إن الهيمنة التي يأخذ بها القرآن قارئه، ويستولي بها على سامعه هي سر مضمر في القرآن الكريم، لا يعرف له مأتى ولا يبصر له وجه، وإنما هو روح يسري في القرآن الكريم كما تسري الكهرباء في أسلاكها، فإذا اتصل متصل بالقرآن دب إليه من تلك الروح دبيب يسري في كيانه فيملك وجدانه ويأسر مشاعره، ويكون فيمن وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا (مريم: 58).

ذلك أنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً أو منثوراً إذا قرع السمع خلص له الى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى. ما يخلص من القرآن إليه.

فكم من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وان يركنوا الى مسالمته ويدخلوا في دينه، وما إسلام عمر بن الخطاب عنا ببعيد.

لقد وجد المشركون لألفاظ القرآن وعباراته وقعاً جديداً على آذانهم، وسلطاناً قاهراً على قلوبهم، وامتلاكاً لمشاعرهم، حتى ليستمع احدهم الى كلمات الله تتلى وهو متجه إليها بقلب يغلي غيظاً، ونفس تفيض عداوة وحقداً، ثم إذا هو لا يجد ذلك القلب الذي كان معه، ولا تلك النفس التي صحبته، وإذ هو خزيان يرجف هلعاً ويضطرب فزعاً كأنما تمتد اليه يد القدر لتلقي به في مهاوي الهلاك. جاء الوليد بن عتبة وكان سيداً من سادات قريش الى النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه أن يدع ما هو فيه، وأن يطلب من قريش ما يشاء من مال أو سلطان، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم الآيات الأولى من سورة فصلت والوليد مأخوذ بها لا تختلج فيه خالجة، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أخذ الرجل على فم النبي أن يمضي أكثر من هذا، ودعاه في ذلة وانكسار أن يمسك.

ولم يكن ذلك إلا لأن الرجل عرف وجه الصدق في هذا الكلام، بعد أن استيقن أن هذا الكلام لا يصدر من نفس انسان وانما هو كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم كلام رب العالمين، وأن ما ينذر به من صواعق حق واقع لا شك فيه.

وهكذا يصحب القرآن دائماً حيث كان ومع من كان، هذه الروعة التي تطلع منها القلوب، وتلك السطوة التي تملك النفوس، وهذه الروحانية التي تلبس الكيان الانساني كله، وتستولي على كل خالجة منه ويكفي أنه كلام رب العالمين.

سبحانك ربي قلت في محكم التنزيل:

لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون، (الحشر: 21).

يقول الشيخ محمد رشيد رضا:

إن الله تعالى قد أوجد بالقرآن اعظم انقلاب في البشر بتأثيره في أنفس العرب، إذ جعلهم بعد أميتهم أساتيذ الأمم وسادة العجم.

وما فقد المسلمون هدايته إلا لجهلهم بأسرار لغته، لذلك يهاجمه أعداؤه الملاحدة والمستعمرون من طريق لغته، فليعلم المسلمون هذا، وليحرصوا على حفظ لغتهم، وممارسة آدابها وأسرار بلاغتها، ولتكن غاية هذا كله فهم القرآن كما كان يفهمه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، (الأحزاب:4).

وكم كان الرافعي مصيباً حين رد ضعف تأثير القرآن على النفوس الآن عن ذي قبل الى تفريط المسلمين في الأخذ بآدابه، والسير على تعاليمه، بعد أن فرطوا في الاحاطة بأصول اللغة العربية.

فالتفريط في لغة القرآن استتبعه التفريط في آدابه واخلاقه، وما فرط المسلمون في آداب هذا القرآن الكريم إلا منذ أن فرطوا في لغتهم، فأصبحوا لا يفهمون كلمه، ولا يدركون حكمه، ولا يتخلقون بأخلاقه وشيمه، وصاروا الى ما هم عليه من عربية كانت شراً من العجمة الخالصة، واللكنة الممزوجة، فلا يقرأون هذا الكتاب إلا احرفا ولا ينطقون الا أصواتاً.

هذه كانت علة العلل في أن القرآن الكريم لم يعد له من الأثر في أنفس أهله ما كان له من قبل ولا بعض ما كان له.

* جامعة الشارقة