك الآلي، وليس بالسيخ - قضيب من حديد - حتى "ينفش" .
وعن مصدر الصوف يقول أسعد إن "الباعة يأتون به من الجرود، حيث يجز الرعاة الخراف في مواسم معينة، ويتولى بعض الناس تنظيفه وتنعيمه، وتجفيفه حتى يطقطق (أي يجف كثيراً) ونحن نشتريه منهم بعد أن انقرضت الدباغات المحلية في المدن" .
عدة المنجد تقتصر على سيخ سماكة قطره خمسة ملمترات، بطول متر، والإبرة بطول خمسة سنتمترات، والخيط، والكشتبان وشمعة العسل لتشميع الخيوط لتقويتها، وعن سماكة الفرشة التقليدية، يفيد الأسعد بأنها "51-71 سنتمتراً، إلا أن البعض يطلبها عشرين . وبعض مرضى الظهر - الديسك - يطلبها 10-21 سنتمتراً" .
وعن تكاليف الصناعة، وكيفية تحديدها، يقول: أسعارنا أرخص مع أن العمل يستغرق وقتاً طويلاً . فاللحاف يضرب ضربة ضربة بالإبرة وفيه مئات الضربات أو الغرزات . وهناك بعض الزبائن يطلب أن نرسم له شكلاً معيناً على اللحاف، وهذه تستغرق أكثر، فيزيد السعر وتكاليف العمل بحسب ساعات العمل .
مع تطور الأحداث في سوريا وفقدان الأمن فيها، تراجع إنتاج القطن، وتجارته مع لبنان، مما أحدث أزمة على المنجدين . يتحدث أسعد عن معاناته بقوله: "اليوم هناك صعوبة الحصول على القطن لأن مصدره الأساس سابقاً كان سوريا، واليوم يتعذر استيراده إلى لبنان، ولذلك ترتفع تكاليف التنجيد . كانت الفرشة تكلف مئة ألف ليرة، بينما الفرشة المصنعة تكلف على الأقل مئة دولار، والآن في ظل أزمة القطن في سوريا، ترتفع التكاليف ثلاثة أضعاف . كان سعر كيلوغرام القطن العادي ثلاثة آلاف ليرة، والملكي بخمسة آلاف ليرة، اليوم سعر الكيلوغرام 51 ألف ليرة لبنانية، لكن الأجرة هي ذاتها" .كذلك تؤثر "المضاربة في عملنا كثيراً، لكن تظل الحرفة حتى اليوم تغطي حاجاتنا الحياتية، وربك كريم رزاق، هناك من يطلب تصنيع الفرش من الخليج، وبعض الأحيان من شركات كبيرة" .
ويختم ذاكراً أن "المنجدين باتوا قلة في المدينة، فقد تقدم المنجدون في العمر، ولم يتعلم الحرفة أحد بعدهم . وليس هناك من يتعلم الحرفة مجدداً، وأكثر التراجع حدث في السنوات العشر الأخيرة" .
وفي الريف، يختلف واقع المنجدين قليلاً، فالريفيون يميلون أكثر للصناعة التقليدية، ولذلك يزيد الطلب على الصناعة الحديثة، لكن الطلب على القديم لا يزال مرتفعاً، مع تراجع عدد المنجدين . لكن خالد النجيب استمر في حرفته، ونقلها لابنه الذي طورها وأضاف إليها تنجيد فرش السيارات والكراسي وأشياء أخرى، وخالد من بلدة "عيات" العكارية التي ضمت سابقاً عدداً من المنجدين وهو نموذج للمنجد القديم، يعمل في منزله بناء على الطلب، لكنه يجول على المنازل في مئات البلدات العكارية بناء على طلب العائلات .
كان المنجد يحمل قوسه ومدقته الشبيهة بمدقة الكبة، يعمل بهما على "ندف" القطن والصوف . فالقوس عصا خشبية طويلة يربط طرفاها بخيط سميك وقوي ومشدود كالوتر الموسيقي، يضعه المنجد على القطن ويضرب الخيط بالمدقة، فيرتج ويندف القطن . "لكن القوس انقرض"، يفيد النجيب، مضيفا أنه "لم يعد يستعمله أحد في لبنان، تمت الاستعاضة عنه إما بالسيخ، وإما بمحرك كهرباء مزود بدولاب فيه أسنان حادة متى تحرك الدولاب، ندف القطن وأعيد جمعه منفوشاً صالحاً للتنجيد" . يضيف: أحيانا، أفضل استخدام السيخ عندما تكون الكمية صغيرة، فأجمعها على حصير على الأرض، وأقوم بضربها بالسيخ حتى ينفش القطن فأجمعه وأصنع منه فراشاً أو لحافاً أو مخدة وفق المطلوب .
ويذكر النجيب أن "كثيرين من أبناء القرى المجاورة لا يزالون يفضلون الفرش والمخدات واللحف بالطريقة التقليدية، وأنا أذهب إلى بيوتهم، وأنجد لهم حاجاتهم كما كنا في السابق وهذا أكثر عملانية من أن يأتوا لي بأغراضهم لتنجيدها" .