مع تطور البحث العلمي تمكنا في الوقت الحالي من دراسة تفصيلية لتكوين الجنين داخل الرحم، والمراحل التي يمر بها ليتمكن من العيش صحياً بعد الولادة، ومعروف أن فترة الحمل مدتها تسعة شهور وهي ما تماثل 40 أسبوعا للحمل. ويعد طب الجنين طفرة جديدة في مجال متابعة الحمل وتشخيص وعلاج العيوب الخلقية والأمراض التي قد تصيب الجنين وتؤثر في تكوينه داخل الرحم.
تعتبر الموجات الصوتية (السونار) هي الركيزة الأساسية لملاحقة تكوين الجنين وتطوره داخل الرحم، وفهم المراحل المختلفة التي يمر بها ليتمكن من نضوج الأعضاء التي تمكنه من العيش خارج الرحم، وقد مرت الموجات الصوتية بمراحل مختلفة حتى أصبحت ذات تقنية عالية مما يجعل رؤية الجنين ومتابعته وإجراء بعض الجراحات عليه داخل الرحم ممكنة، مع ملاحظته باستخدام السونار.
إن العيوب الخلقية التي قد تصيب الجنين ناتجة عن عيب في تكوين أحد الأعضاء أو ناتجة عن عيب في الكروموسومات التي تكون خلايا الجنين، وتتكون خلايا الجنين من 46 كوروموسوما.
أهم أمثلة لعيوب الكروموسومات هي الأطفال المنغوليون الذين يعانون من زيادة عدد الكروموسومات في الكروموسوم رقم 21 ومثل هؤلاء الأطفال يعانون من عيوب خلقية في أعضاء مختلفة من الجسم مع وجود تخلف في وظائف المخ، مما يؤثر سلباً في قدرتهم على التعامل مع المجتمع، وقدرتهم على الحصول على قدر من التعليم والدرجات العلمية.
لكن توجد عيوب أخرى للكروموسومات تكون نتيجتها وفاة الجنين داخل الرحم أو بعد الولادة مباشرة، هؤلاء الأجنة يلاحظ فيهم وجود عيوب شديدة في تكوين أعضاء الجسم.
تعتبر عيوب الكروموسومات ناتجة عن خلل في الانقسام السليم لخلايا الجنين أثناء تكونه داخل الرحم في أيامه الأولى، وزيادة سن الأم يعتبر أحد العوامل التي تزيد من نسبة حدوث هذه العيوب مما يزيد من فرصة حدوث سقوط للحمل في بدايته.
مع التطور السريع لتكنولوجيا الموجات الصوتية تمكنا الآن من القيام بفحص دقيق لتكوين الجنين في مرحلة مبكرة وهو في الشهر الثالث من الحمل، وهو ما يماثل الأسبوع الثاني عشر من الحمل مما يمكننا من التشخيص المبكر للعيوب الخلقية وبعض الأمراض التي تصيب الجنين، وفي نفس الوقت أخذ عينات من الجنين للحصول على التشخيص السليم الذي يساعد على عمل خطة لعلاج الجنين إن أمكن، أو معرفة فرصة حدوث تلك العيوب في الحمل الذي يليه.
لوحظ أن الأجنة المصابة بعيوب كروموسومات مثل الأطفال المنغوليين يوجد بهم عيوب ملحوظة في الأسبوع الثاني عشر من الحمل، مما يساعد على التشخيص المبكر لذلك.
من أهم هذه الملاحظات وجود زيادة في سمك غشاء الرقبة وهو ما يسمى بالشفافية القفوية ووجد أن هذه الملاحظة يمكن أن تستخدم لمعرفة نسبة حدوث عيوب الكروموسومات في الحمل في مرحلة مبكرة في الأسبوع الثاني عشر، مما يساعد على التأكد من وجود هذا العيب بأخذ عينة من الجنين لإثبات التشخيص. ومع تطور البحث العلمي في هذا المجال وجد بعض الملاحظات الأخرى مثل تكوين عظمة الأنف وارتجاع الدم إلى القلب والتي زادت من قدرتنا على التنبؤ بزيادة فرصة حدوث الأطفال المنغوليين إن وجد عيب في تكوين هذه الملاحظات أثناء إجراء الموجات الصوتية في الأسبوع الثاني عشر من الحمل. لا يقتصر فحص الجنين في الشهر الثالث من الحمل على إثبات وجود للجنين، بل يتمكن من فحص تكوين المخ والجمجمة، تكوين الأطراف، تكوين الجهاز البولي، تكوين العمود الفقري، تكوين جدار البطن، مما يساعد على تشخيص جزء من العيوب الخلقية التي تصيب الجنين في مرحلة مبكرة من الحمل.
بعد التأكد من سلامة تكوين الجنين يتم قياس سمك رقبته، الشفافية القفوية، وملاحظة تكوين عظمة الأنف والملاحظات الأخرى التي تساعد على معرفة نسبة إصابة الجنين بعيوب الكروموسومات.
باستخدام الموجات الصوتية في الشهر الثالث من الحمل، وإضافة هذه الملاحظات بعد الفحص الدقيق لتكوين الجنين نتمكن من إعطاء كل أم نسبة لفرصة حدوث عيوب الكروموسومات في الجنين أثناء تلك الفترة من الحمل، وتشتمل تلك المعادلة على أخذ سن الأم، طول الجنين، سمك الشفافية القفوية، وجود ملاحظات في تكوين الجنين بعد أخذ كل هذا في الاعتبار تعطي نسبة لفرصة حدوث عيوب الكروموسومات.
إن الطريقة التي تعطي الإجابة النهائية إذا كان الجنين مصابا بعيوب الكروموسومات أم لا هي أخذ عينة من خلايا الجنين، ويحدث ذلك إما بأخذ عينة من المشيمة في الشهر الثالث، وأخذ عينة من السائل الأمنيوسي في الشهر الرابع من الحمل.
لكن أخذ عينات من خلايا الجنين يحمل معه فرصة لحدوث زيادة في نسبة سقوط الحمل بنسبة 1% وهو ما نحاول التقليل من الاعتماد عليه باستخدام فحص الجنين مبدئيا وإعطاء فرصة حدوث عيوب الكروموسومات بناء على المعلومات التي وجدت بعد فحص الجنين بالموجات الصوتية في الشهر الثالث من الحمل. إن وجد أن نسبة حدوث عيوب الكروموسومات بسيطة نطمئن الأم على تكوين الحمل، وإن وجد أن نسبة عيوب الكروموسومات زادت على المعدل الطبيعي فللأم أن تختار إن أرادت أن تتأكد من إصابة الجنين أم لا بأخذ عينة من المشيمة.
تجرى عمليات أخذ عينات من خلايا الجنين باستخدام إبرة دقيقة من خلال بطن الأم إلى داخل الرحم استدلالا باستخدام الموجات الصوتية مما يجعل العملية آمنة ونسبة حدوث السقوط معها بسيطة.
في بعض العائلات التي تصاب بأمراض وراثية مثل أنيميا البحر المتوسط تستخدم الموجات الصوتية في الشهر الثالث من الحمل لأخذ عينة من المشيمة للاستدلال على ما إذا كان الجنين الحالي مصابا بنفس المرض أم لا، ويمكن تطبيق ذلك على العديد من الأمراض الوراثية.
وجود زيادة في سمك رقبة الجنين (الشفافية القفوية) قد يكون دلالة على إصابة الجنين بعيوب خلقية أخرى مثل عيوب القلب، في هذه الحالات ننصح بعمل فحص بالموجات الصوتية على قلب الجنين وبقية أجزائه في الشهر الخامس من الحمل، وهو ما يساعد على تشخيص غالبية العيوب الخلقية التي قد تصيب الجنين، ووصولا إلى هذا التشخيص نتمكن من معرفة إذا كانت هذه العيوب قابلة للعلاج أثناء الحمل، مثل إصابة الجنين بالأنيميا والتي تعالج بنقل دم للجنين داخل الرحم باستخدام الموجات الصوتية للاستدلال على الحبل السري. في الآونة الأخيرة زادت نسبة حدوث التوائم نتيجة زيادة علاج مساعدة الإنجاب، ويوجد نوعان من التوائم، أحدهما يكون هناك مشاركة بين الدورة الدموية للأجنة لوجود مشيمة واحدة، والنوع الآخر تكون المشيمتان منفصلتين، ولا توجد مشاركة في الدورة الدموية.
ويعتبر النوع الأول الذي يتميز بوجود مشاركة في الدورة الدموية للأجنة أكثر عرضة لحدوث مضاعفات أثناء الحمل نتيجة حدوث خلل في الدورة الدموية للأجنة، وتعتبر الطريقة المثلى لتشخيص نوع التوأم هي فحص الأجنة بالموجات الصوتية في الشهر الثالث من الحمل.
يعتبر فحص الجنين في الشهر الثالث من الحمل باستخدام الموجات الصوتية الطريقة المطبقة حاليا في الدول الأوروبية بعد اعتماد ذلك من الكلية الملكية لأمراض النساء والتوليد بالمملكة المتحدة، بعد أن أثبت هذا الفحص كفاءة عالية لتشخيص عيوب الجنين، ونسبة عيوب الكروموسومات، وأنواع التوائم، ومن ثم عمل الخدمات اللازمة لمتابعة الحمل بطريقة سليمة وإعطاء الأمهات المعلومات اللازمة عن تكوين الجنين في تلك المرحلة.
لحسن الحظ تكون غالبية الأجنة سليمة ويكون فحص الجنين مطمئنا للأم، مما يساعدها على الشعور بالسعادة وحدوث علاقة وثيقة مع الجنين قبل ولادته، خاصة بعد التطور في الموجات الصوتية وإضافة إمكانية فحص الجنين بالموجات الصوتية ثلاثية الأبعاد التي تعطي صورة قريبة جدا لصورة الجنين في الواقع، ومتابعة الأم لحركات الجنين وتفاعلاته داخل الرحم.
عن أجزاء هذا الفحص الدقيق للجنين يستلزم قدرا عاليا من التدريب والخبرة في هذا المجال المتخصص، وتشرف مجموعة تسمى بإدارة طب الجنين في الدول الأوروبية على تدريب الأطباء بالقدر الكافي وإعطاء درجات علمية لهم مع التأكد من استمرار مستوى خدماتهم على النمط المطلوب بمراجعة الحالات التي يتم عملها سنويا معهم.
د. محمد ممتاز
أستاذ ومدير وحدة طب الجنين كلية الطب جامعة القاهرة