بدعوة من مؤسسة إبحار للإبداع والطفولة زرت صنعاء في الفترة ما بين ال 23 وال 28 من شهر مايو/أيار لإحياء أمسيتين شعريتين في اتحاد الكتاب اليمنيين ومؤسسة العفيف الثقافية كانتا من بين أجمل الأمسيات على مدى مشواري الأدبي، إذ لن أنسى لليمن احتفاءها، ولا للمثقفين اليمنيين اهتمامهم، ولا لصنعاء كبير الأثر الذي تركته في النفس والذاكرة. خلال هذه الزيارة التي تضمنت نشاطا ثقافيا، وزيارات مجاملة لأفراد ومؤسسات، كان المجال سانحا أيضا لإقامة زيارة مجاملة إلى صنعاء القديمة التي تشبه في ما تشبه نفسها مبددة تحت خيط من الشمس الرحيمة.
كانت الاصطباحة صنعانيا بالزلابية والبرعي في دهليز بيت بسيط، بساطة سيدته التي بالغت في الاحتفاء بي من دون أن تعي تماما ما معنى أن أكون جزائرية وألحت في السؤال إن كنت من ذمار أو تعز، وكأن الخريطة الموجودة في رأسها ليس فيها إلا صنعاء وذمار وتعز... لا شك وأن هذه السيدة هي أسعد خلق الله بتحول بيتها إلى مزار يقصده الرجال والنساء في الصباح الباكر جدا من أجل أن يظفروا باصطباحة صنعانية مميزة تحضرها بكفاءة عالية.
خرجت وعلى يدي آثار الزلابية، وعلى قلبي آثر تلك المرأة الصباحية، وفي كاميرتي طيف منها وهي تلقف العجينة من الزيت.
المحطة الموالية كانت الدار الصنعانية، التي تحوي كل ميزات البيت الصنعاني القديم بجميع تفاصيلها الثرثارة فوق العادة، وكم تشبه الدار الصنعانية الدار القسنطينية شمال شرق الجزائر في الكثير من تفاصيلها ويتمظهر هذا التشابه بعناية الدار الصنعانية على غرار مثيلتها في قسنطينة بالنافذة تعشيقا ونقشا وتزيينا على حساب الباب، معلنة بهذا التفصيل المعماري الصغير كم أن مجتمع تلك الفترة يختزن ذهنية هروبية تؤمن بالنافذة أكثر من الباب.
في الدار الصنعانية، غرف معيشة كثيرة، وغرف نوم ومطابخ، وحمامات، معدة حسب طراز خاص.
ومن أكثر ما لفت انتباهي في الدار الصنعانية وجود طابق من طوابق البيت غير مشاهد من الخارج، مصمم بطريقة لا يمكن للواقع خارج البيت أن يراه وأن يعرف بوجوده ضمن طوابق الدار، يقال له الدور المسروق، وتكون فيه غرفة لكبير الدار وذلك لبطء حركته، حتى يظل قريبا من مصادر الضوء والحرارة بجانبها مخزن المؤونة، إذ أن كبير الدار حتى وإن هزل جسمه وقلت حركته يبقى المتصرف الأول والوحيد في مؤونة البيت.
السبب الرئيسي الذي جعل هذا الدور الذي يسمى مسروقا، لا يظهر للعيان، هو وجود حمام كبير للنساء فيه، وشرفة على امتداد الدور تخرج النساء للتنشف فيها والتمتع بأشعة الشمس من دون أن تدركهن أنظار الفضوليين والمتطفلين.
بعد الدور المسروق يأتي آخر دور في الدار الصنعانية، ويسمى الطيرمانة وربما كانت الكلمة تركية، إذ لم يعرف دليل الدار كيف يجيب على أصل التسمية.. الطيرمانة دور مخصص لمقيل القات هذا النبات الذي يستهلك على اليمنيين معظم ميزانياتهم، ويعقدون له جلسات خاصة، ومقايل يتناولونه فيها أو يخزّنونه كما هو شائع في الاستعمال اليمني.
الطيرمانة هي الجزء المخصوص من الدار الصنعانية القديمة بجلسات المزاج، وتكون في آخر أدوار الدار، لارتباطها بالتحليق الذي تأخذ إليه جلسات التخزين والقات أصحابها، وقد أعدت بحسب ما يخدم الغرض منها، وزودت بكل الأدوات والأثاث اللازم لذلك من أراجيل، وأوان لتقطير الماء، ومدافل.
قيل لي إنه خلف كل مسجد في صنعاء القديمة كان ثمة بستان كبير، وذلك لاستغلال ماء مجاري الوضوء في السقي، الآن لم يدع الاسمنت مجالا لشجرة واحدة كي تطل برأسها، وتبدو البيوت الحديثة التي وإن حاولت أن تلتزم بشيء من المعمار القديم في بنائها، كقطع النشاز في تلك السمفونية الصنعانية القديمة.
أول ما يلفت نظرك في الشارع تمنطق اليمنيين لجنبياتهم، وهي خناجر بأشكال معينة، لا يزال الرجال هناك يحرصون على حملها معهم، كأنما ثمة خطر مبهم في انتظارهم، وكأنما لا علاقة لهم بالمجمتع المدني والقوانين والحق العام. وتنتشر صناعة الجنبية في صنعاء على غرار اليمن كله، والبعض منها أثمانها باهظة، لكون مقابضها العاجية من أنياب الفيلة والكركدن.
رغم انتشار الوجبات السريعة على مدى الوطن العربي، إلا أنني لاحظت لها انحسارا في اليمن، إذ لا تزال العقدة والسلتة والسحاوق والبرعي والزلابية الأكثر انتشارا والأكثر طلبا في سوق الوجبات اليمني.
يرتبط اليمنيون بالغناء التراثي اليمني أيما ارتباط، إذ قلما تخلو سيارة يمنية من شريط كاسيت لأيوب طارش، الذي يعجن اليمن بألحان صنعانية بديعة ليس يشبهها غيرها.
خرجت من الدار الصنعانية وعلى ثيابي بلل خفيف من أثر الرش بماء الورد، وعدت من صنعاء بذاكرة مبللة تماما بالبردوني والشعر الحميني وصوت عبد الرحمن الآنسي الذي يطلع من غياهب الأرض: يا حمامي أمانة ما دهاك.