تبدو صورة شعراء عقد التسعينات من القرن الماضي في اليمن.. مشوشة قليلاً، وذلك لندرة أو قلة التواصل مع هؤلاء الشعراء الذين نادراً ما يشاركون في المهرجانات الشعرية العربية، وأكثر من ذلك نادراً ما نقرأ لهم في منابر ثقافية عربية منتظمة خصوصاً في ظل غياب مجلة ثقافية عربية جامعة لنتاجات الشعراء العرب.

في هذا التحقيق يشكو الشعراء اليمنيون من غياب النقد الذي من شأنه أن يضيء الاتجاهات الفنية والجمالية والفكرية في النص الشعري التسعيني في اليمن، ونستطيع القول إنها شكوى لا تطال الشعراء اليمنيين وحدهم، فالنقد العربي أهمل بالفعل إهمالاً تعسفياً قصيدة التسعينات العربية وهي قصيدة حاملة الكثير من التوهج والتجديد.

في اليمن على وجه التجديد تبدو الصورة أكثر درامية حيث رحل عن هذه الفانية حوالي خمسة شعراء يمنيين شباب كانوا يشكلون جزءاً من العمود الفقري لقصيدة التسعينات في اليمن، وهو الجيل الشعري اليمني الذي يروق للعبض منه التصريح بأنه جيل بلا أب بالمعنى الثقافي وأنه جيل عصامي تسلح برؤاه الإبداعية التي كرسته في خريطة الشعر اليمني.

تقول الشاعرة نادية عمر: غالبية جيلنا تكتب للحياة، وللغد هؤلاء الشعراء لا تغريهم المنافسة ولا يشغلهم التقييم ولا يهمهم الحضور ولا المشاركة، يكتبون من قراهم وانجاعهم، يحتفظون بما يكتبون، يغربلونه ولا يسهبون في النشر ولا يقاتلون لاعتلاء المنابر الموسمية.

وهذه الإجابة المقتضبة للشاعرة نادية عمر يقابلها زميلها الشاعر محمد عبد الوهاب الشيباني الذي يقول: للشعراء التسعينيين أو شعراء التسعينات في اليمن همومهم الجمالية وانشغالاتهم وأسئلتهم المعرفية والتي على رأسها ما جدوى الشعر؟ في زمن يشهد في كل لحظة تبدلات مهولة أقلها تراتيبية الأجناس الأدبية التي أتاحت للسرديات ومنتجاتها البصرية ان تقفز لواجهة القراءة والمشاهدة والمتابعة، وآمل أن يستطيع هؤلاء الشعراء تحويل نصوصهم إلى منتج ثقافي غير نخبوي يسهل متابعته والتواصل معه.

ويضيف الشيباني: بعد جيل السبعينات الشعري لم يحظ جيل آخر بالقراءة والمتابعة مثل جيل التسعينات الشعري، صحيح ان كتاب النص الجديد - قصيدة النثر- كانوا أصحاب الاهتمام الأكبر في القراءة والمتابعة بسبب قدرتهم على فتح نوافذ للتواصل مع الخارج، غير أن الشعراء الذين يكتبون القصيدة البيتية وقصيدة الوزن قصيدة التفعيلة وسجلوا أيضا حضورهم الخاص تحت لافتة التبجيل الشعري التسعيني وأنتجوا أيضاً قاعدتهم القرائية الخاصة، لهذا السبب يعتبر جيل التسعينات الشعري في اليمن جيلاً متعدداً ومتنوعاً وحتى متعايشاً على عكس الخصومات التي جرت في مراكز ثقافية عربية وكرست كتاب قصيدة النثر على حساب التحيزات الشعرية الأخرى.. وهذا الجيل استطاع أن ينتج نقاده ودارسيه من ذات البنية التكوينية والزمنية، بمعنى آخر، ان هناك نقادا اهتموا بتجارب شعراء التسعينات خرجوا من هذا الجيل ومن سياقه الزمني وتكوينه الثقافي.

وتعتبر الشاعرة د. ابتسام المتوكل أن واحدة من الهموم الكبرى التي أرقت شعراء التسعينات في اليمن هي محاولة إثبات نفسه أمام الأجيال التي سبقته، وان يكون لهذا الجيل بصمته الخاصة ومذاقه الشعري المتميز في خريطة الشعر العربي، ومن الهموم الملحة الآن على هذا الجيل هي ان يحافظ على حضوره واستمراريته على التجديد حتى لا يتكرر ويستطيع ان يرفد الساحة بالشعر الأصيل.

وتعتقد المتوكل ان هذا الجيل كان محظوظاً جداً لأنه جيل المتغيرات الكبيرة: سقوط الإيديولوجيا الضاغطة على الشعر جعل هؤلاء الشعراء يتنفسون ويكتبون كل التفاصيل التي ما كان يحتفى بها في السابق، فعصر الالتزام السياسي وزمن ملازمة الكلمة للبندقية قد ولى.

تضيف ابتسام المتوكل: مناخ الوحدة اليمنية وما حققته من انفتاح ثقافي وتعددي سمح للهوامش ان تشارك في النص، إضافة إلى الكم الهائل من الصحف التي صدرت بعد الوحدة موجدة منابر متعددة، فأصبحت تبحث عن نتاج شعري تقدمه في صفحاتها الثقافية.

وترى المتوكل ان قصيدة النثر كانت رهان شعراء التسعينات وكانت تجربتهم فيها أعمق وأقوى باعتبارها الوجه الثاني لهذا الجيل الشعري.

وتقول الشاعرة نادية مرعي: المنابر المتاحة محدودة بما لدينا من نزر الفعاليات المناسباتية، والفائض من الصحف المحلية، وتظل الشبكة العنكبوتية هي المدار الأوسع للحضور والتعبير والمنافسة، ولكن لمن يملك مفاتيحها ويتقن استخدامها،وعليه تظل نسبة الرضا المزعوم محدودة بامتلاك واحدنا لتلك المؤهلات بغض النظر عن مستواه الابداعي.

ويقول الشاعر عبد الناصر مجلي الهموم كثيرة في وجه شعراء التسعينات في اليمن أولها انسداد الآفاق في هذه البلاد وعدم وجود وزارة حقيقية تهتم بالمبدع والمبدعين،الى جانب التهميش الكبير لدور المبدع سواء كان بقصد أو من دون قصد.

ويضيف: هذه البلاد تمتاز بوفرة كبيرة من المبدعين في شتى المجالات لكنهم لم يجدوا من يحتفي بهم، فالمبدع في هذا الوسط القاتل للإبداع عليه ان يدفع ضريبة انه مبدع ومتميز.

ويرى مجلي ان ميزة هذا الجيل انه بلا أب بالمفهوم الثقافي أوجد نفسه من الفراغ واستطاع ان يدشن الانفجار الثقافي اليمني.

ويقول مجلي: هذا الجيل الفضل بعد الله في إيجاد حراك ثقافي وإن كان في الحد الأدنى، فهو آت ولا توجد هناك جائزة تشجيعية في القصة أو الرواية أو الشعر فكان مهمشاً رغم قدراته الإبداعية الخارقة.

الشاعر الحارث بن الفضل الشميري يوضح أن جيل التسعينات كان له حضوره الفاعل في الساحة الإبداعية والمشهد الثقافي اليمني، وبرغم الزخم الكبير والقامات الشعرية لعقد التسعينات لم يحفظ تاريخ الإبداع والثقافة منهم إلا أسماءً لا يتجاوز عددها أصابع اليد.

وينوه الحارث بأن المناخات المتعددة من الحرية والديمقراطية والتنوع الثقافي والأدبي الذي يشهده اليمن كفل بنشر ذلك النتاج الإبداعي والادبي.

وعن همومه يقول الحارث: كنت في التسعينات أبحث عن لقمة العيش لي وحدي، أما اليوم فأنا أعكف على البحث عن ثماني لقم لي ولأسرتي.

ويطالب الحارث بعدم التفريق بين الشعر العمودي وشعر النثر.. فالشعر هو الشعر حتى الشعر الشعبي، فالمهم قوة البناء النصي للقصيدة وأثرها العميق الذي تتركه في نفوس قرائها ومنتقديها.

ويستدرك الحارث بالقول: عاصر شعراء التسعينات في اليمن الكثير من التحولات المحلية والعربية والدولية، الأمر الذي نجم عنه الكثير من الهموم والصعوبات المؤثرة في العملية الإبداعية.

أما الشاعر سلطان عزعزي فيندب أبناء جيله الذي رحل نصفهم ويقول: مات نصف جيل التسعينات في سن الشباب توفيق الزكري، نبيل السروري، عادل شجاع، عادل الماوري، مختار الضمبري، ولا يزال بعضهم يعاني مرارة العيش والحياة، لكن بعضهم ما زال يقاوم وينقش بموهبته الإبداعية صفحات التاريخ الأدبي والحراك الثقافي في اليمن.

ويرى سلطان ان جيل التسعينات جيل عصامي رغم انه اشتغل على النص وعلى القصيدة والإبداع الثقافي.. عاش ناطحات سحاب من الهموم وشهد مرحلة تحول من البعد الشفاهي الكتابي إلى البعد البصري، فأصبح يعاني عدم القدرة على مواكبة العصر بتقنياته البصرية في النص الشعري.

واعتبر عزعزي ان الجيل التسعيني شكّل مهاداً وأساساً ورافعة لتحولات المشهد الألفيني، وعاش مرحلة مخاض لقصيدة التفعيلة، وشكّل الأرضية للمناخات والأجواء الثقافية الأدبية التي نعيشها اليوم، وكان لكثير من المتغيرات والتحولات أثرها الكبير على هذا الجيل.

ويقول عزعزي: عالمياً سقطت المنظومة الإشتراكية، وعلى الصعيد الإقليمي أزمة الخليج وعلى الصعيد اليمني الوحدة اليمنية، وهذا كله صب في بوتقة الإبداع والثقافة اليمنية، وكان لها آثارها الإبداعية والاجتماعية والاقتصادية والمعيشية.

ويشير عزعزي إلى ان جيل التسعينات عاش مرحلة تهميش وسياسية الإقصاء الشديد رغم انه شكل مرحلة تحول ثقافي مرجعي، الأمر الذي أدى إلى تسرب أنصاف المواهب وأنصاف المبدعين بحكم الشلليات والرقابة الصارمة على النشر فلم يأخذ الجيل التسعيني حقه من الإنصاف والتشجيع والدعم ولم تتح له المناخات المناسبة، الأمر الذي انعكس سلباً على العملية الإبداعية في اليمن خلال فترة التسعينات.

ويوضح عزعزي: هناك أسماء كثيرة انسحبت وتحولت إلى الكتابة والعمل الصحافي وتمتلك أعمالاً خاصة كمحمد الشيباني وعلي الشاهري، كما واجه جيل التسعينات الشكل الكتابي الجديد الذي له اشتراطاته الفنية والجمالية والإبداعية فوجد البعض صعوبة في الانتقال لهذا الشكل، لكن الشعر يظل شعراً في كل الأحوال أينما وجد، سواء في الشكل التفعيلي أو النثري، فهو يظل خاضعاً لموهبة الشاعر نفسه.