العنفُ سلوك شيطاني عدواني يمزقُ الأواصر الاجتماعية، وينذر بفناء الإنسانية، ولخطورته وسوء عاقبته، وضع الإسلام منهجا كاملا من التشريع الوقائي اتقاءً لخطره ودفعا لضرره، فنهى أولًا: عن كل ما يؤدى إليه من فساد في الأرض وتعدٍّ على النفس والمال والعرض، فقال تعالى: «ولا تفسدوا في الأرض»، وقال: «ولا تقتلوا أنفسكم»، وقال كذلك: «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، وأمر باستخدام ليِن القول في التعامل مع معضلات العنف والفجور حتى مع الطغاة الجبابرة فقال لهارون وموسى: «اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى» لأن سحر الكلمة الطيبة يأخذ بمجامع اللب ويدخل إلى شغاف القلب فاختارها الله لمواجهة أعتى العتاة لتكون مثلا يحتذى في الرفق والأناة، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام بينكم كحرمة يومكم هذا إلى يوم تلقونه،. رواه البخاري في خلق أفعال العباد».
ثم أمر ثانيا باحتوائه وعلاج دائه بالتسامح، والدفع بالتي هي أحسن حتى استئصاله والقضاء على أسبابه.
التسامح ضرورة حياة، وطوق نجاة، أمام العنف وما ينطوى عليه من مخاطر وآفات، تدخل في جميع المجالات من علاقات ومعاملات، بين الأفراد والجماعات وعلى مستوى الحضارات فلا تستقيم أمور الحياة من دون تجاوز الزلات والخلافات من أجل عيشٍ مشتركٍ هادئٍ هانئٍ بعيدا عن الأحقاد والصراع الذي لا يبقى ولا يذر، لهذا أمر الله جل وعلا بالعفو والصفح في مقابل إساءة المسيء أيا كان شكلها قولا وفعلا فقال: «فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير»، (البقرة: 109).
وقال تعالى: «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم»، (فصلت: 34).
وفى صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا كل هذا لئلا تكون فتنة ويعيش الناس في وئام وأمان.
التسامح النبوي في وجه العنف
كان عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين بعفوه وصفحه مع كل مظهر من مظاهر العنف القولي والفعلي بحقه أو مع غيره فتركت توجيهاته ومواقف تسامحه أثراً بالغاً في إخماد الفتن والقضاء على المحن .
روى الشيخانِ عن عائشة رضي الله عنها: أن يهوداً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام (أي الموت) عليكم، فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله، وغضب الله عليكم، قال: (مهلًا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش)، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: (أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ ) متفق عليه.
وروى مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه).
وعنها كذلك رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه»، (رواه مسلم).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وعليه برد نجراني (عباءة) غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه جبذة [أي جذبه جذبة قوية] حتى رأيت صفحة عنق رسول الله «صلى الله عليه وسلم» قد أثَّرت بها حاشية البرد من شدة جذبته (تركت الجذبة علامة على عنق الرسول)، فقال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.
وبلغ من حرصه على التسامح أنه ما انتقم لنفسه حتى مع من أراد إلحاق الأذى به فعفا وتجاوز عمن أشهر السلاح في وجهه بعد أن قدر عليه.
روى ابن حبان في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع (إحدى غزوات الرسول)، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلَّق بها سيفه. فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلَّق بالشجرة فأخذه، فقال الأعرابي: تخافني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فقال الأعرابي: فمَن يمنعك مني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فقال للأعرابي: مَن يمنعك مني؟ فقال الأعرابي: كن خير آخذ. فقال صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكني أُعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس. فبهذه الرحمة المهداة والنعمة المسداة أظهر هديه وسماحته أن التسامح ليس ضعفاً ولا جبناً وإنما هو شجاعة وقوة خارقة تنير الدروب وتنجد المكروب وتحفظ الموجود وتسترد المفقود بالحكمة والموعظة الحسنة.
قال عروة رضي الله عنه حدثتني عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال؛ فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب؛ فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت؛ فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك, وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم! فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً».
التسامح مع المخطئ والخادم
التعامل مع تصحيح الأخطاء يفتقر إلى حكمة تيسر ولا تعسر وتُقرِّب ولا تُبْعدُ روى البخاري عن أبي هريرة: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار (هاج) إليه الناس ليقعوا به (ليؤذوه بالضرب ونحوه)، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه، وأهريقوا (صُبُّوا) على بوله ذَنُوبًا (الدلو الكبير) من ماءٍ، أو سَجْلًا (الدلو الصغير) من ماءٍ؛ فإنما بُعِثتم ميسِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين».
أحوج ما يكون الناس للتسامح في ميدان الخدمات والمعاملات حيث يكثر الضغط والضجر والملل الذي يؤدي أحيانا إلى تقصير في أداء الواجب إما لعجز أو غيره فتتعين السماحة والرحمة امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم فقد جاءه رجل وقال: «يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان في الثالثة، قال: «اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة»، (سنن أبى داود).
..ومع غير المسلم
منذ بزوغ فجر الإسلام والتشريع الإسلامي يفيض تسامحاً ورحمة مع غير المسلم من خلال القرآن العظيم، ومن خلال أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ومواقفه الخالدة في مكة والطائف ومواقف أصحابه وخلفائه الراشدين في القدس الشريف وغيرها وتعامله مع من معه من مخالفيه فكان تسامحه يرفع المحن ويطفئ الفتن ويسد باب الانتقام ويرغب في الإسلام، ففي مكة المكرمة حيث أوذي وأخرج من مسقط رأسه وأحب بلاد الله إليه سبقتْ رحمتُه غضبَه لما رجع إليها فاتحا متمكنا، وظفر بمن فيها عفا وسامح وتجاوز عمن أذوه وأخرجوه منها ليفتح أمامهم الباب بالتسامح للتعايش الحضاري بعد أن بلغت القلوب الحناجر من شدة الفزع خوفاً من أن ينتقم منهم حتى قالوا: إن هذا يوم الملحمة فقال صلى الله عليه وسلم بل يوم المرحمة، وقال لما دخل صناديد قريش من المشركين الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم..ما تقولون وما تظنون؟ فقالوا نقول أخ وابن عم حليم رحيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقول كما قال يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام (السنن الكبرى للبيهقي وشرح معاني الآثار للطحاوي).
وقد كفل الإسلام بتسامحه لأهل الذمة من غير المسلمين جميع الحقوق والعيش بين المجتمع المسلم في أمان قال صلى الله عليه وسلم:
«مَن ظلم معاهَدًا، أو انتقصه حقًّا، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طِيب نفسٍ منه؛ فأنا حجيجه يوم القيامة»، (رواه أبو داود)
* المفتي في المركز الرسمي للإفتاء بأبوظبي