ولأن ضرس العقل يظهر في سن متأخرة فهو يعمل على ضم جميع الأسنان، ويغلق المسافات المفتوحة بين الأضراس، فيمنع تراكم الفضلات، ونظراً لأنها آخر الأسنان التي تظهر بالفم، ففي أغلب الأحيان لا تجد لها مكاناً للنمو والظهور، وبالتالي إما أن تظل مدفونة في عظام الفك كلية، أو تحاول البزوغ جزئياً، أي يظهر جزء منها بالفم والباقي مدفون بعظام الفك، ويختلف ضرس العقل عن بقية الأضراس في نموّه أحياناً، إذ ينمو بشكل مائل إلى الأمام، الأمر الذي يسبّب صعوبةً كبيرة في تنظيف بواقي الطعام العالقة بينه وبين الضرس الموجود أمامه، وبالتالي حدوث نخر فيهما، أو من الممكن أن يكون مائلاً إلى الخارج، ما يتيح الفرصة أمامه للاحتكاك بباطن الخد وعضّه بشكل مستمر، وبالتالي حدوث تقرّحات وآلام فيه، وعند أغلب الناس تظهر 4 أسنان من ضروس العقل 2 في الفك العلوي و2 في الفك السفلي، ويظهر ضرس العقل من الخارج للثة في الجزء الخلفي من الأسنان، وغالباً يظهر بشكل أفقي مائل.
نظرية التكيّف البيئي
أصبح ضرس العقل في عصرنا الحاضر أكثر الأسنان عرضة للانطمار وعدم البزوغ، وأحياناً لا يتكوّن أصلاً، وهنالك أشخاص تجاوزوا عمر الثلاثينات ولم يظهر لديهم أحد أضراس العقل، أو في بعض الأحيان تكون جميعها غير ظاهرة، ما دعا كثيراً من الأشخاص اعتباره ضرساً زائداً ليست له وظيفة، ويمكن تفسير ذلك بنظرية التكيّف البيئي، ففي العصور القديمة كان الناس يأكلون أصنافاً جامدةً وغير مطبوخة، والتي كانت تؤدّي إلى تآكل الأسنان نتيجة لاحتكاكها القوي ببعضها البعض، هذا بالإضافة إلى كبر الفكين في ذلك العصر ما يسمح بتكون ضروس العقل وبزوغها سليمة بلا متاعب، واليوم اختفت تلك السلوكيات القديمة في تناول الطعام، وذلك بتغير طرق ونوعية الطعام إلى طرق أكثر رقة، وأكل أكثر لين، ما قلل من تآكل الأسنان، وصغرت المسافة المخصصة لبزوغ ضرس العقل، وبالتالي أدى ذلك إلى انطماره، وهناك أيضاً العامل الوراثي، الذي نتج بسبب التزاوج بين الأعراق المختلفة في عصرنا الحاضر، وخلق مزيداً من تشوهات الأسنان والفكين ومن ضمنها تزاحم الأسنان وخاصة ضروس العقل.
اختفاء البرعم
لا يعني عدم ظهور ضرس العقل أن الشخص غير عاقل أو رشيد كما يزعم البعض، ولكن توجد بعض الأسباب الطبية التي أدت إلى عدم ظهور هذا الضرس، ومن أبرز هذه الأسباب هي اختفاء البرعم الخاص به منذ البداية، وكذلك صغر حجم الفك، بحيث لا يسمح له بالنمو أو الظهور، وهناك احتمالان لنموّ ضرس العقل، الأول أن يظهر في مكانه بشكل صحيح، وموازٍ لبقية أسنان الفك، وعندها لن تكون هناك أي مشاكل، والثاني أن يظهر بشكل غير موازٍ أو مائل بشكل ما، وفي هذه الحالة يجب أن يُزال، لأنه سوف يتسبب في تلف بقية الأسنان المجاورة، أو تدمير عظام الفك أو عصب الأسنان، وعندما ينمو ضرس العقل بصورة مائلة إلى الأمام يصعب تنظيفه كما ذكرنا، ما يؤدي إلى حدوث حالة تسوس ضرس العقل والآخر الذي بجانبه أيضاً، وفي بعض الحالات ينمو ضرس العقل بصورة مائلة، ويسبب ألماً ووجعاً، ومن الممكن أن يمتد هذا الألم إلى الأذن والعين أو أسنان الفك، وضرس العقل من الممكن أن يكون بؤرة التهابات بكتيرية، تنتقل إلى مناطق بعيدة في الرقبة والرأس ما يسبب مضاعفات خطرة.
نوبات ألم ثلاثية
حين تبدأ أضراس العقل بالظهور فإنّ الإنسان يعاني الإصابة بنوبات من الآلام الثلاثيّة الاتّجاه، حيث تصيب الفك كاملاً، والأذن والرقبة والرأس معاً، وذلك لوقوع الضرس في مكان منزوٍ في زاوية الفك، أيضاً يصاحب ذلك الإحساس صعوبة وثقل عند فتح الفم، ومن الممكن أن يصل الأمر إلى عدم القدرة على فتحه، وكذلك صعوبة مضغ الطعام بشكلٍ سلس وجيّد، ويرجع ذلك إلى ضغط أضراس العقل على العضلات المضغية الموازية لها ولقمّة الفك، مع نشوء التهابات شديدة في منطقتي الفك واللثة، ما يتسبّب بخروج رائحة كريهة من الفم، وظهور بعض الانتفاخات، وهذا الالتهاب والتورم ممكن أن يحتجز تحته إفرازات صديدية تزيد من الألم، فلا يستطيع المريض أن يفتح فمه بسهولة، ولا يقدر على بلع الطعام، وترتفع درجة حرارة الشخص المصاب بهذه الحالة، مع الإحساس بالتعب والإعياء، وضغط ضرس العقل على عصب الفك السفلي، يجعل منه بؤرة يصدر عنها الألم بين الحين والآخر، مع ملاحظة أن أطباق الضرس يمكن أن يتسبب في التهاب اللثة المغطية له أثناء المضغ، مسبباً التهاباً بكتيرياً مؤلماً.
حالات الخلع الضرورية
خلع ضرس العقل من الممكن أن يكون ضرورياً، وذلك في حالة ما إذا كان يسبب مشاكل مستمرة للشخص، ومنها حالة خروج الضرس بشكل مائل وتتجمع الفضلات بينه وبين الضرس المجاور متسبباً تسوس الضرسين، كما أن ضرس العقل وهو يقوم بشق طريقه للظهور من خلال اللثة، يقوم بتكوين طبقة من اللثة تغطي جزءاً منه، وتصبح مكاناً تتجمع فيه بقايا الطعام، فتؤدي إلى حدوث التهابات في اللثة، كما يحدث التواء للضرس فيظهر بشكل مواجه للاتجاه الخاطئ، أيضاً حجم الفك الصغير يؤدي إلى عدم ظهوره عبر اللثة، والنتائج المترتبة على ذلك ظهور بعض المشاكل أثناء تنظيف مكان ضرس العقل، بسبب بعده أو انحشاره بين الأسنان الأخرى.
نصائح بعد العملية
تعتمد طريقة خلع ضرس العقل على مدى صعوبة أو سهولة مكان الضرس، وفي الأغلب يتم خلع ضرس العقل البارز على سطح اللثة بشكل أسهل من الضرس الذي ينمو تحت اللثة، أو المغروس في عظام الفك، حيث إنه في هذه الحالة يلجأ الطبيب إلى إحداث شق داخل اللثة المحيطة بضرس العقل، كي يتمكن من الوصول إليه، ويتم خلع الضروس الأربعة دفعة واحدة في غرفة العمليات، وذلك تحت تأثير مخدر كامل، أما في عيادات الأسنان العامة فيتم تحت مخدر موضعي، وفي هذه الحالة ينصح بخلع ضرس أو اثنين على الأكثر، ولا بد من اتباع نصائح الطبيب بعد عملية الخلع، ومن هذه الإرشادات استخدام كمادات ثلج على الخد لتخفيف الانتفاخ المتوقع في اليوم الأول، مع إبقاء الفم مقفلاً، والضغط على الشاش المغطي للجرح لإيقاف النزيف، كذلك الراحة التامة وعدم التعرض لأي مجهود، لأنه يؤدي إلى عدم التئام الجرح، مع تناول الأطعمة الطرية والإكثار من السوائل، وتناول الأدوية الموصوفة لك كما أشار إليها طبيب الأسنان، كذلك يفضل تجنب أشعة الشمس والحر إذا أمكن ذلك، والابتعاد عن تناول أي مشروبات أو أطعمة ساخنة، وتجنب المضمضة أو غسل الفم أو البصق لمدة يوم كامل بعد خلع ضرس العقل كي لا يحدث نزيف.
ارتباط جيني
تشير الدراسات إلى أن عدم تكوّن ضرس العقل يختلف حسب المناطق الجغرافية حول العالم، فتصل نسبة نموه إلى صفر% مثلاً عند السكان الأصليين في تاسمانيا بأستراليا، حيث لا ينمو لديهم ضرس العقل نهائياً، وفي بعض الأماكن الأخرى تصل نسبة ظهوره إلى 100% وينمو بشكل كامل على سبيل المثال عند السكان المكسيكيين الأصليين، وتؤكد الدراسات أن هذا الاختلاف يرجع إلى ارتباط جيني وراثي، وهناك نسبة قليلة فقط تصل إلى أقل من 2% ممن وصلوا عمر 65 عاماً وأكثر يحتفظون بأسنان صحية دون تسوس أو أمراض بالدواعم، وكذلك أكثر من 10% يحتفظون بأضراس عقل جيدة ومن دون أي تسوس أو أمراض دواعم الأسنان، وفترة ما بعد خلع هذه الضروس حرجة للغاية، ويجب اتباع تعليمات طبيب الأسنان بدقة، وذلك لمنع حدوث أية مضاعفات خطرة مثل التهاب العظم.